قراءةعلي سلطان لقصة غمامة حب لفوز حمزة

فوز حمزة
2024 / 3 / 26

قراءتي النقدية عن عمل (غمامة حب) .. للكاتبة فوز حمزة..

غمامة حب ..
العنوان هو دائماً نافذة العمل .. أي عمل ..
لكن في النصوص والأعمال الأدبية فهو أهم وأخطر نافذة ..
نافذة هي لوحدها كفيلة في الإطلالة لا على النص فحسب بل وعلى الكاتب نفسه ككاتب أولاً وكشخصية ثانياً ..
في هذا العمل تصطف الكثير من العناوين التي يمكن لواحدة منها أن تكون عنواناً ..
لكن غمامة حب كعنوان فهو الأعمق والأنسب لقصة مثل هذه ..
تماماً كالمكياج المناسب لشكل عروسٍ ما ..
إنها حالة حب ..
لكن هناك ثمة غمامة حول حالة الحب هذه ..
حقاً لقد جاء اختيار العنوان هنا مجيئاً ذكياً ، موفقاً ..
ثم هلموا معي ندخل قطر النص من رأسه حتى قدميه مروراً بخاصرته ..
1- النص يحمل حدثًا كالإضاءة التي تشتعل وتنطفئ في كل ثلاث ثوانٍ سبع مرات ..
إن الكاتبة عمدت إظهاره وإخفاءه بتمكن يندر في الصنعة الأدبية ..
قد يتساءل أحدكم وكيف ذلك ..
فأجيب : إن الحدث هنا ورغم أن كل أحداث القصة تدور حوله ورغم كثافته كفكرة .. لكنه مخفي بسرية فكرية ناعمة ودقيقة الإفراط في الرمز ..
طوت معها الضوء في إبرازه ، فصار يشتعل وينطفئ كما أشرت في أعلاه ..
أين تم إخفاؤه؟ سؤال ربما يخطر في الأذهان ..
فأقول قد تم إخفاؤه في جسد السرد وفي البناء الدرامي على نحو ثلاث محاور ..
لأن في إيضاحه كحدث لا كفكرة يعد ضعفاً في إمكانية الكاتب ..
فضلاً عن كونه يعد أيضاً حشراً لكتابتنا هنا لنفسها وشخصيتها داخل النص ..
وهذا خطأ فادح يقع فيه الكاتب ..
2- رمي الكاتبة للحدث في أحضاننا كقراء كرمي كرة من نار .. فهي رمتها واستدارت عنا ..
لو أنها مكثت لما خرج النص لنا بهذه الروعة ..
2- الفكرة واضحة والسرد تصويري فلسفي والحبكة غامضة ..
فامتزجت لدينا في هذا العمل أهم ثلاثة عناصر .. كأعمدة سقف ثقيل .. لكنها أعمدة رفيعة أنيقة مزخرفة بجمال موحش !..
3- جاء السرد انسيابي كأنه يأخذنا في جولة سياحية داخل حافلة يبث مذياعها موسيقى هادئة تنتهي بصوت انفجار !..
وتلك أو هذه تؤكد لنا ذكاء الكاتبة وخبثها ولعنة قصتها ..
4- كلنا يعلم أن هناك قصة بحدث وهناك قصة دون حدث والتي عادة ما تكون الأصعب .. لكن أن نقرأ قصة بحدث مخفي وغامض ..
يظهر لنا رأسه ثم يختفي فيظهر لنا قدميه وهو مقطوع الرأس ..
فتلك حقاً براعة مميزة للكاتبة ها هنا ..
غمامة حب ..
(أقوى من وعود الشيخ الذي سيكلفه الوفاء بها خوض معركة مع عشيرتها )
انظروا معي يا سادة ..
ما الذي تجلى لنا هنا ........
ما الذي تريد الكاتبة إيصاله لنا ؟
حيث لا نفع لشيخ دين أو شيخ عشيرة في حماية ضحية ما ..
بعد أن كانت تلك واحدة من أهم القيم في مجتمعاتنا .. إذاً فهي إشارة تنبيه وبقعة ضوء متسلطة حول قيمة عظيمة تم فقدها وسط تعالي الفعاليات التي بدأت تظهر لنا مغول الجهل والتخلف ..

(انطلقت الحافلة بركابها الصامتين ، ربما كانوا يستمعون مثلها للمذياع وهو يبث أغنية قديمة يهمس فيها مطرب معروف ( يا حريمة ) وكلنا يعلم انها لحسين نعمة ..)
لمَ لم تذكر الكاتبة أسم المطرب ؟..
من يظن أن ذلك مصادفة أو سهو فهو يحتاج لعمق أعمق ..
فذكر الأسم ( مجرد ذكره ) وهو فقط كاسم فإنه سيثقل النص ويشوه جسده ؟!.......
مع جل أحترامنا بالطبع لفناننا الكبير حسين نعمة .. لكننا بصدد عمل أدبي ، لا في إعلام .. ثم من منا لا يعرف لمن تعود هذه الأغنية .. بل هنا قد أضافت الكاتبة جمالية مدهشة للمعنى التكويني والإحتوائي في تغطية الفكرة وإرساء الرسالة في عدم ذكره ..
وإلا لكان قد تحول النص إلى رسالة وليست قصة .. وهنا العبرة الأدبية الأساسية في عدم ذكر أسمه ..
لمَ هذه الأغنية بالذات .. إنني أتساءل ..
بل لمَ هذا المقطع حصراً ؟
إنه مكر ودهاء من قبل الكاتبة ..
فقد ذكرني ذلك برائعة فؤاد سالم وشوقية العطار (يا عشگنا ..)
حيث مزج الروح العاطفية مع الروح الوطنية ..
وهنا قد مزجت الكاتبة الحب والخوف .. الأمس واليوم .. البداية والنهاية .. الأمل والمصير .. الترقب والمجهول .......
وهذا توظيف مدهش للنص وإدارة حبكته ..
(ربما ستدفن حية )
لاحظوا معي اللغز هنا والإشارة لماذا ..
إن هذه الجملة وحدها تخبرنا بالكثير والكثير جداً وكأنها جملة اختصرت كل المعاني والحكايات والبدايات والنهايات لمثل هذا الموضوع الخطير والحساس والذي يمس أهم وريد في جسد المجتمع ..
(عقال .... ثم العگال..)
يا للحبكة والمهارة ..
ففي الأولى ذكرت الكاتبة عقال وهي مفردة جوهرية (لا ضمنية) وفق سياق السرد ..
ثم أردفت : عگال .. وهي مفردة جوهرية (ضمنية..)
ضمن إطار البناء ..
فلو أنها كتبت المفردة ذاتها عقال أوعگال لمرتين لكانت قد أفسدت البناء الضمني ..
تماماً كحائط سقطت منه طابوقة ......
عقال ..
فهي لكم يا نخبة المثقفين .. والعگال فهي لكم يا فريق القبيلة ..
وكأنها تقول انتبهوا أيها السادة ..
(دمها سيعيد الشرف ..)
اختزلت هذه العبارة الصرح الكبير للفكرة بعد توظيفها في عمل أدبي ..
(ما الذي ستفعله لو عاد بها الزمن إلى الماضي، هل ستختار الحب أم البقاء إلى جانب البقرات والأغنام ..)
يا إلهي 1!
هنا حيث يكمن الدرس .. وحيث حفر الرؤوس بسكين من نار .. نقش في خارطة التقاليد البالية والعادات الخرفة وهي نقطة ضوء للمصير المحتوم والمجهول في آن واحد .. كلٍ حسب رؤيته ونهجه وفكرته للأفراد الذين يعنيهم الأمر ..
(غابت لحظات..)إنها لحظات الحياة الأخيرة .....
غمامة حب ..
عمل يستحق المزيد ••

- علي سلطان -
8/1/2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت