بصدد -نمط الانتاج الكولونيالي- و -رأس المال الكولونيالي-

حسين علوان حسين
2024 / 3 / 22

في البداية، قد يكون من المفيد الايضاح المكرور بأن المفهوم الماركسي المحوري لـ "نمط الانتاج الاجتماعي" إنما يرتبط بعملية الانتاج الاجتماعي ذاتها؛ أي بأسلوب قيام المجتمعات بإنتاج الضرورات المادية لحياتها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ووسائل راحة ونقل واتصال، الخ. وكل انتاج اجتماعي للضرورات المادية للحياة له قواه الانتاجية الخاصة به: (قوة العمل ووسائطه المتمثلة بالأدوات والآلات والمباني والبنية التحتية والمعرفة التقنية والمواد الخام والنبات.. إلخ). الكلام هنا هو عن الانتاج الاجتماعي كمفهوم عام مجرد.
ولكن الانتاج الاجتماعي لا يمكن أن يحقق نفسه تاريخياً قط إلا ضمن اطار علاقات الانتاج الاجتماعي المحددة التي تتحكم بالروابط القائمة بين المنتجين وبين أدوات الانتاج. كل انتاج اجتماعي للخيرات المادية يستوجب وجود شكل محدد ومتميز من علاقات الانتاج الاجتماعية والتقنية، وأهمها علاقات الملكية والسلطة وإنفاذ القانون الذي يحكم وسائل إنتاج المجتمع، وجمعيات العمل التعاونية، والعلاقات بين الناس ومواد عملهم، والعلاقات بين الطبقات الاجتماعية واسلوب توزيع الانتاج وتداوله.
وهذا ما يجعل السؤال الأساسي في حل هذه المسألة هو: ما هو جوهر أشكال تبلور عناصر علاقات الانتاج المميزة لأي نمط انتاج اجتماعي عن غيره شهده تاريخ البشرية؟ الجواب هو أن الجوهر لأشكال أنماط الانتاج الاجتماعي أنما ينحصر كليا وبالضبط بتشخيص الطبقة الاجتماعية التي تتملك وسائل الانتاج تلك. فإذا ما كانت ملكية وسائل الانتاج مشاعة اجتماعيا، نستطيع عندئذ أن نتكلم عن وجود نمط انتاج متميز هو نمط الانتاج المشاعي، وإذا كان الذي يمتلك وسائل الانتاج ملاك العبيد، نستطيع أن نتكلم عن نمط انتاج مختلف عن نمط الانتاج المشاعي السابق، ألا وهو نمط الانتاج العبودي الذي تختلف الطبقة المالكة لوسائل الانتاج فيه. واذا كان الذي يمتلك وسائل الانتاج الاقطاعيون، فنستطيع عندئذ التمييز على وجه الدقة العلمية قيام نمط الانتاج الاقطاعي، واذا امتلك الرأسماليون وسائل الانتاج مما يستوجب تحول المنتجين الى عمال أجراء لحساب مالكي وسائل الانتاج، عندئذ يبرز نمط انتاج جديد آخر هو نمط الانتاج الرأسمالي...
إذن، ما هو المعيار الماركسي والعلمي والجوهري الوحيد الذي يستوجب أن يكون شكل تجليه هو الضابط لإدراك الباحث وتمييزه لوجود أي نمط أنتاج اجتماعي قائم في التاريخ عن غيره؟ الجواب دائماً وأبداً إنما هو شكل علاقات الملكية السائد لوسائل الانتاج. ولهذا، فلا يمكن الكلام عن وجود نمط انتاج معين دون تقديم الاجابة الدقيقة المستندة على الوقائع الثابتة على السؤال الجوهري: من الذي يمتلك وسائل الانتاج الاجتماعي المحدد لطبيعة نمط التوزيع، ونمط التداول، ونمط الاستهلاك للخيرات المادية في ذلك المجتمع؟ هذا هو المعيار الأوحد والوحيد لتمييز نمط الانتاج الاجتماعي سين عن نمط الانتاج صاد وعين و... إلخ.
هذا الفهم العلمي لجوهر مفهوم نمط الانتاج الاجتماعي هو الذي مكّن ماركس من القول بأن الشيوعية يمكن تلخيصها بجملة واحدة: تحويل وسائل الانتاج الى الملكية الاجتماعية. أي أن أكبر ثورة في تاريخ البشرية وأقوى نظام اقتصادي فيها نحلم به ونناضل لتحقيقه لن يتخلق إلا عبر تغيير ملكية وسائل الانتاج بجعلها ملكية اجتماعية لالغاء الطبقات الاجتماعية المتمايزة، ومعها الغاء الصراع الطبقي المتناحر. لماذا؟ لان تشريك ملكية وسائل الانتاج تلغي امكانية أي طبقة اجتماعية من استغلال أي طبقة اجتماعية أخرى؛ وهي بالتالي تسدل الستار على التاريخ الطويل لاستغلال الانسان للإنسان.
لذا، فإن الكلام عن وجود أي نمط محدد للإنتاج الاجتماعي دون تحديد مَن هي الطبقة الاجتماعية التي تملك وسائل الانتاج فيه هو مجرد جعجعة بدون طحن، قدر تعلق الأمر بتوصيف أنماط الانتاج الاجتماعي تاريخياً.
نأتي الآن إلى مفهوم "نمط الانتاج الكولونيالي" المصاغ أولاً من طرف المفكر الهندي "جايروس باناجي" عام 1972، والذي حاول من بعده الشهيد والمفكر الكبير مهدي عامل تطويره ضمن اطار دراسته لاقتصادات الدول المتخلفة في كتابه "مقدمات نظرية ــــ في نمط الإنتاج الكولونيالي" (1975). كان هدف الكتاب الأخير هو تبيين كيف أن التخلف البنيوي الذي تعانيه البلدان الطرفية في العالم الرأسمالي إنما يعود الى تأخر تطور القوى المنتجة فيها. وقد كان هذا واقعاً صحيحاً ومشهوداً في وقته. فطبقاً لشكل تبلور دينامية اشتغال سياسة تقسيم العمل للسوق الرأسمالي العالمي غير المتكافئ التطور قبل حوالي نصف قرن كانت عملية نقل التكنولوجيا الانتاجية من الغرب الصناعي المتقدم إلى بلدان المتخلفة اقتصاديا مكلفة جداً وغير مجزية اقتصادياً إلا بالحماية الجمركية المحلية بسبب سواد اشتغال قانون التطور الرأسمالي غير المتكافئ. فمثلا، كان المنتِج البرجوازي المحلي في بلدان الاطراف للصناعات النسيجية والسلع المعمرة ووسائط النقل والاتصال وغيرها من عديد خطوط الانتاج غير الغذائي يواجه مخاطر المنافسة الغربية الشرسة للاستحواذ على الأسواق الخارجية، وواقع تعذر مواكبة التطوير المتسارع لتكنولوجيا الانتاج في الغرب. وهذا ما جعل المُنتَج الغربي المنافس هو دائما أعلى جودة وأقل سعراَ من مثيله المنتج في بلدان الأطراف العاجزة تماماً عن التطوير المستمر لوسائل الانتاج، الأمر الذي كان يديم تخلفها.
وقد جرى اغتيال المفكر الشيوعي الكبير الشهيد مهدي عامل وهو في أوج توهجه الفكري لإسكات صوته الثوري الحر مبكراً، دون أن يتسنى له استكمال دراسته لدرجة وطبيعة تطور القوى المنتجة في البلدان المتخلفة برفدها بالدارسة اللازبة للبنية الرأسمالية الجوهرية الأهم بما لا يقاس والمتمثلة بشكل علاقات الإنتاج السائدة فيها. كما أن استشهاده المبكر حرمه من رؤية وتحليل سيرورة تغير دينامية تقسيم العمل الدولي الموصوفة أعلاه التي كانت سائدة في زمنه على تحو جذري عندما انقلبت بعده رأساً على عقب وبوتائر متسارعة ابتداءً من تسعينات القرن الماضي بسبب رخص العمالة في بلدان الجنوب مقارنة ببلدان الشمال الرأسمالي مما يتيح لها أفضلية تنافسية مربحة جداً. وهو ما أدى بالتالي إلى النقل المتسارع للتكنولوجيا المتقدمة ولمرافق الانتاج من بلدان الشمال الى بلدان الجنوب (المكسيك والبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا والصين (بضمنها هونكونغ) والهند وتايوان ونيوزيلندا وسنغافورا وماليزيا وفيتنام وكوريا الجنوبية ومن بعدها تايلند واندونيسيا والفلبين التي أصبحت اليوم هي المركز الأول للإنتاج العالمي والذي يتكامل ويتشارك تقنيا مع بلدان الشمال. ولو قُدر له ادراك حصصول كل هذه التطورات الجذرية، لاستبدل كل كلامه في هذه المسألة على ضوء معطيات الواقع الجديد المعاش هذا.
وعلاوة على كل هذا، فقد استشهد هذا المفكر الكبير دون ان يتسنى له الوقت اللازم لتقديم الاجابة الشافية على السؤال الجوهري في هذا المبحث، ألا وهو: أي طبقة اجتماعية هي التي تمتلك وسائل الانتاج في "نمط الانتاج الكولونيالي" هذا؟ لأن من المعلوم أن الاكتفاء بإطلاق اسم "البرجوازية الكولونيالية" على تلك الطبقة هو من قبيل المفارقة، حيث أن الاعتراف بوجود الطبقة "البرجوازية" يستوجب اصلاً الاعتراف بوجود "نمط الانتاج الرأسمالي" القائم أساساً، والذي لا يمكن تغيير شكل نمطه الانتاجي المتمدد عالمياً والمشهود يومياً بالفذلكات اللغوية عبر لصق صفة "الكولونيالية" بـ "البرجوازية" بغية تبديل "نمط الانتاج الرأسمالي" بنمط آخر مغاير له نسميه بـ "نمط الانتاج الكولونيالي"! هنا يتحول الدرس الماركسي العلمي إلى لعبة لغوية لا قيمة علمية لها. فمثلاُ، قد يستطيع أي باحث اليوم أن يتحدث عن وجود "نمط الانتاج الأميري"، وعن "البرجوازية الأميرية" للتمييز التحكمي لشكل الانتاج الريعي السائد في دول الخليج وسلطنة بروناي عن الانتاج الرأسمالي العالمي المهيمن عليها. ولكن مثل هذه الفذلكات المضحكة يستحيل عليها أن تفلح في تخليق نمط انتاج جديد بجرة قلم في شرقنا المتخلف فكرياً في ظل الهيمنة الطاغية والمتمددة أبداً لنمط الإنتاج الرأسمالي والذي يستوجب دراسة الاقتصاد الريعي ضمن اطار علاقات الاثر والتأثير المتبادل والمتفاعل بينهما. وعليه، لا يمكن اختلاق "نمط الانتاج الأميري" - مثلاً - عبر لصق صفة "الأميري" مع اسم "البرجوازية" لأن انماط الانتاج الاجتماعي إنما هي بنى اقتصاجتماعية ذات علاقات وأساليب انتاج متمايزة جذرياً ومتفردة عن غيرها، والتي هي غائبة تماماً هنا، وليست جزءاً لا يتجزأ ضمن غيرها أبداً مثلما هي على أرض الواقع.
وعلاوة على كل هذا، فإن الدراسة المتمعنة للتركيب الطبقي للبلدان المتخلفة يفشل اليوم تماماً في التشخيص والتمييز النوعي القاطع لأي طبقة كولونيالية ابتداءً، لسبب بسيط وواضح، الا وهو عدم وجودها أصلاً، في ضوء وجود الطبقة البرجوازية الرأسمالية التي لا يمكن الغاء واقع وجودها تحكمياً.
ولكن لنعد الى ورقة المفكر الهندي "جايروس باناجي" بإحالتها إلى التركيبة الطبقية الهندية إبان مرحلتها الكولونيالية، لنكتشف بسرعة ووضوح قاطع أن وقائع التاريخ تثبت تواجد كل من أشكال الانتاج المشاعي القبلي والعبودي والآسيوي والرأسمالي في شتى أرجاء الهند المترامية عندما كانت مستعمرة بريطانية. وهذا ما يستوجب بالطبع وجود طبقة المزارعين الجماعيين والمزارعين المستقلين وملاك العبيد والبرجوازيين في اقتصاد واحد. كما أن هذا ما يثبت في نفس الوقت عدم وجود "طبقة كومبرادورية" (كذا!) مستقلة مهيمنة على اقتصاد الهند بحكم سيطرة الامبريالية البريطانية الرأسمالية عليه. نعم، كان يوجد هناك العديد جداً من الهنود المتعاونين مع المستعمرين البريطانيين من شتى الطبقات الاجتماعية الهندية، من الجنود ورجال الشرطة والموظفين المحليين البيروقراطيين إلى الملاك والرأسماليين والتجار والمتعهدين وغيرهم، ولكنهم لم يكونوا يشكلون طبقة اجتماعية متماثلة الملكية متمايزة ومستقلة بحد ذاتها تتولى اقامة "نمط الانتاج الكولونيالي" وذلك لسبب طاغ وواضح، ألا وهو: هيمنة برجوازية دولة المتروبول الرأسمالية: بريطانيا على مقدرات كل الطبقات الاجتماعية في بلد الهند المستعمر. كل دراسة تعزل تفاعل علاقات الأثر والتأثير الحاكمة القائمة بين اقتصادات دول المتروبول وبين اقتصاد دول البلدان التابعة هي دراسة غير علمية لكونها اختزالية (reductionist) وغير منتجة مطلقاً لفصلها التحكمي لجوهر العلاقة الثنائية القائمة حكماً بين التابع والمتبوع.
ماذا تعني هذه الوقائع الثابتة التي لا تقبل الجدل؟ إنها تقطع بكون ما يُدعى بـ "نمط الانتاج الكولونيالي" إنما ينفي نفسه بنفسه، في ضوء واقع كون الانظمة الكولونيالية كلها التي عرفها التاريخ قد اشتملت على خليط من عدة أنماط انتاج اجتماعية متجاورة ومتفاعلة ومتشابكة. في الولايات المتحدة الامريكية قبل استقلالها من بريطانيا وجد نظام العبودية في الجنوب والنظام الرأسمالي في الشمال. في العراق، قام المستعمرون البريطانيون بعد عام 1918 بتخليق نمط انتاج اقطاعي عشائري فيه بنزعهم ملكية الفلاحين لأراضيهم الزراعية وتحويل ملكيتها بإسم شيخ العشيرة المحلي الخادم لهم عبر الغائهم لقانون الأرض لمن يزرعها الخاص بنمط الانتاج الآسيوي (أرض السواد هي ملك عام لبيت مال المسلمين منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وما تزال الدولة إلى اليوم أكير مالك للأرض وللأبنية، وبإمكان أي فلاح عراقي اليوم استصلاح أي قطعة أرض بور وزراعتها لحسابه الخالص). نفس الشيء حصل في أغلب المستعمرات البريطانية والفرنسية والاسبانية وغيرها، خصوصاً في بلدان المغرب العربي حيث حوّل الفرنسيون المشاعات القبلية إلى شبه اقطاعيات بتغيير ملكية الغابات والمراعي والأراضي الزراعية لخلق سماسرة محليين تابعين ومتعاونين مع المستعمر. هنا لدينا نظام رأسمالي مهيمن يخلق بقوة القانون نمط انتاج اقطاعياً أو شبه اقطاعي في البلدان التابعة لهيمنته الكولونيالية لتيسير دوام هذه الهيمنة. وفي ضوء حقيقة عدم وجود الطبقة الاجتماعية الكولونيالية المستقلة في البلدان المستعمرة تستطيع الهيمنة على ملكية عناصر الانتاج (لا يمكن الحديث البتة عن وجود أي طبقة اجتماعية بمعزل عن علاقتها بملكية وسائل الانتاج الاجتماعي، مثلما نعلم من ألفباء الماركسية) بسبب هيمنة دولة المتروبول الرأسمالية، اذا، فإن أي كلام عن وجود نمط الانتاج الكولونيالي بات اليوم محظ حذلقة سكولاستية لا ماركسية ولا علمية، تستوجب الركن في المتاحف.
ومما يزيد الطين بلة على الشرعية العلمية للقائلين الجدد بمفهوم نمط الانتاج الكولونيالي اليوم هو تقافزهم فوق وقائع التطور التاريخي للكولونيالية التي تثبت أولاً عدم وجود شكل واحد موحد للكولونيالية الرأسمالية أو للاستعمار الغربي عرفه التاريخ. فهناك الاستعمار الاستيطاني، واستعمار الاستغلال، والاستعمار البديل، والاستعمار الداخلي. كما حدد بعض المؤرخين أشكالًا أخرى من الاستعمار، بما في ذلك الأشكال الوطنية والتجارية والتعهيدية. تعددت الأشكال، ولكن الجوهر الرأسمالي الاستعماري هو واحد. وهناك أيضاً الواقع التاريخي الثابت للكولونيالية الجديدة (الاستعمار الجديد غير المباشر، سارتر 1956). والأسوأ من هذا وذاك هو النفي القاطع للباعثين الجدد لهذا المفهوم للطابع المرحلي المؤقت والمتحول للكولونيالية الرأسمالية ولمرحلة ما بعد الكولونيالية المشهودة تاريخياً. فبلدان المستعمرات الغربية السابقة كالهند وكندا ونيوزيلندا واستراليا والبرازيل والارجنتين وجنوب أفريقيا وفيتنام وتايوان واندونسيا وسنغافورة وماليزيا وتايلند وكوريا الجنوبية وايران وهونكونغ .. الخ. التابعة للغرب الرأسمالي قد تحولت اليوم الى بلدان رأسمالية ذات برجوازيات وطنية صاعدة وليست متخلفة أبداً تساهم بنسبة معتبرة ومتزايدة في الانتاج الرأسمالي العالمي، خصوصاً بعد انتقال مراكز إنتاج شتى الصناعات الغربية إليها لرخص عمالتها؛ فيما تحولت بلدان المستعمرات السابقة المنتجة للنفط والغاز إلى بلدان رأسمالية ريعية بمشيئة إرادة تقسيم العمل الدولي لرأس المال العولمي. أما المستعمرة البريطانية القديمة السابقة المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية فقد تحولت بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وما بعدها إلى دولة المركز الرأسمالي العالمي المهيمنة ليس فقط على بلدان المستعمرات القديمة في الأمريكتين وأفريقيا وآسيا وأستراليا، بل ولقد أصبحت كل دول أوربا الغربية (بما فيها كلبتها المدللة التابعة بريطانيا اليوم التي كانت تستعمرها سابقاً) والشرقية واليابان وكوريا الجنوبية وبلدان الخليج وشمال أفريقيا دولاً تابعة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لها. هكذا نرى انقلاب الكولونيالية على نفسها عبر القرون بتحول الطرف التابع بالأمس إلى طرف مهيمن غداً، وبالعكس، حسب تطور موازين القوى الاقتصاعسكرية القائمة جيوسياسياً؛ مثلما سبق وان انقلبت على علاقة الهيمنة الكولونيالية المتبادلة سابقا بين فرنسا وانكلترا خلال الحقبة (1216-1230)، والاحتلال الهولندي لإنكلترا عام 1688، واحتلال فرنسا لإيطاليا وإسبانيا وألمانيا والنمسا خلال الحروب النابليونية (1799-1815)، واحتلال أمريكا للمستعمرة الاسبانية كوبا عام 1898.. الخ. لماذا؟ لأن الكولونيالية الغربية هي ليست فقط مجرد شكل اقتصادي مصمم للهيمنة الرأسمالية لنهب الخيرات المادية للبلدان المستعمرة، بل هي أولا وقبل كل شيء آخر شكلاً عسكرياً للهيمنة – سبق وأن شهده العالم منذ أقدم العصور وبداية تشكل الامبراطوريات، وأولها امبراطورية سرجون الأكدي في وادي الرافدين للألف الثاني ق.م.– استثمرته الرأسمالية الغربية للنهب العلني المستديم لثروات من تستطيع احتلاله من بلدان العالم أجمع بفضل تفوقها الصناعي العسكري والبحري الذي بدونه ما كان للكولونيالية الغربية أن تقوم لها قائمة.
وبقدر تعلق الأمر بالنظام الامبريالي العالمي، فأن القوة العسكرية الغاشمة هي دائما على حقّ، ولكن هذه القوة العسكرية عالية التكلفة الاقتصادية للغاية، وتتطلب أعداداً ضخمة من الموارد البشرية غير المتاحة دوماً، وهي متغيرة الدينامية بفعل اشتغال ديالكتيك اختراع وانتاج الاسلحة الجديد واندلاع ثورات أحرار الشعوب. لذا نجد أن المستعمر البريطاني عندما ثار العراق ضده في ثورة العشرين، حوَّل احتلاله الكولونيالي المباشر له الى غير مباشر عبر تنصيب ملك على العراق يتولى بنفسه خدمة مصالح سيدته الرأسمالية من فوق، لحين نشوء وتطور البرجوازية المحلية التابعة وعلى رأسها الكومبرادور المتخادم مع رأس مال دولة المتروبول. نفس هذه الترتيبات تم اتباعها في أفغانستان وايران والأردن ومصر وليبيا والمغرب واليمن الشمالي. في الجزيرة العربية، تولى الاستعمار البريطاني تفتيت أرضها الى كانتونات الكويت والامارات وعمان وقطر والبحرين، ونصّب عليها مشايخ أسسوا سلطاتهم المطلقة لتتولى خدمة مصالح أسيادهم الانجليز أولا ومن ثم الامريكان بعدهم. واذا ما تجرأ أحدهم على مناهضة أسياده الرأسماليين الغربيين، عزلوه وأحلوا خادماً جديداً لهم مكانه مثلما فعلوا بالشريف حسين ملك الحجاز وبأمارة آل الرشيد في حائل وبالشيخ شخبوط في الامارات. في ايران، حصل عكس هذا التطور بفعل قوة البرجوازية المحلية التي ثارت ضد الشاه في عهد مصدق أولاً وعهد الخميني ثانياً، لتستقل إثرها بالسوق المحلية أولاُ، ثم يتمدد نفوذها إلى أسواق البلدان المجاورة. في سوريا ولبنان، وبعد فشل ترتيبات الامبريالية البريطانية لتأسيس حكم ملكي في سوريا بسبب اتفاقية سايكس بيكو، تم انشاء حكم برلماني وطني في سوريا، وطائفي في لبنان جرى قياسه بالمسطرة التجزيئية بحيث لا ولن تقوم للبنان المتشرذم قائمة بمقدرته الذاتية. وعندما بدأت القوى السياسية للبرجوازية الوطنية السورية ولكادحيها بالوقوف ضد مصالح الاستعمار الامبريالي بالمنطقة في عهد الرئيس شكري القوتلي، سلطوا عليها العسكر بقيادة قائد الجيش حسني الزعيم وضباطه ممن تربوا في كنف الأكاديميات وشركات الصناعات العسكرية الامبريالية، مثلما فعلوا أيضاً في العراق ومصر والسودان وليبيا واليمن والسودان. أما في فلسطين المحتلة، فقد حرصت كل قوى الاستعمار الغربي على تجهيز وكيلها في المنطقة الاستعمار الصهيوني الاستيطاني بكل أسباب القوة العسكرية الغاشمة والبشرية والاقتصادية لاستكمال ابتلاع كل أرض فلسطين بدعم واسع واسناد مباشر مستدام، مع مشاركة خدمها من صهاينة العرب الذين سلطتهم على مصر والأردن وبلدان الخليج والمغرب في القوادة للكيان الصهيوني النازي. وفي حالة بروز قائد وطني من العسكر او الاحزاب الوطنية – مثل عبد الكريم قاسم في العراق وعبد الناصر في مصر والقذافي في ليبيا أو حكومة الجبهة القومية في اليمن الجنوبي أو الأسد في سوريا أو الصادق المهدي في السودان أو أبو رقيبة في تونس أو محمد سياد بري في الصومال، تعمد الامبريالية الغربية إلى تسليط هذا الجناح من العسكر أو تلك العصابات المسلحة المصنعة محلياً برأس المال الغربي على هذا المتمرد لإزاحته من سدة الحكم وجلب المنبطحين للإمبريالية محله، أو على الأقل قصقصة اجنحته.. أين هي في كل هذه المعمعة الطبقة الكولونيالية في البلدان العربية التابعة؟
إلدارسون العلميون لشكل النظام الامبريالي القائم اليوم يقرّون - استناداً لإحصاءات البنك الدولي - بوجود رأسمالية المركز المهيمنة على محيطها من البلدان الأقل تطوراً، وكذلك على أطراف ما بعد ذلك المحيط من البلدان التابعة الأدنى تطورا والتي يمكن أن تتمظهر فيها عدة أشكال من اقتصادات التبعية المتخلفة والمشوهة بهذه الدرجة أو تلك بحكم مقتضيات إدامة مصالح الهيمنة الاقتصاسياسية الامبريالية. ولكن دوام هذا الحال من المحال مثلما تعلمنا بذلك وقائع التاريخ للتقسيم الثلاثي الحالي (المركز/المحيط/الأطراف)، والذي كان ثنائياً فقط: (المركز/الأطراف) في زمن الشهيد مهدي عامل، رغم عناد من يعانق اليوم الرفض الاعتباطي لاشتغال ديناميكية هذا الديالكتيك بجرة قلم عبر إيقافه التحكمي لحركة عجلة التاريخ عند عتبة الكولونيالية الآيلة للانقراض - بفضل التمدد الطاغي للرأسمالية إلى كل مكان في العالم مثلما تنبأ به ماركس وإنجلز- وذلك لأمر في نفس يعقوب.
أحدهم صار يصول ويجول مؤخراً في التلفيق بمبارزة طواحين الهواء على هذا المضمار المسدود عبر تغليفه بالضباب اللغوي الكثيف، متوهماً أنه إنما قد بزَّ بثرثرته الفارغة كل الماركسيين العلميين ممن عرفهم التاريخ من ماركس وإنجلز إلى لينين وماو وتيتو وأنور خوجة وكاسترو وجيفارا وهوشي منه وجافيز (ممن يسميهم هو - بكل عماء ووقاحة - بـ: "الطوباويين" بغية إزاحتهم بالجملة من أمامه بضربة قاضية واحدة، بالضبط مثلما يزيح الدينجية غيرهم بنعتهم بـ "الكفّار")، وراح يفستق بأمية اقتصادية وجهل ديالكتي مضحكٍ-مبكٍ عن مفهوم "رأس المال الكولونيالي" الخاص بـ "نمط الإنتاج الكولونيالي" دون أن يتعلم ألفباء الاقتصاد التي تقول أن من يسمح لنفسه بالتكلم عن "رأس المال" فهذا يتطلب أولاً وأخراً وجود "الرأسمالية" الأم المالكة لـ "رأس المال" هذا نفسه الذي تكلم به ابتداءً، وبالتالي وجوب وجود "نمط الانتاج الرأسمالي" لرأس المال هذا، وليس وجود "نمط الانتاج الكولونيالي" ولا "رأس المال الكولونيالي" الموهوم الذي يقرزم به، لأن الأخير لا يعدو كونه تهيؤأ "figment of imagination " يتلاشى في الفراغ عند التمحيص العلمي! صحيح أن الأمية الفكرية – مثل الحب الأعمى – تخلق الخوارق من قبيل الشياطين والطناطل ورأس المال الكولونيالي، لكن خوارقها – عكس خوارق الحب الأعمى، للأسف الشديد – شديدة البرودة والقباحة!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت