نهاية الحرب ..

أحمد فاروق عباس
2024 / 3 / 27

بعد ما يقرب من ستة شهور من القتل والتدمير وافق مجلس الأمن من ساعات قليلة علي إيقاف إطلاق النار في قطاع غزة ..
وافقت كل دول مجلس الأمن علي القرار ، في حين اكتفت أمريكا بالامتناع عن التصويت ..

القرار أصاب الإسرائيليين بالغضب ، فقد كانوا يريدون لألة عدوانهم ان تواصل ، وكانوا يريدون لخططهم أن تستمر ..

يرتب هذا القرار المهم النتائج الآتية :

١ - أن الولايات المتحدة لم ترد أن تذهب مع نتانياهو في طريقه الخاص إلي النهاية ، وفرضت عليه أن يتوقف الآن ويكتفي بما حصل عليه ، فالانتخابات الأمريكية علي الأبواب ، وترك الحبل على الغارب لحكومة إسرائيلية متطرفة تفعل ما تشاء ضربة قوية للحزب الديموقراطي الحاكم ، وهو أيضا - وذلك هو الأكثر أهمية - ضربة قوية لمكانة الولايات المتحدة عالميا كما تتصورها لنفسها ..

٢ - أن الأهداف الإسرائيلية " المعلنة " من حرب غزة لم تتحقق ، فتدمير حماس وانهاء حكمها من غزة لم يتحقق ، نعم قتلت إسرائيل حوالي ٣٣ ألف فلسطيني وحولت أكثر من ١٠٠ ألف فلسطيني إلي مصاب أو جريح ، ولكن حركة حماس لم تنته ، ولا توجد دلائل على أن حكمها للقطاع قد انتهي ..

٣ - أن أهداف إسرائيل " غير المعلنة " أو الأهداف الحقيقية من عمليتها في غزة لم تتحقق ، وأهداف إسرائيل الحقيقية من حربها في غزة ليس إنهاء حماس بل إنهاء الوجود الفلسطيني ذاته ..

كان الهدف الإسرائيلي الحقيقي هو تهجير الكتلة الفلسطينية في قطاع غزة إلى سيناء في مصر ، وتهجير الجزء الأكبر من الفلسطينيين في الضفة الغربية لنهر الاردن إلي ضفته الشرقية حيث المملكة الأردنية ..

وبذلك يتحقق لإسرائيل أكبر امانيها وهو إنهاء القضية الفلسطينية من جذورها ، وهو وجود شعب معين علي أرض محددة ..

٤ - أن الفلسطينيين أثبتوا شجاعة تستحق الاحترام بتصميمهم على البقاء في أرضهم وعدم تركها ، لقد وعي الفلسطينيون درس قضيتهم المهم منذ حرب ١٩٤٨ ، وهو أن شعبا يترك أرضه من الصعب جدا عودته إليها في ظروف طبيعية ، والاغلب أنه سوف يتحول من شعب علي أرض إلي مجموعة من اللاجئين في غير أرضهم ..

ومهما كان المكان الذي سيذهبون إليه فهو ليس مكانهم ، ومهما كان من سيعيشون معهم أشقاء وأخوة ، فهم بالنسبة لهم - مهما طال الزمن - ضيوف ..

٥ - أن مصر أثبتت في هذه الحرب تصميما يستحق الاحترام ، وذكاء غير عاديا في التصرف ، لقد كان هدف الحرب الحقيقي هو أرضها ، ولم تكن الولايات المتحدة تمانع ولا الأوربيين يمانعون ، لقد كان شرطهم أن يتم ذلك بلا تكاليف كبيرة ، فإذا استطاع الإسرائيليون فعلها بسرعة وجرأة قبل أن يفيق العالم فإن أمريكا - وحلفاؤها - لن تمانع ..

ومن هنا أخرج الرئيس السيسي الأمر من الغرف المغلقة والمباحثات التي تجري وراء الأبواب المقفلة إلي العلن ..

ومن يتذكر المؤتمر الصحفي للرئيس السيسي مع المستشار الألماني اولاف شولتز بعد بدء الحرب بأيام ، واعلانه بطريقة مباشرة ما يدور وراء الأبواب ، وما هو مطلوب من مصر بالضبط سيعرف أن ضربة قوية وجهتها مصر لهذا المشروع الإسرائيلي المجنون ..

لقد تعرضت مصر وتعرض الرئيس السيسي لضغوط هائلة من أجل الموافقة على تهجير الفلسطينيين إلى سيناء ، ورفضها الرجل بإصرار وشجاعة كبيرة ، علي الرغم من ظروف مصر الاقتصادية المعروفة .. وربما استغلالا لتلك الظروف ..

وكان معروفا أن مصر مستعدة أن تذهب إلي آخر الشوط - بما فيها الحرب مع إسرائيل - اذا مضت إسرائيل فى تنفيذ هذا المشروع بلا التفات لأحد ..

وكان إخراج الأمر إلي العلنية بدل السرية ثم استعداد مصر للذهاب الى آخر مدي لإيقافه هو ما أدي حقيقة إلي إنهاء هذا المشروع الإسرائيلي ..

٦ - أن أطرافا في الداخل المصري وفي الخارج حاولت بكل الوسائل إقناع الناس أن مصر موافقة علي تهجير الفلسطينيين إلى سيناء ، وأن الاختلاف هو علي المقابل ، واستخدموا مجموعات هائلة من الاكاذيب ووسائل الدعاية السوداء ..

والان .. ماذا إذن ؟!
هل فرطت مصر أو فرطت قيادتها في حبة رمل مصرية واحدة ؟!
لقد استمرت الحرب ست شهور تقريبا وكان أثرها على مصر كبيرا .. فهل تراجعت مصر أو تراجعت قيادتها ؟!

أفهم أن الخلاف السياسي مشروع وطبيعي ، ولكن بعض الأطراف في مصر تنقل الخلاف من مجرد خلاف سياسي مشروع وطبيعي إلي أشياء أخرى تماما ..

وأعرف أن هؤلاء لن يعترفوا بخطأهم أبدا ، فمثلهم لا تهمه الحقيقة ولا البحث عنها ، ومشكلتهم لن تجد حلها في علوم السياسة بل في علم النفس ..

.. وفي النهاية ، لحظة سعيدة ، تتوقف فيها إراقة الدماء ، ويلتقط الفلسطينيون أنفاسهم بعد أن تعرضوا لمحنة من اقسي ما يمكن لشعب أن يواجهه ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت