الخوّاص؛ حافظ البرغوثي

مهند طلال الاخرس
2024 / 3 / 29

الخوّاص رواية لحافظ البرغوثي تقع على متن ٢٢٦ صفحة من القطع المتوسط، وهي من اصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية بطبعتها الاولى سنة ٢٠٠٥.

الخوّاص سيرة ذاتية للراوي وبحيث تشمل هذه السيرة تاريخ بلدته دير غسانة وتاريخ والده وجده بالاضافة الى تاريخ بعض الشخصيات في بلدته دير غسانة، وبحيث يمتد زمن الرواية منذ ان جاء الخواص الانسان الى فلسطين من مصر للجهاد في زمن نور الدين زنكي .وقد انشأ الخواص مقاما على اعلى تل في دير غسانة وحول التل انشأ مقامه والذي عرف فيما بعد باسمه بحيث اصبح معلما وجزء من تاريخ البلدة ومحور هذه الرواية التي نسجت منها حكاياتها وكتبت صفحاتها.

وصاحب المقام اسمه ابراهيم الخواص ، يعمل في مهنة"الخوص" ، يقول :"انا العبد الفقير الى الله ابراهيم الخواص ، خلقت في ارض مصر"المحروسة" ما ان وعيت الدنيا وانا اعمل في الخوص ، اقطعه وانسج منه سلالا ، وقفافا ، ونبني منه مراكب" .

وبناء على رؤية في المنام تبوح بتفاصيلها صفحات الرواية يقرر الخواص الرحيل لفلسطين للمشاركة بالجهاد ضد الفرنجة؛ حيث اتخذ الخواص وامثاله في فلسطين قمم الجبال سكنا لهم ، لما يتطلبه الدور الجهادي الذي سيقومون بهم ، بحكم ورعهم وتقواهم، وكان الدور المناط بهم هو مراقبة تحركات الفرنجة ، وارسال اشارات دخانية الى نور الدين زنكي في الشام :"قال ان ورعك وصبرك على الدنيا واحتجابك عن المرغوب ، وبعدك عن الحرام هو المطلوب .. قال وكيف ذلك ؟ قال تسير الى فلسطين وتستقر على احد التلال في اكناف بيت المقدس ، كناسك متعبد ، ترقب الفرنجة وتحركاتهم ، وثمة اخوة مجاهدون آخرون على التلال المجاورة يلتقطون اشاراتك ويرسلونها تباعا الى ارض الشام ، لتصل الى مولانا نور الدين ...".

ويبرز الخواص في الرواية كمكان وكحكاية لهما تاريخ حافل ومشترك مع بلدة دير غسانة وبشكل اكبر واعم مع فلسطين، ينم عن تجذر هذه الارتباط ومدى تمسك اصحابها بها.

وهذا المقام بمجمل الحكايا والمرويات التي نسجت عنه او انسلت منه او توالدت منه تشكل بمجملها تاريخ فلسطين وتاريخ دير غسانة بحيث شكلت هوية المنطقة واكسبت ابنائها هويتهم الازلية وطورت وعدلت وبنت وراكمت كل تلك الحكايا لتصنع تاريخ فلسطين وبحيث اصبحت ملامح ابنائها جزء من حكايتها.

حول مقام الخواص تدور الحكايا وتطلق الاشاعات والتي تسهم بدخول دير غسانة التاريخ عبر سيرة ابنها البار حافظ البرغوثي، حافظ صاحب القلم والهوية والذي جعل مقام الخواص يبوح بما لديه من حكايات اختزنتها قبابه وجدرانه واحتضنتها دير غسانة؛ بحيث انبثقت مجموعة من المرويات والحكايات والنعتقدات وجزء مهم من العادات والتقاليد لتنسج منها احداث الرواية .

ولان لكل صاحب اسم من اسمه نصيب؛ فقد نجح صاحبنا بحفظ سيرة بلدته عبر حكاية الخواص، فامثال صاحبنا تعرف وتعي قيمة الكلمة والهوية جيدا، وهذه الرواية السيرية مثالا حي لمقولة درويش:" من يكتب حكايته يرث ارض الكلام ويملك المعنى تماما".

وفي مقام الخواص ،الذي يؤمه عوام الناس وخاصة النساء ، ليقوموا ببعض العادات والتقاليد ، التي نمت لديهم فيما بعد ، ثم تطورت لاداء العبادة ـ الصلاة ـ وحل الخلافات وقسم اليمين عند المقام لفض النزاعات وابداء النذور والتذرع والتبرك وما الى ذلك من طقوس تفرضها مقامات الاولياء المتواجدة على عموم ارض فلسطين؛ وقد نجح الكاتب في تسليط الضوء على فترة نشوء هذه المقامات والغاية من انشائها واسباب ذلك؛ علاوة على قيمتها التاريخية والدينية والهوياتية الاصلانية لاصحاب الارض.

بطل الرواية تمثلها شخصية صاحبنا الكاتب حافظ البرغوثي القابع خلف شخصيته الولد يحركها بانسيابية تنبع حكاياها من ذاكرة وطنية فلاحية مثقفة والاهم انها خصبة ، وشخصية الولد او حافظ في الرواية هي شخصية وطنية مسكونة بحب الارض وعشقها ، ممتزجة بترابها وحكاياها ولاكمال هذا النسيج الروائي للشخصيات والحكايات كان لابد للكاتب من ان يستعين بشخصيات تمكنه من تأثيث روايته بما ويتلائم مع سيرة المكان والانسان في دير غسانة، وهذا مانجده في معظم شخصيات الرواية من الشيخ ابراهيم الخواص الى جد الولد ، والامام والعبد الحان والشيخ بولاد والحاج سالم ، وابو عودة ، وشديد الكنعاني ، فكلهم انجبلوا وارتبطوا بحب بالارض ونسجت الارض من سيرتها فيهم اجمل الحكايات.

سيرة صاحبنا سيرة حافلة بالالم والمعاناة والتنقل والطرد والابعاد من عواصم عربية عمل فيها صاحبنا كالكويت وسوريا ولبنان والقاهرة، وحفلت صفحات الرواية بكثير من اسرار تلك السيرة ومحطاتها .. وفي هذا السياق قد يكون من الضروري الاطلاع ومعرفة بعض فصول السيرة الذاتية لصاحبنا حافظ البرغوثي والتي ولدت من بطنها رواية الخواص.

ولد حافظ عمر البرغوثي عام 1950 في قرية دير غسانة قضاء مدينة رام الله، وهو متزوج وله أربعة أبناء. أنهى الثانوية العامة في مدرسة بلدته دير غسانة، ودرس العلوم السياسية في جامعة كاتانيا في إيطاليا لفترة، ثمَّ ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي وعمل في الجهاز الغربي تحت امرة خليل الوزير ابو جهاد.

عمل البرغوثي في مجال الصحافة منذ عام 1975، وشغل سكرتير تحرير صحيفتي الوطن ثم القبس الكويتية، كما شغل منصب رئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة المحلية، التي أسسها مع نبيل عمرو عام 1995 حتى تقاعده عام 2012.

صدر للبرغوثي عددٌ من الكتب والروايات منها «عصر الانحطاط» في الثمانينيات، و«دم الانتفاضة» الصادر في عمان عام 1990؛ حيث وثَّق حياة عدد من شهداء الانتفاضة الأولى، و«أحوال» (وهي عبارة عن كتابات أدبية ساخرة) عام 2004، ورواية الخوّاص عام 2005.

نشط البرغوثي داخل الأرض المحتلة وشارك في الانتفاضة الأولى (1987-1993) فاعتقلته قوات الاحتلال عام 1988 لمدة 22 يومًا، خضع خلالها للتحقيق حول كتاباته في صحف عربية، وتحريضه على العصيان المدني. كما انه فةز بعضوية المجلس الثوري لحركة فتح مرتين.

الرواية كصاحبها [حافظ] فهو من رعيل السدنة الحكائين، والذي يغرف من بحر الذاكرة وخابية الحنين ، وينسج من ولعه وهمه الوطني اسم فلسطين، فالرواية بحكاياها وخراريفها جاءت حافظة للهوية والتراث، وتزين صفحاتها بسيرة انبل البشر [الشهداء] ، بحيث لم يغب عن بال صاحبنا افراد صفحات عدة لسير هؤلاء الشهداء وبطولتهم عرفانا ووفاء.

الرواية غنية ومزدحمة بالموروث الشعبي، من حكايات وطرائف وامثال واقوال للقرى الفلسطينية؛ بل ان الرواية في حبكتها الاساسية وحتى الاحداث الفرعية بنيت واسست على الموروث الشعبي، وتلك المرويات والحكايا التي بنيت عليها الرواية بدا كما لو انها تسري في عروقنا وتجري فينا مجرى الدم، في تاكيد عن تجذر هذا الموروث وارتباطه باصحابه الاصلانيين.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت