كيف مهدت ميديا الغرب للإبادة الجماعية (1من2)

سعيد مضيه
2024 / 3 / 29

أكاذيب ميديا الغرب وفبركاتها وتشويهاتها

"من التعتيم على دور الغرب في إبادة غزة بالتقتيل والتجويع إلى الروايات المثيرة عن الاغتصاب الجماعي من قبل حماس، عمل الصحفيون (في الميديا الرئيسة بالغرب) كمروجين لبروباغاند تبرير الإبادة الجماعية"، كتب الصحفي البريطاني، جوناثان كوك، وأضاف: "عنوان رئيس بصحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال ، أبلغ القراء في الشهر الماضي: ’المجاعة تطارد أطفال غزة‘، كما لو كانت هذه كارثة طبيعية، أو كارثة إنسانية غير متوقعة، وليس سياسة معلنة مسبقاً ونسقها بعناية كبار المسئولين في إسرائيل" . نظرا لتعدد الفبركات والتشويهات والتعتيم ، تلك التي توجّب على جوناثان كوك تفنيدها ، فقد طالت به سردية اللحم المشوي والدم المسفوك ، وإذا اللحم المشوي لحمنا والدم المسفوك دمنا ، ع0سب تعبير الرفيق محمد بركة، وكذلك الاعتداء الجنسي على حرائرنا. نرجئ قضية الاعتداء الجنسي وسذاجة الصحفيين الى حلقة تالية ونكرس الحلقة الأولى لسردية ميديا الغرف في تلفيقاتها وتشوويهاتها .
* * *
كانت الأشهر الخمسة الماضية واضحة؛ ما كان من المفترض أن يكون مخفياً قد تم تعريضه للنور؛ وما كان من المفترض أن يكون غامضا قد أصبح موضع تركيز حاد.
ليست الديمقراطية الليبرالية على ما تبدوعليه.
عرّفت نفسها دائمًا على النقيض مما تقول إنها كذلك؛ حيثما تكون الأنظمة الأخرى وحشية، فذلك يكون إنسانيا؛ وعندما يكون الآخرون سلطويين، يكونون منفتحين ومتسامحين؛ عندما يكون الآخرون مجرمين، فهؤلاء يحترمون القانون. وعندما يكون الآخرون محاربين، فإنهم دعاة سلام، أو هكذا تقول كتيبات الديمقراطية الليبرالية.
ولكن كيف نحافظ على ثقتنا عندما تتواطأ الديمقراطيات الليبرالية في جريمة الجرائم ، الإبادة الجماعية، وهي الرائدة في العالم ويشار إليها دائماً باسم "الغرب" ؟
ليس فقط خرق القانون أو الجنحة، بل إبادة شعب. وليس فقط بسرعة، قبل أن يتاح للعقل الوقت الكافي لاستيعاب خطورة الجريمة ومداها ؛ ولكن بحركة بطيئة، يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر.
أي نوع من منظومة القيم يمكن أن يسمح لمدة خمسة أشهر بسحق الأطفال تحت الأنقاض، وتفجير الأجساد الهشة، وإهدار الأطفال، بينما لا يزال يدعي أنه إنساني، ومتسامح، وساعٍ للسلام؟
ولا تسمح بكل هذا فحسب، بل تساعد فيه بنشاط. تزودهم بالقنابل التي تمزق هؤلاء الأطفال أو تهدم منازلهم، وتقطع العلاقات مع وكالة الإغاثة، الوحيدة التي يمكنها أن تأمل في إبقائهم على قيد الحياة.
يبدو أن الإجابة تكمن في نظام القيم في الغرب.
لم ينزلق القناع فحسب، بل تمزق؛ ما يكمن تحت القناع هو قبيح حقا!
الفساد في العرض
يحاول الغرب يائسًا التأقلم. فعندما يظهر الفساد الغربي بشكل كامل، تتجه الأنظاربقوة إلى مكان آخر: إلى الأشرار "الحقيقيين".
سموهم بالاسم : روسيا؛ تنظيم القاعدة؛ ألدولة الإسلامية؛ الصين؛ والآن، حماس.
يجب أن يكون هناك عدو. ولكن هذه المرة، من الصعب للغاية إخفاء شرور الغرب، والعدو ضئيل للغاية ــ بضعة آلاف من المقاتلين تحت الأرض داخل سجن محاصر منذ 17 عاما ــ إلى الحد الذي يجعل من الصعب تجاهل هذا التباين. من الصعب ابتلاع الأعذار.
فهل حماس حقاً شريرة وماكرة إلى هذا الحد وتمثل تهديداً كبيراً إلى الحد الذي يستدعي مذبحة جماعية؟ هل يعتقد الغرب حقاً أن هجوم 7 أكتوبر يستدعي قتل وتشويه وتيتم عشرات الآلاف من الأطفال كرد فعل؟
للقضاء على مثل هذه الأفكار، كان على النخب الغربية أن تفعل شيئين. أولاً، حاولوا إقناع جماهيرهم بأن الأفعال التي يتواطأون في التستر عليها ليست سيئة كما يتم تصويرها. ومن ثم فإن الشر الذي يرتكبه العدو استثنائي للغاية وغير معقول لدرجة أنه يبرر الرد بالمثل.
وهذا هو بالضبط الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية خلال الأشهر الخمسة الماضية.
جوعتهم إسرائيل
لفهم كيفية التلاعب بالجماهير الغربية، ما عليك سوى إلقاء نظرة على التغطية الإعلامية - وخاصة من تلك المنافذ الأكثر ارتباطًا ليس باليمين ولكن بالقيم الليبرالية المفترضة.
فكيف تعاملت وسائل الإعلام مع 2.3 مليون فلسطيني في غزة الذين يتضورون جوعاً تدريجياً حتى الموت بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على المساعدات، وهو العمل الذي يفتقر إلى أي غرض عسكري واضح يتعدى إنزال انتقام وحشي بالمدنيين الفلسطينيين؟ في نهاية المطاف، سوف يبقى مقاتلو حماس الى ما بعد فناء الشباب والمرضى وكبار السن في حرب استنزاف من نموذج العصور الوسطى تحرم غزة الغذاء والماء والأدوية.
عنوان رئيس بصحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال ، أبلغ القراء في الشهر الماضي: "المجاعة تطارد أطفال غزة"، كما لو كانت هذه كارثة طبيعية، أو كارثة إنسانية غير متوقعة، وليس سياسة معلنة مسبقاً ونسقها بعناية كبار المسئولين في إسرائيل .
وعرضت صحيفة فايننشال تايمز نفس الإطار المنحرف: "المجاعة تطارد أطفال شمال غزة".
ولكن المجاعة ليست الفاعل في غزة؛ إنما إسرائيل هي الفاعل . إسرائيل تختار تجويع أطفال غزة؛ وهي تجدد هذه السياسة كل يوم بمظهر طازج؛ واعية بالتمام الثمن الرهيب الذي ينزل بالسكان.
وكما حذر رئيس هيئة المساعدات الطبية للفلسطينيين من التطورات في غزة: "إن الأطفال يتضورون جوعا بوتائر أسرع مما شهده العالم على الإطلاق".
في الأسبوع الماضي، أعلنت منظمة اليونيسيف، صندوق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، أن ثلث الأطفال الذين تقل أعمارهم عن عامين في شمال غزة يعانون من سوء التغذية الحاد. وكانت مديرتها التنفيذية، كاثرين راسل، واضحة: "يستمر وقف إطلاق النار الإنساني الفوري في توفير الفرصة الوحيدة لإنقاذ حياة الأطفال وإنهاء معاناتهم".
ولو كان التجويع هو الذي يتولى المطاردة حقاً، وليس فرض إسرائيل للمجاعة، لكان عجْزُ الغرب أكثر قابلية للفهم. وهو ما يفترض أن وسائل الإعلام تريد من قرائها أن يستنتجوه.
لكن الغرب ليس عاجزا؛ فهو يمكّن هذه الجريمة ضد الإنسانية - يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع - عن طريق رفضه ممارسة سلطته لمعاقبة إسرائيل، أو حتى التهديد بمعاقبتها، بسبب منع المساعدات.
ليس ذلك فحسب، بل ساعدت الولايات المتحدة وأوروبا إسرائيل في تجويع أطفال غزة عن طريق قطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة للاجئين، الأونروا،شريان الحياة الإنساني الرئيسي في القطاع.
كل هذا محجوب – حجب متعمد- بالعناوين الرئيسية التي تنقل وكالة الأطفال الذين يتضورون جوعاً إلى اسم مجرد بدلاً من دولة ذات جيش كبير يمارس الانتقام.


الهجوم على قافلة مساعدات
مثل هذا التوجيه الخاطئ موجود في كل مكان، وهو مقصود تمامًا. إنه دليل قواعد اللعبة، وهو دليل تستخدمه ميديا الغرب كافة؛ وكان ذلك واضحاً للغاية عندما وصلت قافلة مساعدات الشهر الماضي إلى مدينة غزة، حيث بلغت مستويات المجاعة التي تسببها إسرائيل الحد الأقصى .
فيما بات يعرفه الفلسطينيون باسم "مذبحة الطحين"، أطلقت إسرائيل النار على حشود كبيرة كانت تحاول يائسة الحصول على طرود غذائية من قافلة مساعدات نادرة لإطعام أسرهم الجائعة. وقُتل أكثر من 100 فلسطيني بنيران الأسلحة أو سحقتهم الدبابات الإسرائيلية أو صدمتهم الشاحنات أثناء فرارها من مكان الحادث. وأصيب مئات آخرون بجروح خطيرة.
لقد كانت جريمة حرب إسرائيلية – إطلاق النار على المدنيين – جاءت ذروة الجريمة الإسرائيلية ضد الإنسانية – تجويع مليوني مدني حتى الموت.
لم يكن الهجوم الإسرائيلي على أولئك الذين كانوا ينتظرون المساعدات مجرد حادثة واحدة؛ وقد تكرر الأمر عدة مرات، لكنك بالكاد تعرفه، نظراً لضعف التغطية.
الفساد المتمثل في استخدام قوافل المساعدات كأفخاخ لإغراء الفلسطينيين حتى الموت أشد فظاعة بحيث يتعذر فهمه.
لكن هذا ليس هو السبب وراء حجب العناوين الرئيسية التي رحبت بهذا الحدث المروع، حجبته معا أو قدمته بمجاملة أو نفاق.
بالنسبة لأي صحفي، كان ينبغي أن يكتب العنوان الرئيسي نفسه: "إسرائيل متهمة بقتل أكثر من 100 شخص بينما تنتظر الحشود مساعدات غزة". أو: “إسرائيل تطلق النار على حشد المساعدات الغذائية. مئات القتلى والجرحى».
لكن ذلك من شأنه أن يحيل المسئولية على إسرائيل - التي تحتل غزة منذ أكثر من نصف قرن، والتي تحاصرها منذ 17 عاماً - في مقتل أولئك الذين كانت تحتلهم وتحاصرهم. شيء لا يمكن تصوره بالنسبة لميديا العرب.
لذلك كان لا بد من تحويل التركيز إلى مكان آخر.
التشويهات
كانت تشويهات صحيفة الغارديان مذهلة بشكل خاص: "يقول بايدن إن الوفيات المرتبطة بالمساعدات الغذائية في غزة تعقّد محادثات وقف إطلاق النار".
لقد اختفت المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل باعتبارها "وفيات غامضة مرتبطة بالمساعدات الغذائية"، والتي أصبحت بدورها ثانوية بالنسبة لتركيز صحيفة الغارديان على التداعيات الدبلوماسية.
وجهت مانشيتات الصحف القراء إلى افتراض أن الضحايا الحقيقيين لم يكونوا مئات الفلسطينيين الذين قتلوا وشوهوا على يد إسرائيل، بل الرهائن الإسرائيليين الذين "تعقدت" فرص إطلاق سراحهم بسبب "الوفيات المرتبطة بالمساعدات الغذائية".
وكان العنوان الرئيسي في تحليل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لنفس جريمة الحرب - والذي أعيد تأطيره الآن باعتباره "مأساة" أحيلت ملهاة - تكرر الخدعة صحيفة نيويورك تايمز: "مأساة قافلة المساعدات تظهر الخوف من المجاعة التي تطارد غزة".
وكانت المناورة المفضلة الأخرى، التي ابتكرتها صحيفة الغارديان مرة أخرى، هي إخفاء المسؤولية عن جريمة حرب واضحة المعالم. وجاء في عنوان الصفحة الأولى: "أكثر من 100 فلسطيني يموتون في الفوضى المحيطة بقافلة المساعدات لغزة".
ومرة أخرى، تم إخراج إسرائيل من مسرح الجريمة؛ والأسوأ من ذلك أنه تمت إزالة مسرح الجريمة أيضًا. ويبدو أن الفلسطينيين "ماتوا" بسبب سوء إدارة المساعدات. ربما الأونروا هي المسؤولة.
باتت الفوضى والارتباك بمثابة امتناع مفيد للمنابر الإعلامية الأشد حرصاً على إخفاء الذنب؛ أعلنت صحيفة واشنطن بوست أن "فوضوية توصيل المساعدات تحولت إلى قاتل عندما يتبادل اللوم المسؤولون الإسرائيليون وغزة ". واتخذت شبكة "سي إن إن" نفس الخط، حيث خفضت تصنيف جريمة حرب إلى "حادثة فوضوية".
ولكن حتى هذه الإخفاقات كانت أفضل من انحسار اهتمام الميديا بسرعة عندما غدت روتينية تلك المذابح التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين المطالبين بالمساعدة - وبالتالي يصعب التعتيم عليها.
وبعد أيام قليلة من مذبحة الطحين، أدت غارة جوية إسرائيلية على شاحنة مساعدات في دير البلح إلى مقتل تسعة فلسطينيين على الأقل، بينما قُتل في الأسبوع الماضي أكثر من 20 فلسطينياً جائعاً بنيران طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية بينما كانوا ينتظرون المساعدات.
إن المذابح "المرتبطة بالمساعدات الغذائية" - والتي سرعان ما أصبحت أمراً طبيعياً مثل غزوات إسرائيل للمستشفيات - لم تعد تستحق الاهتمام الجدي. ويشير البحث إلى أن بي بي سي تمكنت من تجنب تقديم تغطية كبيرة لأي من الحادثتين عبر الإنترنت
مسرحية إسقاط الغذاء
في هذه الأثناء ساعدت الميديا واشنطن باقتدار في انحرافاتها المتعددة عن الجريمة المشتركة ضد الإنسانية،المتمثلة في فرض إسرائيل مجاعة على غزة، والتي تفاقمت بسبب توقيف تمويل الأونروا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا ، وهي الوكالة الوحيدة التي يمكنها التخفيف من حدة تلك المجاعة.
انضم المذيعون البريطانيون والأمريكيون بانتشاء إلى الطواقم الجوية بينما حلقت طائراتهم العسكرية ذات البطون الضخمة فوق شواطئ غزة، بتكلفة كبيرة، كي تسقط وجبات جاهزة لمرة واحدة لعدد قليل من الفلسطينيين الجائعين تحتهاعلى اليابسة.
ونظراً للحاجة إلى مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات يومياً لمجرد منع انزلاق غزة إلى مستويات أعمق من المجاعة؛ لم تكن الإسقاطات إلا مسرحية؛ فكل دفعة تسقط لم تزد في أفضل الحالات عن حمولة شاحنة- وبعد ذلك لو لم تسقط اللوحات في البحر فقط، أو تقتل الفلسطينيين حيث القصد الإفادة.
لم تكن العملية لتستحق أكثر من السخرية.
بدلاً من المشاهد الدرامية لطيارين أبطال، تتخللها تعبيرات القلق بصدد الصعوبات التي تواجه معالجة "الأزمة الإنسانية" في غزة، كانت مفيدة في صرف انتباه المشاهدين ليس فقط عن عدم جدوى العمليات، بل أيضاً عن حقيقة هل كان الغرب عازما حقاً على القيام بذلك؛ بدلا من ذلك كان من الممكن لذراع إسرائيل السماح بدخول مساعدات أكثر وفرة عن طريق البر في أي لحظة.
هللت وسائل الإعلام لمخطط إدارة بايدن الثاني، ولو انه مشروع أشد غرابة لمساعدة الفلسطينيين الجوعى . تعتزم الولايات المتحدة بناء رصيف عائم مؤقت قبالة ساحل غزة حتى يمكن تسليم شحنات المساعدات من قبرص.
[انظر: كريس هيدجز: حصان طروادة الإسرائيلي]
تتسع فجوات المؤامرة؛ سوف يستغرق بناء الرصيف شهرين أو أكثر، في حين أن الحاجة ماسة الآن للمساعدات . وفي قبرص، كما هو الحال في المعابر البرية إلى غزة، ستكون إسرائيل مسؤولة عن عمليات التفتيش – وهذا هو السبب الرئيسي للتعطيلات.
وإذا كانت الولايات المتحدة تعتقد الآن أن غزة بحاجة إلى ميناء، فلماذا لا تعمل أيضًا على إنشاء ميناء أكثر استدامة؟
[انظر: رصيف بايدن من أجل غزة هو لفتة جوفاء]
الجواب، بطبيعة الحال، ربما يذكّر الجمهور بالوضع قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، عندما كانت غزة تحت حصار خانق من قبل إسرائيل لمدة 17 عاما - وهو سابق لهجوم حماس الذي لم تجد ميديا الغرب الحيز للتطرق اليه .
لعقود من الزمن، حظرت إسرائيل على غزة من أي اتصال بالعالم الخارجي ليست لها سيطرة عليه ، بما في ذلك منع بناء ميناء بحري وقصف المطار الوحيد في القطاع عام 2001، بعد وقت قصير من افتتاحه.
مع ذلك، في الوقت قبلت التغطية الإعلامية بدون تردد إصرار إسرائيل على أنها لم تعد تحتل غزة - لمجرد أنها فعلت ذلك بعد زمن قصير ، عام 2005 .
للولايات المتحدة نفوذ حاسم على إسرائيل، دولتها العميلة، لو قررت ممارسة هذا النفوذ – ليس على الأقل مليارات المساعدات والفيتو الدبلوماسي الذي تمارسه بانتظام نيابة عن إسرائيل.
والسؤال المستوجب الطرح من قبل الميديا في كل مقال حول "المجاعة التي تلاحق غزة" هو لماذا لا تستخدم الولايات المتحدة هذا النفوذ.
في مقال نموذجي مقطوع الأنفاس(مطول) بثته هيئة الإذاعة البريطانية بعنوان "كيف يخطط الجيش الأمريكي لبناء رصيف وإدخال الغذاء إلى غزة"، تجاهلت الصورة الكبيرة لتتعمق بحماس في تفاصيل "التحديات اللوجستية" و"التحديات الأمنية الضخمة" التي تواجه مشروع بايدن.
أعاد المقال النظر في سوابق من عمليات الإغاثة في كارثة عمليات المعونة في الصومال وهايتي وصولا إلى الإبرار في نورماندي أثناء الحرب العالمية الثانية.
صحفيون سذج – مزاعم سفالة
دعماً لهذه التكتيكات التضليلية، اضطرت منابر الميديا الليبرالية أيضاً اللجوء الى مزاعم وجدتها بينة على فظائع ارتكبتها حماس في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول - بينة يبدو انهم غير راغبين في المشاركة بها – بان حماس أمرت مقاتليها ممارسة الاغتصاب بصورة منهجية كسلاح في الحرب؛ تضمين بالكاد يجد القناع بان هذه الأعماق من السفالة هي نفس مستوى رد الفعل الإسرائيلي ووحشيته، وربما تبرره.
- لاحظوا ان هذا الزعم مختلف تماما عن المقولة ان حوادث اغتصاب حدثت يوم 7 أكتوبر.
وهذا لسبب وجيه: هناك الكثير من المؤشرات على أن الجنود الإسرائيليين يستخدمون بانتظام الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الفلسطينيات . تقرير للأمم المتحدة صدر في فبراير/شباط يتناول مزاعم بأن الجنود والمسؤولين الإسرائيليين استخدموا العنف الجنسي ضد النساء والفتيات الفلسطينيات منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، لم يحظ بأي من العناوين الرئيسية أو الغضب من ميديا الغرب الموجهة إلى حماس.
ومن أجل تقديم حجة معقولة مفادها أن حماس غيرت قواعد الحرب في ذلك اليوم، كان الأمر يتطلب قدراً أعظم من الانحراف والإثم. وقد لعبت الميديا الليبرالية في الغرب دورها عن طيب خاطر من خلال إعادة تدوير مزاعم الاغتصاب الجماعي والمنهجي من قبل حماس، جنبًا لجنب مع المزاعم الصارخة عن الانحرافات المميتة - في حين تشير إلى أن أي شخص يطلب الأدلة يتغاضى عن مثل هذه البهيمية.
لكن ادعاءات الميديا الليبرالية حول وقوع "اغتصابات جماعية" من قبل حماس - والتي بدأت بمقالة وضعت جدول الأعمال في صحيفة نيويورك تايمز وكررتها صحيفة الغارديان بعد أسابيع - انهارت عند الفحص الدقيق.
قامت وسائل إعلام مستقلة مثل Mondoweiss، وElectronic Intifada، وThe Grayzone وغيرها بتفكيك رواية حماس عن الاغتصاب الجماعي تدريجيًا.
ولكن ربما كان الأمر الأكثر ضررًا هو التحقيق الذي أجرته The Intercept والذي كشف أن كبار محرري التايمز هم الذين جندوا صحفيًا إسرائيليًا مبتدئًا - وهو مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق له تاريخ في دعم تصريحات الإبادة الجماعية ضد شعب غزة - للقيام بالعمل الميداني. .
والأمر الأكثر إثارة للصدمة هو أن محرري الصحيفة هم الذين ضغطوا عليها للعثور على القصة. وفي انتهاك لمعايير التحقيق، تمت هندسة السرد بشكل عكسي: فُرض من الأعلى، ولم يتم العثور عليه من خلال التقارير الميدانية.

مقارنة تلك الجرائم بما قد يبدو لولا ذلك أسوأ من الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول للفلسطينيين.
وقد تطلب ذلك جرعة كبيرة على نحو غير عادي من السذاجة من جانب الصحفيين الذين عادة ما يظهرون على أنهم متشككون عنيدون.
يتم قطع رؤوس الأطفال، أو وضعهم في الأفران، أو تعليقهم على حبال الملابس. لم يكن هناك أي غضب مخترع من جانب حماس بعيد الاحتمال لدرجة أنه تم حرمانه من المعالجة في الصفحة الأولى، فقط ليتم إسقاطه بهدوء في وقت لاحق عندما تبين أن كل منها ملفق تمامًا كما كان ينبغي أن يبدو لأي مراسل مطلع على الطريقة التي يستغل بها المروجون لضباب الحرب.
وعلى نحو مماثل، تجاهلت الصحافة الغربية بأكملها بشكل متعمد أشهراً ما كشفت عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية، والتي نقلت تدريجياً المسؤولية عن بعض من أبشع الحوادث التي وقعت في 7 أكتوبر - مثل حرق مئات الجثث - من أكتاف حماس إلى أكتاف إسرائيل.
وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية فشلت في ملاحظة أهمية تصريحاته، إلا أن المتحدث الإسرائيلي مارك ريجيف اعترف بأن عدد القتلى الإسرائيليين منذ 7 أكتوبر كان لا بد من تخفيضه بمقدار 200 لأن العديد من الرفات المتفحمة بشدة تبين أنها لمقاتلي حماس.
وتُظهِر شهادات القادة والمسؤولين الإسرائيليين أن القوات الإسرائيلية، التي فوجئت بهجوم حماس، قامت بإطلاق قذائف الدبابات وصواريخ هيلفاير بعنف، الأمر الذي أدى إلى حرق مقاتلي حماس وأسراهم الإسرائيليين بشكل عشوائي. إن السيارات المحترقة المتراكمة كدليل بصري على سادية حماس هي في الواقع دليل على عدم كفاءة إسرائيل، وفي أسوأ الأحوال، على همجيتها.
يبدو أن البروتوكول العسكري السري الذي وجه سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها إسرائيل في 7 أكتوبر - إجراء هانيبال سيئ السمعة لمنع أسر أي إسرائيلي - لم يستحق أن يذكره أي من صحيفة الغارديان أو هيئة الإذاعة البريطانية في تغطيتهما ليوم 7 أكتوبر.
وعلى الرغم من تكرارهم المستمر لأحداث 7 أكتوبر، لم ير أي منهم أنه من المناسب الإبلاغ عن المطالب المتزايدة من العائلات الإسرائيلية لإجراء تحقيق في ما إذا كان أحبائهم قد قُتلوا بموجب إجراءات هانيبال الإسرائيلية.
كما لم تنشر هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أو صحيفة الغارديان أي تقارير عن تعليقات رئيس الأخلاقيات في الجيش الإسرائيلي، البروفيسور آسا كاشير، الذي ندد فيها بلجوء الجيش إلى إجراء هانيبال في 7 أكتوبر ووصفه بأنه "مرعب"و "رهيب".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت