ولو بعد حين أو موت مؤجل؛ بسام ابو شاويش

مهند طلال الاخرس
2024 / 3 / 23

ولو بعد حين او موت مؤجل رواية لبسام ابو شاويش، تقع على متن 270 صفحة من القطع المتوسط وهي من اصدارات وزارة القافة الفلسطينية في رام الله سنة 2020.

الرواية فلسطينية بامتياز: اذ تتناول خلفيات النكبة وتداعياتها وصولا للثورة ومخاضاتها وحتى انطلاقتها وتعرجاتها وحتى اجتياح بيروت والخروج من لبنان.

فنيا اعتمد الكاتب على خطين متوزيين لينسج منهما احداث الرواية؛ يمثل الخط الاول بطل الرواية ديفيد بن اهارون اليهودي القادم من مذابح النازية في المانيا ]فحسب المؤلف فان ديفيد بن اهارون وعلى اثر احتلال المانيا النازية بلده بولندا ، فانها ترتكب ابشع الموبقات بحق اليهود، ومنها المحرقة والمجازر، ومن هذه المجازر تقدم السلطات الالمانية [الجستابو] على اعدام ابيه وامه واغتصاب شقيقته ثم قتلها؛ [ وهذه مقاربات اخطا فيها الكاتب بشدة لاسباب عدة؛ فلا يمكن باي حال من الاحوال ان نستدعي هذه المقاربات على انها مسلمات او على فرض صحتها؛ فكيف يجوز للكاتب ان يسلم بالمحرقة والمجازر التي حصلت لليهود رغم ان عديد المصادر يشير الى تكذيبها او في احسن الاحوال تذهب الى انه جرى تضخيمها والمبالغة فيها خدمة لاغراص خبيثة احداها تبرير التهجير لفلسطين واقامة وطن لهم هناك، اضافة الى خلق اكاذيب تستهدف خلق راي عام ووعي كاذب وزائف بحيث مع مرور الزمن وسطوة الاكاذيب تصل الى العامة على انها مسلمات، وهذا ما نجد منه شيئا هنا...

تخدم الظروف ديفيد فينجو من المذبحة بسبب عمره الصغير، وبسبب اهتداءه لتغيير اسمه اليهودي لينجو من المذبحة، ويبحث عن سنسال يحمل الصليب كان هدية لشقيقته من صديقتها المسيحية، فيلبسه ليخفي خلفه دينه اليهودي، ويعزم الى الهروب الى فرنسا ومنها الى انكلترا حيث اليهود هناك في مأمن.

اثناء ذلك يلقي الجيش الالماني القبض عليه ويعمل في معسكرات الجيش ، وهناك يتعرف عليه جاره في غيتو وارسو ثيودور، ويقرران معا الهرب باتجاه فرنسا ومرسيليا بالذات؛ كون عم ثيودور ملاكا وثريا كبيرا هناك، وينجحا في الوصول اليه ويلحقان به على رصيف ميناء مرسيليا في الرمق الاخير قبل المغادرة، ويعطيهما ثمن تذكرتين ليرحلا معه الى لندن.

في لندن يتقدم ديفيد بن اهارون للخدمة في الجيش البريطاني ضد القوات النازية، وفي الحرب يحوز على اعلى الاوسمة والنياشين من الملكة البريطانية، ويعود الى لندن بعد انتهاء الحرب، وتسوقه الاقدار الى الذهاب الى بار او نادي ليلي لاحتساء الخمور، وهناك تحدث مشاجرة مع احد الزنوج، فيتناول هذا الزنجي سكينا ويضرب وجه ديفيد بن اهارون من اوله لاخره فيحدث فيه علامة فارقة وكبيرة ستبقى ملازمة له طول العمر في مقاربة مع الاعور ديان...

يتناول ديفيد بن اهارون مسدسه ويطلق رصاصة على الزنجي فيرديه قتيلا.. ولسوء الحظ فان ديفيد يسكن في نفس حي الزنجي المقتول، وبحيث اخذ الزنوج يتوعدوه ويهددوه ويتابعوه باعينهم الغاضبة ومنهم مايكل ابن الزنجي المقتول...

تهتدي الحلول بان يرحل ديفيد من هذا الحي تجنبا لنظرات الزنوج وتخوفا من انتقامهم.. وفي ظل هذا الظروف تصل برقية من عصابات الهاجاناة الى لندن تطالب فيه كل منتسبي الفيلق اليهودي والذين خدموا في الحرب العالمية ان يلتحقوا بالعصابات الصهيونية الموجودة على ارض فلسطين استعدادا للحرب مع الفلسطينيين بغية طردهم من ارضهم واقامة دولتهم المزعومة..

وهذا الخط الموازي الذي يمثله ديفيد يستعطف القاريء ويجعل منه صاحب مظلمة كبرى قومية وشخصية وحتى انسانية، وان تقديمه بهذه الصورة في احداث الرواية مهما كان الهدف والمسعى انما هو سعي مردود على صاحبه، ويجانب الحقيقة المطلقة للشخصية الصهيونية، ولا يتلائم حتى مع اهداف الصهيونية وتعاليم التوراة والتلمود والماسونية، عدا اننا لا نعد هذا الامر رايا او حرية فهو تجاوز للخطوط الحمراء وتنزلق بصاحبنا الكاتب نحو الدرك الاسفل من النار، فبعد هذا التقديم للشخصية الصهيونية ديفيد بن اهارون ماذا بوسعنا ان نقول لصاحب تاجر البندقية. ام ان شكسبير كان يتجنى على شيرلوك؟!

الشخصية الثانية او الخط الموازي الثاني في الرواية بطله صلاح الياسين ابن قرية دير ياسين المهجرة والتي ارتكب الصهاينة فيها افظع المجازر عشية النكبة[في مقاربة اخرى مع اليهود]،

ثم ياخذنا الكاتب عبر شخصية صلاح الياسين بجولات تتفق وحالة الشتات الذي صنعته النكبة. فياخذنا للكويت ابتداء ثم دمشق وبيروت ومخيم اليرموك والوحدات [شابها مغالطات كثيرة] وسوريا ومصر والعراق وصولا للانطلاقة والعملية الاولى ثم حرب ٥٦ وهزيمة ٦٧ وحرب ٧٣ وصولا لاجتياح بيروت من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي...

.. المهم ان بطلنا صلاح الياسين تسوقه الاقدار ليؤسس مع رفاق واصدقاء العمر والدراسة اللبنات الاولى للثورة الفلسطينية المعاصرة ، فياخذنا بجولات مكوكية نحو الكويت اولا: فيعمل هناك ويتعرف على امير كويتي تتعز العلاقة بينه وبين صلاح الياسيني، وبحيث ينضم الامير لاحقا لصفوف الثورة.. هذا الامير كان صلاح الياسيني قد اخبره بمأساته وباحداث المجزرة التي وقعت لاهله في دير ياسين.

في الكويت يتعرف صلاح على الرسامة والفنانة نجوى ويتزوج منها لاحقا وينجب ابنه الوحيد نضال...

يكرر صلاح الياسيني تلاوة وقائع وحكاية المجزرة على مسامع نجوى ويطالبها برسم صورة دقيقة لسفاح المجزرة الذي بقيت صورته عالقة في ذهنه منذ لحظات المجزرة الرهيبة، والتي شهدها صغيرا من حظيرة الاغنام [ في مقاربة مشهدية مع مشاهدة ديفيد اهارون لوقائع الجزرة التي ارتكبت بحق عائلته في غيتو وارسو والتي شاهدها من سقف العلية] تلك المقاربات ذات اهداف لا نتفق معها واقل ما يقال عنها "خبيثة".

ترسم نجوى صورة لسفاح المجزرة في دير ياسين ويبقيها صلاح الياسيني على طاولة مكتبه ليتذكر المأساة ووجوب الانتقام وررغبة في ان يورث الانتقام من هذا السفاح والجزار لابنه نضال...

كان كل من ذهب لمكتب صلاح الياسيني او في منزله يعرف حكاية تلك الصورة...حتى ان الامير الكويتي عرف بالحكاية واكملها لاحقا... فعند ذهاب الامير في مهمة رسمية الى لندن تقع في يده مجلة بريطانية تعرض صور الخريجين من الكلية العسكرية البريطانية. ياخذ المجلة ويعرضها على صلاح الياسيني...

نعم انه هو الذي في الصورة...يبلغ صلاح كوادر الرصد لتتيع صاحب الصورة وتاتي المعلومات تباعا بانه ديفيد بن اهارون وهو قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الان...

لم يكن الامير الكويتي وصلاح الياسيني وحدهما من اهتدى لرؤية تلك الصورة على غلاف المجلة كانت زوجة الزنجي كذلك، والتي اوصت ابنها مايكل قبل وفاتها بالذهاب الى فلسطين او لبنان بغية الانتقام من ديفيد اهارون...

نقطة الالتقاء في خطوط الرواية [حبكة الرواية] تحدث عند ورود برقيات متعددة لبريطانيا ترغب باستدعاء كل من قاتل في الفيلق اليهودي اثناء الحرب العالمية، تتوالى البرقيات التي تستدعي الجنود بتعدد الحروب التي تخوضها دولة الاحتلال، احد هذه البرقيات تصل ديفيد بن اهارون وتطالبه الالتحاق بجيش الاحتلال.

تدور الدوائر وتجتاح اسرائيل لبنان يتطوع نضال ابن صلاح الياسين للقتال في صفوف الثورة ويخدم في الصفوف الامامية العاملة في الجنوب...

في بريطانيا تدور المظاهرات المؤيدة لاسرائيل ولفلسطين ايضا. يتفاجأ مايكل بان هناك بريطانيون مؤيدون لفلسطين. يتغلغل في صفوفهم ويصبح واحدا وفي هذه اللحظات يحدث الاجتياح للبنان ..

يتطوع مايكل مع اخرين من الطلاب البريطانيين والعرب المتواجدين في لندن للذهاب الى لبنان للانضمام لصفوف الثورة... كان لمايكل اهدافه الاخرى غير مناصرة الثورة الفلسطينية؛ كانت رغبته بالانتقام من قاتل ابيه [ديفيد بن اهارون] حافزه الكبير بالانتقال الى هناك الى اقرب نقطة او فكرة تمكنه من الثأر من قاتل ابيه، ليس الانتقام وحده ما اخذه الى هناك، بل وصية امه الاخيرة حين رات صورة [ديفيد بن اهارون] تعتلي غلاف مجلة التايمز...

في الاجتياح تلتقي كل خيوط الرواية: ديفيد بن اهارون ونضال صلاح الياسيني ومايكل ابن ذلك الزنجي البريطاني المقتول، وعلى ظهر الصفحات ٢٤٥ وحتى٢٦٤ تبوح الرواية بنهايتها السعيدة.

الرواية كتبت بلغة سلسة وبعيدة عن التكلف والتعقيد وفيها من التشويق الشيء الكثير، رغم ان الرواية اثقلها وارهقها الحديث السياسي الجاف، وكل ذلك لا يعيب الرواية؛ ما يعيبها جرأة المؤلف على ايجاد حالة انسانية موازية ومشابهة لنكبة الفلسطيني واستمرارها...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت