انفصام ثقافي !

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 3 / 29

يتعايش العرب سنة وشيعة بتواد وتراحم وتسامح، ولكن ليس في أوطانهم، بل في دول أوروبا وأميركا العالمانية المتقدمة. أما في بعض أوطانهم، فيسفكون دماء بعضهم البعض وكل طرف يدمغ الآخر بالكفر والضلال ويعده بالويل والثبور وبعظائم الأمور في الآخرة، متوهما بأن الحق الى جانبه وأنه الممثل الحصري للدين الحق. ونكاد نكون الأمة الوحيدة على وجه الأرض غير المتفقة بخصوص ماضيها ولا المتصالحة مع تاريخها. ونحن أيضًا الأمة الوحيدة بين الأمم، التي لم يرتقِ مستوى وعيها الجمعي بعد إلى الفصل بين الدنيوي والديني في شؤون حياتها، ولم تتوصل بعد إلى أن تعطي لله ما لله ولقيصر ما لقيصر. والنتيجة، أكثر بلداننا يعيش اليوم حالة حرب أهلية، اما مشتعلة كما في عدد منها، أو صامتة ولكن كما الجمر الكامن تحت الرماد. فاذا لم يكن هذا انفصاما ثقافيا، فما معنى الانفصام؟!
كثيرون منا يتمنون لو يغادروا الى الدول العالمانية المتقدمة للعيش هناك أو ارسال أبنائهم للتعليم والحياة الدائمة. أما في أوطانهم، فيلعنون العالمانية، ومنهم من يردد ذلك كالببغاء لا يعي ما يقول أصلا. وعندما تظهر آراء تطرح قناعاتها بالعالمانية، من حيث التفسير والدعوة الى الأخذ بتطبيقاتها، تواجه أطاريح كهذه بالفحيح والهجاء الظلامي القروسطي. أليس في ذلك انفصام متأصل في النفوس ووعي زائف متكلس في الرؤوس؟!
العالمانية، أصلا وفصلا حصيلة تجارب الانسان وكفاحه لبناء دول مستقرة ومزدهرة ومتقدمة بعد سفك دم وضحايا بالملايين نتيجة خلط الدنيوي والديني، والاشتباك بين ما لله وما لقيصر في عقول البشر وفي أنماط تفكيرهم. فكانت نتيجة لذلك الحروب الدينية في أوروبا خلال القرون الوسيطة، وقد حصدت أرواح الملايين، وكادت تفني أمما بأكملها في حينه مثل الأمة الألمانية. وعليه، فالعالمانية أرقى ما توصل اليه العقل الانساني في تنظيم العلاقة بين الدنيوي والديني، وذلك بوضع حدود فاصلة بين السياسة والدين. فما اختلط هذين، أي السياسة والدين، الا وكان خراب الأوطان حاضرا لا محالة، نتيجة الفتن والاقتتال على خلفية توظيف الدين من قبل بشر للتحكم ببشر آخرين باسم "الحق الالهي" وتنويعاته، كما كان يفعل رجال الكنيسة في قرون غابرة مظلمة وكما يفعل "أناس" عندنا اليوم في القرن 21 وان بمسميات مختلفة. فالاستبداد عبر التاريخ وما يزال، يستسهل توظيف الدين للتحكم بالبشر والشجر والحجر. ولضمان هذا التوظيف لا بد من غسل العقول وتنويم البشر، والأخطر من ذلك غرس الخوف في النفوس للسيطرة على الانسان. فأينما وجد الخوف، هناك دائما سلطة استبدادية. ولضمان ذلك ينتج الاستبداد أدواته، ولا مشكلة لديه أن يدعي هؤلاء امتلاك الحقيقة المطلقة أو انتداب أنفسهم للنطق باسم السماء كونهم كما يتوهمون نوابا حصريين لها دون غيرهم.
الدليل الأفقع على ما نقول، تأملوا خارطة العالم بعين العقل وبالعقل وحده وليس بغيره. الدول العالمانية مستقرة ومزدهرة وتتقدم كل يوم، أما واقع حالنا في الوطن العربي، فقد شخصناه بايجاز في السطور السابقة.
لا يضير العالمانية أن يسئ فهمها أحد أنصارها أو يغالي في هذا الفهم، ولا يعيبها بعض أنموذجاتها التطبيقية، لكنها كما قلت، وبالدليل الذي ذكرت، أرقى ما توصل اليه العقل الانساني في تنظيم العلاقة بين الشأنين الدنيوي والديني. عمادها الرئيس وركنها الأبرز، فصل الدين عن السياسة واخراجه من ملعبها نهائيا، والا فالاستبداد والفتن والحروب الأهلية.
ولعل أغرب ما يقال عن العالمانية، أنها مقدمة للتطبيع. فلا أدري ما العلاقة بين العالمانية والتطبيع؟! مثل هذا الكلام قيل عن الديمقراطية، وما يزال بعضهم يقوله بالمناسبة.
الديمقراطية والعالمانية تشتركان بقيم المساواة بين البشر، بغض النظر عن اللون والجنس والدين والعرق. وهما أيضا، تضمنان حرية الرأي والمعتقد. ولهذا لا ديمقراطية حقيقية من دون عالمانية، وعلى وجه التحديد من دون فصل الدين عن السياسة.
في السياق، لا يكره رجال الدين العالمانية حبا بالدين. المطلعون منهم والعارفون، يعلمون أن العالمانية لا شأن لها بالايمان والكفر، وأنها تضمن حرية العبادة. هم يعادون العالمانية، لأنها تنزع منهم السلاح الذي به يفرضون أنفسهم على المجتمع وبسطاء الناس بخاصة، وبواسطته يترزقون، وهو الدين. فالعالمانية لا تسمح لأحد أن يدعي "الحق الالهي" وأنه "ظل الله في الأرض" أو "النطق باسم السماء" و "توزيع الناس على الجنة والنار". هنا، وهنا بالذات، سبب عدائهم للعالمانية، وهناك من يلهث في غبارهم ممن أعانهم الله، دون وعي ومعرفة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت