الاصل والفرع .. الحشاشين والإخوان . قصة قديمة - حديثة لأخطر الفرق الباطنية في تاريخ الإسلام.

أحمد فاروق عباس
2024 / 3 / 25

شاهدت بترقب وتشوق الحلقات الأولي من مسلسل الحشاشين ، وهو نوع من الدراما يذهب إلي حقب التاريخ ولكن عينه على الحاضر ، لذا فهو صاحب رسالة يريد ابلاغها ، وكلمة يريد وصولها لأكبر قدر من الناس ..

وأغلب الناس لا يعرفون شيئا عن الحشاشين ، وربما لم يسمعون بهم من الأساس ، فحوادث تلك الحقبة من الزمان ورجالها ومشاكلها بعيدة في غياهب الزمن ، إلي درجة لا تترك لغير المتخصصين الاهتمام بها أو العيش في تفاصيلها..

مع أن أوجه الشبه بين تلك الحقبة وبين حوادث زماننا كبيرة لدرجة تدهش أغلب الناس ..
ولكن المشكلة في بلادنا ان جزء مؤثرا من الناس لا يقرأ تاريخ بلده ، ومن هنا فهم عرضه لأي صاحب مطلب - وما اكثرهم - يفعل بهم وبعقولهم ما يشاء ..

ولهذا فهي فرصة جيدة أن يعرف الإنسان من المسلسل شيئا عن تلك الحقبة من الزمن .. ثم يستكمل ما يريده بعد ذلك بالقراءة ..

وهذه هي قيمة الفن .. أن يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الاجابات ، وأن يفتح شهية الإنسان للبحث والمعرفة لا أن يغلق عقله علي مجموعة من المسلمات التي يدعي أنها لا تقبل النقاش ..

والحشاشين فرقة اسلامية تنتمي إلي المذهب الشيعي في نسخته الإسماعيلية ، وهي الطائفة الشيعية الثانية بعد الاثني عشرية ..

وقائد الحشاشين حسن الصباح هو أول من أدخل في الفرق الإسلامية المذهب الباطني ، الذى يظهر أمام الناس بشيء يختلف عن حقيقته ، والقصة كلها تدور في بلاد فارس - إيران الحالية - في القرن الحادي عشر من الميلاد ..

وقد دخل حسن الصباح في عداء مع دولة السلاجقة الذين كانوا يحكمون أجزاء واسعة من العالم الإسلامي وقتها ، وهرب حسن الصباح واتباعه إلي جبال البرز - علي بعد حوالي ١٠٠ كيلو متر من مدينة طهران عاصمة إيران اليوم - واحتمي بقلعته الشهيرة .. قلعة ألموت .. أي عش النسر ..

واتخذ حسن الصباح - الذى يؤدي دوره في المسلسل كريم عبد العزيز - من قلعته الحصينة في جبال البرز قاعدة يبعث منها دعاته لدعوة الناس للانضمام إلي طائفته ، ويبعث منها رجاله وجيوشه للاستيلاء على المدن والحواضر ..

وحسن الصباح كانت له سيطرة عظيمة علي أتباعه ، وأوامره لهم كأنها كتاب مقدس ، وكان يظن أنه يسيطر عليهم بواسطة إعطاءهم مادة معينة تذهب بعقولهم وتصور لهم الجنة وكأنها أمامهم ، فينفذون ما يطلب منهم دون نقاش ، ومن هنا - كما تقول بعض المصادر - جاءت تسميتهم بالحشاشين ..

وكان اعتمادهم على الاغتيالات ، وهو ما القي الرعب في قلوب اعدائهم ، كما كانوا مقاتلين اشداء وفدائيين ، يؤمنون أن مفتاح الجنة في يد زعيمهم حسن الصباح ..

والحشاشين أخطر فرقة إسلامية باطنية في العصور القديمة وهى فرقة رائدة لكل حركات التيار الإسلامي المعاصر .. وأساليب العمل لا تختلف ..

وتتقاطع قصة حسن الصباح زعيم الحشاشين في القرن الحادي عشر مع قصة حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين في القرن العشرين ..
وأول من تحدث عن ذلك التلاقي هو الكاتب الكبير عباس محمود العقاد في الأربعينات ..

فحسن الصباح أول من أدخل في الفرق الإسلامية فكرة أمير التنظيم أو مرشد الجماعة ، والذي له علي أتباعه حق السمع والطاعة ، وفي حين كان أتباع حسن الصباح ينفذون تعاليمه وكأنها كلمات منزلة من السماء كان مرشدو جماعة الإخوان المسلمين يطلبون من أتباعهم أن يكونوا كالميت في يد من يغسله ..
وكلاهما من الفرق الباطنية التي تظهر خلاف ما تبطن ..

وكلاهما - الحشاشين والإخوان - يظهر في حقب الاضطرابات والفتن ، وينتعش في أجواء السرية والمؤامرات ..

فالحشاشين ظهروا في زمن كانت الحروب الأهلية - الباردة والساخنة - هي سمة الحياة في العالم الإسلامي ، حروب بين الشيعة والسنة ، وبين العباسيين والامويين ، وبين الجنس العربي والجنس التركي والجنس الإيراني ( أو الفارسي ) .. وهم الاعراق الرئيسية في العالم الإسلامي والتي كانت - ومازالت - تتنافس على حكمه ..

والإخوان المسلمين ظهروا في حقبة نهوض وطني وقومي كبير كان كفيلا - لولا عرقلته - أن يصنع امما قوية قادرة علي تحدي العصر ..

كانت مصر تعيش نهضتها الاولي مع ثورتها الوطنية الكبرى سنة ١٩١٩ ، يومها توحدت كلمة المصريين علي طرد المستعمرين من بلادهم وبناءها على أسس جديدة ، وهنا كان تفكير الاستعمار في تفريق كلمة المصريين وتشتيت وحدتهم ، وقد وجدوا مطلبهم في إنشاء تنظيم يرفع شعار الدين مقابل الوطنية ، وهو ما كان كفيلا بزرع الفرقة والشقاق بين أهل مصر .. وهو ما تحقق للأسف ..

وكما نجح الإخوان في زرع الفتن في أرض مصر وتحويل الأنظار عن القضية الوطنية قبل ١٩٥٢ حاولوا الوقوف أمام فكرة الوحدة العربية التي رفع لواءها الزعيم جمال عبد الناصر ..

وقصة لقاء قادة الإخوان المسلمين مع الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور عام ١٩٥٣ معروفة ، وقصة محاولتهم قتل جمال عبد الناصر عام ١٩٥٤ مشهورة ، وقصة محاولتهم الثانية قتل جمال عبد الناصر وأركان حكمه عام ١٩٦٥ أيضا مشهورة ..

واستمرت محاولات الإخوان زرع الفتن في مصر من عصر إلي عصر ..

وفي الحقبة الأخيرة كان الإخوان المسلمين هم أداة الامريكان الأساسية في مشروع الشرق الأوسط الكبير ، الذي أعلنته الولايات المتحدة في فبراير ٢٠٠٤ ، ومؤداه التخلص من نظم الحكم القديمة في العالم العربي والإسلامي وإحلال تيارات الإسلام السياسي - وفي مقدمتها الإخوان المسلمين - محلها ..

وكانت سنوات ٢٠٠٤ - ٢٠١٠ هي سنوات زرع البذور في ذلك المشروع الهائل ، بينما كانت سنوات ما بعد ٢٠١١ سنوات الحصاد ..
وقصة كل ذلك أصبحت معروفة ، وعاش اغلبنا وقائعها يوما بيوم ..

أي أنه كما عاش الحشاشين في جو الفتن التي عمت العالم الإسلامي في تلك الحقبة الغريبة من تاريخه وكانوا أحد وقوده ، وكان العصر عصر نزاعات بين الطوائف ، وصراعات بين " الخلافات " الإسلامية المتعددة ، العباسية في بغداد والفاطمية في القاهرة والأموية في الأندلس نشأ الإخوان المسلمين في عصر الاستعمار في صورته الكلاسيكية وكانوا صنيعته ، وخلقوا ونشروا فتنا لا تنتهي ، جعلت من الحياة في البلاد العربية والإسلامية في بعض الفترات جحيما لا يطاق ..

- نقطة أخري تجمع بين الحشاشين قديما والإخوان حديثا ، وهي قصة ادعاء المظلومية ..
فحسن الصباح خلق مظلوميته - والتي من وجهة نظره هي فقط ما ستجلب له الأنصار - من قتل نزار الابن الأكبر للخليفة الفاطمي المستنصر بالله وولي عهده ، وتوليه الحكم لابنه الثاني المستعلي بالله زوج ابنه الوزير القوي بدر الدين الجمالي ..
والبحث عن حق نزار المهضوم هو الرافعة التي سوف يرفع حسن الصباح لواءه تحتها ..
لذا سمي مذهب حسن الصباح واتباعه بالإسماعيلية النزارية..

وقد حفظ الإخوان المسلمين دروسهم من حسن الصباح بعد ألف سنة من وفاته ، وفهموا أنه لابد من مظلومية دائمة تكون كلافتة وشعار تجذب الأنصار ، حتي لو كانت مجموعة من الاكاذيب .. وقد كانت كذلك بالفعل ..

لذا ظهرت مظلومية - أو مظلوميات - الإخوان التي لا تنتهي !!
بداية من ادعاء المظلومية أيام الملك فاروق ، ثم أيام الرئيس عبد الناصر ، وصولا إلى عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي ..

وقد كانوا في كل تلك الحقب هم الجناة وهم الظالمون ، لكن أله دعايتهم القوية حولت - في نظر انصارهم - الجاني إلي ضحية ، وحولت الظالم إلي مظلوم !!

- نقطة ثالثة تجمع بين الحشاشين والإخوان وهي سياسة الاغتيالات ..
فالاغتيالات السياسية هي الأداة التي استخدمتها كلا الجماعتين للوصول إلى أهدافها ..
فقام حسن الصباح مثلا بقتل نظام الملك وهو وزير الحاكم السلجوقي ملك شاه ، كما قتل كثيرين غيره ..

وقتل حسن البنا محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر ، وقتل حكمدار بوليس القاهرة سليم زكي ، وقتل قاضي كبير في القضاء المصري ( أحمد الخازندار ) ..
وحاول خلفاءه قتل كثيرين من الحكام وما دونهم من رجال الدولة ..

- وضمن ما يجمع بين الحشاشين قديما والإخوان حديثا هو نوعية الجمهور المستهدف ، فكلا الجماعتين كانت تستهدف الفقراء والمعدمين في الريف وفقراء المدن من ناحية ، ومنخفضي الوعي من ناحية أخرى ..
وهي نوعيات سهلة القياد بحكم احتياجها أو وعيها ..

وكلا الجماعتين استطاعت بأساليب الدعاية السلبية تعبئة حشود لا يستهان بها واستخدامها لأغراضها ..
فالدعاية السلبية عن الدولة ، وإشاعة جو قاتم من أكاذيب لا تتوقف ، والحديث عن ظلم الحكام وفسادهم مقابل ورع أعضاء الجماعتين كان الأسلوب المتبع لجمع الأنصار وتعبئتهم ..

لكل ذلك عندما بدأ الحديث - مع عرض مسلسل الحشاشين -عن جماعة حسن الصباح تحسست جماعة حسن البنا رؤوسها ، فالضرب هناك سوف يسمع هنا بالتأكيد ..

فهم يعرفون أن الأصل واحد والفكرة - السياسة بخلطة دينية - واحدة .. بل ومنهج العمل واحد ..
ومن هنا بدأ اعتراضهم علي المسلسل حتي قبل عرضه ، ومع عرض المسلسل اختاروا أن تكون ضربة البداية لإبعاد الناس عن مشاهدته هي هجومهم على اللهجة العامية المصرية التي يتحدث بها المسلسل ..

والمسلسل له رسالة ، ويريد إيصالها لأكبر عدد من الناس ، وخصوصا أجيال جديدة ربما استطاعت الدعاية الإخوانية التأثير على أفكارهم ، فمن هنا كان اختيار العامية المصرية منطقيا ، فالمسلسل ليس مرجعا أكاديميا أو بحثا تاريخيا ، ولكن هو يستخدم مادة التاريخ لكشف زيف بعض وقائعه وزيف من سار عليها بعد مئات السنين ..

بالإضافة إلى أن لغة الجزء الأعظم من وقائع المسلسل كانت الفارسية وليست العربية - فصحي أو عامية - بحكم أن وقائع المسلسل - قصة الحشاشين - جرت في بلاد فارس .

وفي العصر الحديث كان المستشرق الشهير برنارد لويس هو أهم وأشهر من كتب عن الحشاشين ، وبرنارد لويس أستاذ شهير في جامعات أمريكا وبريطانيا ، وكانت له صلات وثيقة مع مراكز الحكم والسلطة في الدولتين ..

وقد تحدث لويس عن الحشاشين باعتبارهم احدي الفرق الثورية في الإسلام !!

وكان يظن علي نطاق واسع أن برنارد لويس - وآخرين - كانوا وراء التوصية بتصعيد حركات الإسلام السياسي إلي قصور الحكم في العالم الإسلامي قبيل وبعد الربيع العربي ، مستعيدة - بعد ألف عام - قصة الحشاشين مرة أخرى ..

قصة الحشاشين وزعيمهم فرصة أن يقرأ الناس تاريخهم بجد وفهم ، حتي لا يعطوا الفرصة لآخرين قادرين على البحث والتنقيب ثم الفهرسة والتبويب ثم وضع الخطط والتنفيذ ..

وحتي لا يعيدون أخطاءهم مرة أخرى .. بعد ألف عام ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت