صدام عالمي علي الأبواب ..

أحمد فاروق عباس
2024 / 3 / 28

جاءت العملية الإرهابية في موسكو مساء الجمعة ٢٢مارس - والذي وصل عدد ضحاياها إلي ١٥٠ قتيل تقريبا - كضربة كبيرة تعيد تذكير الجميع بأن العالم يقترب أكثر من أي وقت مضي من احتمالات الصدام بين القوي الكبري ..

لا أحد يصدق أن داعش - التي اعلنت مسئوليتها فورا عن العملية الإرهابية في موسكو - هي المسؤلة فعلا ، فما هي قدرات الدولة الإسلامية في العراق والشام - داعش - للوصول الي قلب الدولة الروسية وتنفيذ ضربتها ؟!
ثم إن فلسطين وغزة تتعرض من ستة شهور لعدوان إسرائيلي رهيب ، ووراء إسرائيل - بالمال والسلاح والدعم السياسي - الولايات المتحدة ودول أوربا الكبيرة ، فكيف تترك داعش كل هؤلاء وتضرب روسيا ، وهي من أكثر القوي الدولية تعاطفا مع القضية الفلسطينية ؟!

أن يدا قوية وقادرة هي من خططت ونفذت للعملية الكبيرة في موسكو ، وهي تريد من وراءها رسائل محددة للروس ..

أجهزة الأمن الروسية قالت في اليوم الثاني للحادث أن المشتبه بهم في الهجوم على صالة للحفلات الموسيقية في ضاحية موسكو كانت لديهم "جهات اتصال " في أوكرانيا إلى حيث كانوا يعتزمون الفرار ..

السلطات الروسية لديها شكوك قوية في دول الغرب الكبري ، وتستغرب من التحذير الذي أطلقته السفارتين الأمريكية والبريطانية قبل أسبوعين من الحادث للأجانب المقيمين في موسكو بالابتعاد عن الأماكن المزدحمة ، تحسبا من عمليات إرهابية متوقعة ، ورفضت الدولتان تقديم المعلومات التي تملكها للروس !!

وفرع تنظيم داعش الذي أعلن - إعلاميا - مسئوليته عن حوادث موسكو يسمي " تنظيم داعش - ولاية خراسان " وقد ظهر هذا الفرع لداعش في شرق أفغانستان أواخر ٢٠١٤ ، وسرعان ما ذاع صيته بسبب وحشيته الشديدة ، واستمد اسم «خراسان» من كلمة قديمة أطلقت على منطقة شملت أجزاء من إيران وتركمانستان وأفغانستان ..

والتنظيم يضم بين أعضائه عدداً من المسلحين القادمين من آسيا الوسطى الذين لديهم مظالمهم الخاصة حيال موسكو ..

وطبقا لبعض المراقبين ركز تنظيم " داعش - ولاية خراسان" اهتمامه على روسيا على مدى العامين الماضيين وتضمنت دعايته انتقادا شديداً لبوتين ..

ومن ناحية أخرى تقترب الحرب في أوكرانيا بصورة خطيرة لكي تتحول من حرب إقليمية قاصرة على شرق أوربا إلي حرب عالمية مدمرة ..

وتبدو فرنسا أكثر الدول الأوربية حماسة للحرب ضد روسيا وقد طالب رئيسها في فبراير الماضي بإرسال قوات أوربية نظامية إلي ميادين القتال في أوكرانيا ، ففي المؤتمر الذي عقد لدعم أوكرانيا يوم ٢٦ فبراير الماضي في باريس قال الرئيس الفرنسي " أنه لا يستبعد إمكانية إرسال قوات برية من الدول الغربية إلي أوكرانيا " وقال أيضا " أن دول الغرب تعتزم القيام بكل ما هو ضروري لمنع روسيا من الانتصار في أوكرانيا " ..

وعندما تم تذكيره ان روسيا دولة كبري في العالم قال ماكرون " يجب الا نستسلم للترهيب ، نحن لا نواجه دولة عظمي ، روسيا قوة متوسطة تمتلك أسلحة نووية ، لكن ناتجها المحلي الإجمالي أقل بكثير من الناتج المحلي الإجمالي للأوربيين ، وأقل من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا وفرنسا " ..
وفي مقابلة مع صحيفة لوباريزيان قال ماكرون " ربما في مرحلة ما يجب أن تكون هناك عمليات على الأرض أيا كان شكلها لمواجهة القوات الروسية ، وأن قوة فرنسا تتمثل في أنها تستطيع أن تفعل ذلك " ..

وفي الاسبوع الماضي قال مدير جهاز المخابرات الخارجية في روسيا سيرجي ناريشكين أنه لدي روسيا معلومات تفيد أن فرنسا تقوم بإعداد وحدة عسكرية لإرسالها إلي أوكرانيا ، وأنه سوف يصل عددها في المرحلة الأولى إلي ألفين مقاتل " وبعدها هدد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف المقاتلين الفرنسيين بمقصلة تقطعهم إلي أشلاء ، قاصدا إستخدام كلمة " مقصلة " لما لها من ذكريات أليمة ترجع إلى أيام الثورة الفرنسية أواخر القرن ١٨ ..

ووفقا للتصريحات التي التي أدلي بها ناريشكين فإن عسكريين فرنسيين موجودون بالفعل بشكل غير رسمي في أوكرانيا ، وقد تكبدوا خسائر علي يد الجيش الروسي ، وقال مدير المخابرات الروسية أنه علي وزارة الدفاع الفرنسية أن تعترف بمقتل جنودها ، وأن الجيش الفرنسي لم يواجه بهذا المستوي من الخسائر منذ حرب الجزائر " ..

فما هو معني كل ذلك ؟
وما هي أثار ونتائج حوادث موسكو والخطوة الفرنسية غير المتوقعة ؟
يكمن أن نضع على طاولة البحث والتفكير المحددات التالية :

١ - أن الحرب في أوكرانيا توشك أن تصبح حربا عالمية ..
لقد بدأت الحرب حربا إقليمية في شرق أوربا ، نعم ساعد حلف الأطلنطي أوكرانيا بالمال وبالسلاح بالمعلومات وبالتخطيط وبالمرتزقة ، ولكن كان جهدا من وراء ستار علي الرغم من أنه كان شبه علني ..

والمتغير الجديد أن جيوشا رسمية - وليس مرتزقة - سوف تدخل الحرب ، ووراءها دولها وسمعتها وهيبتها ، وقبلهم طاقاتها ومواردها ..

٢ - أن أمريكا نجحت تماما في توريط أوربا في حرب مع روسيا ، تستنزف روسيا وتنهك أوربا !!

وبكل معايير العقل كانت الحرب الروسية الأوكرانية ضد المصالح الأوربية المباشرة ، ولكن أوربا الضعيفة ، وشبه المحتلة لأمريكا سمعت الكلام باستسلام غريب ..

لقد كانت أوربا تشتري الغاز الطبيعي الروسي بأسعار منخفضة ، وبعد فرض العقوبات الأمريكية علي روسيا تحولت أوربا إلي شراء الغاز من أمريكا ، وهو أعلي سعرا بكثير ، وكانت النتيجة أن تكاليف الإنتاج زادت علي الاقتصادات الأوربية ..
وكانت ألمانيا أكثر الدول معاناة ، وهو ما ترك آثاره على الاقتصاد الألماني بصورة مؤثرة ..

٣ - أن النخب التي تحكم الغرب ، وأقصد نخب المال والأعمال وليس الرؤساء أو رؤساء الحكومات ، فهؤلاء في يدهم مظهر السلطة ولكن جوهر السلطة وحقيقتها في يد الطبقة الرأسمالية التي تحكم فعليا على ضفتي الأطلنطي ، أقول أن النخب التي تحكم الغرب تضع رجالها - أو صبيانها - في المواقع التي تنتظر فيه منهم أن يتصرفوا كما تأمرهم ..

فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان رجل شبه مغمور يعمل في بنك روتشيلد في باريس ..

وبيت روتشيلد من اعرق الأسر التي تحكم الغرب وتنصب الرؤساء وتهندس البرلمانات ..
وهناك تقارير صحفية - غير مؤكدة - في الغرب تقول ان السيدة بريجيت زوجة ماكرون تنتمي إلى عائلة روتشيلد ، وهي سيدة دميمة تكبر زوجها الوسيم بحوالي ٢٤ سنة ، وقد تزوجها ماكرون عام ٢٠٠٧ ، وهو نفس العام الذي التحق فيه ببنك روتشيلد ، وبفضل البنك صنع ثروة كبيرة في ثلاث سنوات فقط ..

وخرج من بنك روتشيلد بعد تأهيله بالمطلوب منه ليعمل مساعد أمين عام الرئاسة ، ومستشارا للرئيس فرانسوا هولاند ، ثم وزيرا للاقتصاد وعمره ٣٦ سنة فقط ، ثم رئيسا للجمهورية وعمره ٣٩ سنة !!

وماكرون يتقدم اليوم وينفذ ما طلبته منه النخب التي تحكم الغرب والتي اتت به لمنصب رئيس الجمهورية الفرنسية ، ويضع بلاده بلا مبرر حقيقي في حالة حرب مع روسيا ، وفي بلاد تبعد عن فرنسا مئات الأميال !!

٤ - أن النخب التي تحكم الغرب وضعت علي رأس السلطة فى تايوان أيضا أحد رجالها ، وهو داعية صدام مع الصين من اليوم الأول الذي وصل فيه إلي حكم الجزيرة في يناير الماضي ، والنتيجة أن تصعيد الأمور في آسيا - بعد أوربا - ورفع درجة حرارتها أصبح سياسة مقررة ..

والصدام بين الصين وأمريكا ينتظر مجرد فتيل ويشتعل ويشعل آسيا كلها معه ..

وبتحول الصراع في أوربا إلي مرحلة الحرب العالمية بدخول الجيش الفرنسي رسميا الحرب ، وباقتراب الصراع الأمريكي الصيني أكثر فأكثر إلي مرحلة الصدام مع وجود إدارة عدائية للصين في تايوان يقترب العالم من مرحلة الحرب العالمية الثالثة ..

٥ - وهنا يبرز السؤال .. لماذا الحرب ؟!

أي لماذا يشعل الغرب الحروب فى كل مكان ؟!
هل وصلت النخب القائدة في الغرب إلي قناعة أنه بدون حرب فإن الصين ووراءها روسيا ستتمكنان من اعتلاء قمة العالم اقتصاديا وعسكريا واستراتيجيا ، وإنهاء خمسة قرون من سيطرة الغرب المطلقة علي الشئون العالمية ؟!

يبدو أن ذلك هو التفسير الوحيد المقبول لفهم هذا الجنون غير المفهوم ..
لقد حاول الغرب فى العشر سنوات الأخيرة بعدة وسائل إيقاف تقدم الصين وروسيا :

١ - حاول أولا صنع تناقض بين العالم الإسلامي وكل من روسيا والصين ، وكان ذلك هو ملخص كل ما جري في الشرق الأوسط في العشرين سنة الماضية ..

إيصال الإسلاميين للحكم في تركيا القريبة من روسيا ، ثم عودة أفكار الخلافة الإسلامية ، ثم ترتيب مجموعة من الثورات تأتي بتيارات الإسلام السياسى إلي السلطة فى العالم العربي ، وبقيادة تركيا - وهي عضو في حلف الناتو - فإن صداما بين العالم الإسلامي والصين وروسيا يمكن أن يأخذ أغلب القرن ٢١ ويترك كل الأطراف في حالة اعياء شديدة ، ويتخلص الغرب - بدون أي تكاليف تقريبا - من أكبر وأقوي خصومه ..

٢ - وعندما تعثرت تلك الخطة علي ضفاف وادي النيل وبما حدث في مصر - أكبر وأهم الدول العربية - في صيف ٢٠١٣ ، ثم تعثرها علي هضاب ووديان الشام مع صمود الحكم فى سوريا بعد المساندة القوية من روسيا عام ٢٠١٥ ، وبعد أن فهمت روسيا اللعبة وغرض الغرب الحقيقي من كل ما يحدث في الشرق الأوسط لجأ الغرب - وجرابه لا ينفد أبدا - إلي خطط أخري ..

٣ - لجأ في البداية إلي إطلاق الحرب الاقتصادية والتجارية مع الصين :
فبمجرد وصول ترامب إلي البيت الأبيض في يناير ٢٠١٧ تم إطلاق حرب أمريكية تجارية هائلة ضد الصين ، ووضعت قيود جمركية كبيرة للغاية أمام مئات المنتجات والسلع الصينية ، وتم إيقاف تصدير التكنولوجيا إلي الصين ، وتم تقييد عدد المبعوثين الصينيين في الجامعات الأمريكية وخاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة ، وقصر فترة البعثات العلمية للصينيين علي سنة واحدة !!

وردت الصين بالطبع علي أمريكا ، وخلال ثلاثة أعوام كانت حرب الاقتصاد بين الصين وأمريكا هي حديث العالم ..

٤ - الحرب البيولوجية ..
تم عام ٢٠٢٠ إيقاف حركة االتجارة والاقتصاد في العالم كله بعد نشر فيروس كورونا ، واتهمت الصين - رسميا - الولايات المتحدة بأنها وراء هذه القصة الغريبة ، فالمخابرات الأمريكية - طبقا للصينيين - هي من رتبت وضع الفيروس في مدينة ووهان الصينية ، وهي من عملت على نشره حول العالم ..
والنتيجة أن توقفت الحياة حول العالم لمدة سنتين تقريبا ، وتأثرت الصين اقتصاديا وتراجع معدل نموها ..

وزاد من تصديق الرواية الصينية ما كشفته الحرب الروسية الأوكرانية من وجود عشرات المعامل البيولوجية الأمريكية في دول شرق أوربا تخَّلق وتصنَّع مئات الفيروسات القاتلة وتنتظر الفرصة لنشرها ..

٥ - دخول العالم عصر الحروب ..
بعد فشل كل الوسائل السابقة في إيقاف تقدم التنين الصيني والدب الروسي كان اللجوء إلي آخر الدواء .. الكي .. أو الحرب ..
كان يتم إعداد كل من أوكرانيا وتايوان كمستنقعين تغوص في أوحالهما روسيا والصين ..
فتم ترتيب حرب تستهلك القوة الروسية في أوكرانيا ، وقد دخلت في فبراير الماضي عامها الثالث ..
وإعداد وترتيب حرب تستهلك وتستنفد القوة الصينية تجري على قدم وساق ..

هل نجح الغرب فى خطته تلك ؟!

حتي الآن لا تلوح في الأفق أي علامات علي نجاح الغرب في مسعاه ..
فروسيا مازالت صامدة في أوكرانيا بل وتتقدم ، فبعد فشل الهجوم الاوكراني المضاد في الصيف الماضي أضحت المبادرة في يد الروس ، الذين تتقدم قواتهم بثقة ..

والعقوبات الاقتصادية لم تؤثر في الاقتصاد الروسي بالصورة التي كانت الغرب يتوقعها ، علي العكس ، فقد أصبح الاقتصاد الروسي هو الاقتصاد الأكبر في أوربا ، مزيحا الاقتصاد الألماني من مكانته التقليدية ..

وبالنسبة الصين .. فالصين حضارة قديمة وعريقة ، وقدرتها على ممارسة ضبط النفس والصبر الاستراتيجي عالية ، وهي تفهم جيدا خطط الغرب ومراميه ، وليس من المتوقع أن يحقق الصينيون للغرب ما يتمناه ..

.. ومع كل ذلك فإن الغرب لا يسكت أو يهدأ ، والنزعة العدوانية أصبحت متحكمة في دوله الكبيرة ، وهو احساس قاس بأن زمن التحكم والسيطرة علي وشك الغروب ، وأن زمنا آخر لا يعرفون ملامحه - ويبدو أنهم غير مستعدين حتي الآن للاعتراف به - علي وشك الشروق ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت