المرفأ الأخير

فوز حمزة
2024 / 3 / 28

رنّ هاتفي الجوال .. مهاتفي لم يقل غير كلمة واحدة: الآن!
حملت حقيبتي الصغيرة .. وتوجهت إلى المكان المتفق عليه.
ساقيّ لم تعد تحملني .. لا أدري أهو البرد أم الخوف الذي انتابني عند رؤيتي شرطيًا متوجهًا نحوي!
تظاهرت بأني أتحدث في الهاتف تأكدت بأنه لم يكن يقصدني.
ساعتان مرت قبل ملامسة يدًا لكتفي .. ألتفت بسرعة وكأن شمسًا جديدة أشرقت على الأرض! لم ينطق بكلمة .. اكتفى بإشاره من يده يطلب مني أن أتبعه.
بادرت بالكلام كمحاولة مني لتخفيف حدة توتري.
- تأخرت علي!
أجابني بكلمات جافة دون أن ينظر إليّ:
- عملنا ليس له مواعيد!
صعدنا سيارة رمادية اللون كانت تقف عند ناصية شارع فرعي.. لم أستطع تبين وجه جليسي في المقعد الخلفي إلا بعد إلقاء مصابيح الشارع جزءًا من ضيائها على وجهه.
لم نسمع سوى كلمة جاهزون من السائق ثم انطلقت بنا السيارة.
التعب سمح لي بسرقة إغفاءة قصيرة قبل أن يوقظني مرافقي ليطلب مني ومن رفيقي الترجل من السيارة. سألته:
في أية مدينة نحن؟
- هذه أدرنة.
الفجر زاد المدينة الغافية جمالًا. صوت نافورة المياه المتزامن مع تغريد البلابل .. نثر السحر على المكان .. لكن الخوف منعني من التمتع بأي شيء .. وما زاد من قلقي رؤيتي للسائق ومرافقه وهما يتهامسان بعيدًا عنا .. وبعد انتهائه من إتصالٍ هاتفي سريع .. طلب منا السير خلفه لنجد أنفسنا داخل فندق صغير في أحد الأزقة الضيقة للمدينة .
- سنمكث هنا إلى المساء.
لم يقل غير هذه الكلمات ثم تلفت بحذر يستطلع المكان.
إلى المساء؟! هذا يعني مزيدًا من الانتظار بانتظاري!
قتلت الوقت بمشاهدة التلفاز مرة .. وأخرى بالوقوف في الشرفة وثالثة بحرق السجائر.
حل الظلام وحل معه الأمل عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب الذي ما إن فتحته حتى سمعته يهمس وهو يطلب منا التخلص من أمتعتنا الثقيلة ليتسنى لنا المشي سريعًا ؛ لأنه كما قال قد أصبحنا قريبين من الحدود البلغارية .. قال لبث الطمأنينة فينا:
- لا تقلقوا .. ساعات و نصل.
تحت جنح الليل .. سرنا نحن الثلاثة لمدة تزيد على الساعة قبل دخولنا غابة كبيرة.. منظر الأشجار السوداء .. وصوت عواء الذئاب .. كان كافيًا ليجعلني أظن أن هذا هو موضع قبري.
وعلى حين غفلة .. توقف مرافقنا وطلب منا الانتظار لحين عودته من رحلة استكشافية ليتأكد من خلو المكان من الشرطة.
كان الظلام قد غيبه داخل عباءته .. مرت الساعات سوداء ثقيلة .. سمعت خلالها تنفس الأشجار وفحيح الأفاعي وهمس الجان.
الخوف الذي سيطر على الشاب الذي معي .. أيقظ الشجاعة النائمة داخلي .. وجعلني أتصرف بطريقة أكثر حكمة عندما علمت غدر مرافقنا .. وتركه لنا نواجه مصيرنا وحدنا نحو المجهول.
قلت له:
- أننا نواجه وضعًا مصيريًا يتعلق بمستقبل حياتنا. الوضع لا يحتمل أيُّ تأجيل أو تباطئ!
وطلبت منه الاستعداد لإيجاد سبيل للخروج من هذه الغابة لعلنا ندرك حدود دولة بلغاريا التي ننشد اللجوء إليها.
سرنا ساعات طويلة .. كنت مستمتعًا بدور القائد الذي فرضته عليّ الظروف.
استغلنا الجوع وأخذ يفتك بنا .. لكن القلق شغلنا عنه.
الطبيعة كانت تعزف سمفونية وجود رائعة ونحن نستمع لأوراق الأشجار وهي تتكسر تحت أقدامنا .. لكن نغمة دخيلة شوهت اللحن عندما سمعنا دوي طلقات نارية.. وخطوات تقترب منا.
وبدون أن نتفق .. ركضنا سوية علنا نجد مكانا يحمينا .. لهاثي المتسارع لم يمنعني من سماع كلمة اَه وصوت سقوط شيء على الأرض .. حين ألتفت لم أجد أحدًا .. أقف وحيدًا .. لا أدري لِمَ شعرت بأن الغابة بدت أكبر والسماء أعلى والأرض ليس لها وجود؟!
لم ينقذني من وساوسي إلا صوت الشاب وهو يناديني لأخرجه من الحفرة التي وقع فيها. صوته كان الأمل الذي أعاد إليّ لون الطبيعة. استلقيت على بطني ومددت له يدي.. وبكل ما أملك من قوة سحبته إلى الأعلى.
وهو يشكرني .. ابتسم ولأول مرة منذ أن تقابلنا مدركًا أن الحياة منحته فرصة أخرى.
عاودنا المسير ثانية .. هذه المرة ونحن نتبع أنوار مصابيح بعيدة .. ومع اقترابنا .. أخذ طعم الحياة يتغير.. لون الليل أمسى أكثر جمالًا .. السماء أكثر حنانًا!
أخيرًا .. نحن الآن داخل حدود بلغاريا..
الآن نحن بمأمن.. رحلة المجهول انتهت .. لكن رحلة إلى مجهول آخر قد بدأت ••

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت