سقوط بغداد ... الأسباب و التداعيات ( 2 )

آدم الحسن
2024 / 3 / 28

بعد انهيار و تفكك الاتحاد السوفيتي السابق حكمَ القطب الأمريكي العالم لفترة امتدت لحوالي ربع قرن , استمر هذا القطب الأوحد طيلة تلك الفترة يفعل ما يشاء دون رادع أو مانع حقيقي الى أن تمكنت الصين من تحقيق نمو اقتصادي و عسكري و تشكيل قطب دولي جديد افقد امريكا شيئاً من قدرتها على الانفراد بتحديد مصائر الدول و الشعوب و قد رافق صعود الصين كقوة مؤثرة لا يمكن الاستهانة بها خصوصا على الصعيد العلمي و التكنولوجي صعودا لقطب أخر هي روسيا التي تمكنت بشكل تدريجي من ترميم وضعها الداخلي و استعادة جزء من مكانتها السياسية على الساحة الدولية .
في مرحلة القطب الأمريكي الأوحد و في ظل وضع دولي غير متوازن تم احتلال العراق و أفغانستان و قبل ذلك تم تفكيك يوغسلافيا من قبل امريكا ومعها التابعين لها في حلف الناتو , حيث تم الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 و قبل ذلك تم إنزال الجيوش الأمريكية و حلفائها سنة 2001 في أفغانستان بحجة القضاء على تنظيم القاعدة الذي كان متمركزا فيها , ذلك التنظيم الإسلاموي المتشدد الذي أنشأته الإدارات الأمريكية السابقة خلال حقبة الحرب الباردة الأولى لإضعاف الاتحاد السوفيتي الذي اجتاحت قواته افغانستان في تلك الحقبة , و كنتيجة للغزو الأمريكي لأفغانستان و العراق انجب تنظيم القاعدة تحت أنظار المخابرات الأمريكية و البريطانية نسخة منه أكثر شراسة و عنف و وحشية اسمها تنظيم الدولة " داعش " التي يمكن اعتبارها من ابشع النتائج الكارثية لمرحلة القطب الأمريكي الأوحد .
في المرحلة الحالية , و بعد أن بدأ العالم دخول حالة جديدة تتمثل بتعدد الأقطاب الدولية المؤثرة على الأحداث السياسية في الساحة الدولية لم تعد امريكا القطب الأوحد و اصبحت عاجزة و لا تتجرأ على احتلال أي دولة كي لا تتورط في حرب جديدة على شاكلة الحرب التي خاضتها في أفغانستان أو في العراق , فروسيا بقدراتها العسكرية اصبحت جاهزة لإغراق القوات الأمريكية في مستنقع جديد كالمستنقع الفيتنامي الذي سقطت فيه القوات الأمريكية خلال الحرب الباردة الأولى حين قدم الاتحاد السوفيتي كل ما احتاجته المقاومة الفيتنامية من اسلحة و معدات و دعم استخباراتي لطرد القوات الأمريكية من فيتام بطريقة مذلة و مهينة لم يسبق لأي قوة عظمى أن تعرضت لمثلها من قبل و تحقق ما خطط له الاتحاد السوفيتي حيث تم انزال هزيمة كبرى بأمريكا في تلك المواجهة ,
لو تجرأت امريكا , في المرحلة الحالية , من احتلال أي دولة لسارعت روسيا بمد المقاومة المسلحة بكل ما تحتاجه من المتطلبات الضرورية لإنهاك أمريكا و جعل هروبها من ساحة المعركة القادمة اكثر مهانة و إذلالا من سابقاتها , هذا الشلل الأمريكي يفسر بوضوح اسباب الانسحاب السريع و الغير منظم لقواتها من افغانستان و يفسر ايضا الأسباب وراء خشية امريكا من التورط في حرب مفتوحة و طويلة الأمد مع الجماعات المسلحة المدعومة من ايران .
لا شك انه من الصعب على الإدارة الأمريكية اعلان فشلها و هزيمتها في العراق و افغانستان رغم انفاقها ترليونات الدولارات في احتلالين فاشلين لهذين البلدين , إذ إن الاعتراف بالهزيمة بالنسبة لأمريكا اصعب و اقسى من الهزيمة نفسها ... !
من خلال دراسة سلوك الإدارة الأمريكية في الفترة الأولى لاحتلال العراق يظهر بشكل واضح انه لم يكن لهذه الإدارة خطة و برنامج محدد لحالة العراق بعد فرض الاحتلال الأمريكي عليه , ففي الأيام الأولى للاحتلال كانت نية امريكا حكم العراق من خلال حاكم عسكري امريكي و قد تم فعلا تسميته هذا الحاكم و هو الجنرال المتقاعد جاي غارنر , ثم بعد أن اشتد الخلاف بين اقطاب الإدارة الأمريكية حول من يجب أن يدير ملف احتلال العراق , هل هو البنتاغون الامريكي أم الخارجية الأمريكية , تغيرت الخطة الأمريكية و ذلك بتكليف حاكم مدني امريكي على العراق و هو بول بريمر , قد تبدو هذه المتغيرات امرا ثانويا للكثيرين من المتابعين للشأن العراقي , لكن في حقيقة الأمر أن ذلك التخبط يشير الى على عدم وجود خطة مسبقة واضحة المعالم لدى الإدارة الأمريكية لكيفية ادارة ملف احتلالهم للعراق إذ ظهر مستشارين لهذه الإدارة يتحدثون عن امكانية تكرار تجربة امريكا في احتلالها لليابان و تطبيقها على العراق و ما يترتب على ذلك من ضرورة اعتماد نهج " الفوضى الخلاقة " الذي اعتمدته امريكا في اليابان حيث تم حل و تفتيت هيكل اجهزة الدولة اليابانية القديم و خصوصا العسكرية و الأمنية منها و بناء هيكل جديد للدولة في اليابان على انقاض هيكلها القديم .
طلبت الإدارة الأمريكية من مجلس الأمن الدولي إصدار قرار واضح من هذا المجلس لتسمية حالة القوات الأمريكية في العراق بأنها قوات احتلال و اعتبار الحاكم الأمريكي للعراق هو ممثل لهذا الاحتلال و ذلك محاولة منها لإعطاء نهجها في العراق صبغة قانونية ضمن ما سنته هيئة الأمم المتحدة من التزامات و واجبات على المحتل , و فعلا صدر قرار من مجلس الأمن الدولي بإقرار ما طلبته امريكا حيث صوت اعضاء مجلس الأمن الدولي بالإجماع على هذا القرار بضمنهم دولة عربية كانت عضو غير دائم في هذا المجلس و هي سوريا ...!
لقد باشرت الإدارة الأمريكية عن طريق ممثلها الحاكم بول بريمر بحل الجيش العراقي و كل الأجهزة الأمنية العراقية مع الإبقاء على جهاز الشرطة العراقية , و كان هذا الجهاز ضعيف التسليح و غير مستعد للتعاون مع قوات الاحتلال فعمت الفوضى في عموم العراق و ظهرت النتائج في ما بعد و هي أن تلك الفوضى التي خلقها المحتل الأمريكي للعراق لم تكن خلاقة كما كان الحال في تجربة الاحتلال الأمريكي لليابان , و لذلك اسباب عديدة منها أن اليابان عبارة عن جزيرة معزولة يمكن السيطرة عليها و بسهولة ايضا يمكن منع كل التأثيرات الجيوسياسية الخارجية عليها .
لم يكن الاختلاف الجوهري في المكان هو السبب الوحيد في تغيير نتيجة احتلال امريكا لليابان و العراق بل أن جميع معطيات القرن الواحد و العشرين لا تشبه بأي شكل من الأشكال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية .
من النتائج المباشرة للاحتلال الأمريكي للعراق الانهيار التام للوضع الأمني في عموم العراق باستثناء اقليم كوردستان العراقي , فهذا الإقليم قد مر في مرحلة الفوضى المدمرة في تسعينيات القرن الماضي بعد خروجه من سلطة الحكومة العراقية و البقاء تحت خيمة الحماية الأمريكية .
ضمن دوامة تلك الفوضى التي اجتاحت العراق و التي كانت نتيجة مباشرة لنهج المحتل الأمريكي في أدارة الوضع السياسي و الأمني للعراق اختلط الارهاب الهمجي بالمقاومة المشروعة للاحتلال فقد اختار الاستشهاديون المجاهدون القادمون من شتى بقاع الأرض العراق كبوابة للدخول الى الجنة حيث وصل عدد هؤلاء الانتحاريين الذين فجروا اجسادهم العفنة على الأرض العراقية و حسب الإحصاءات الأمريكية الى اكثر من اربعة الاف ... ! ليقتلوا عشرات الالاف من العراقيين الأبرياء و كأنهم يريدون تحرير العراق من العراقيين و ليس من المحتل الأمريكي .

(( يتبع ))

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت