آرون بوشنيل... مات وهو يهتف :فلسطين حرة

سعيد مضيه
2024 / 3 / 22

جرى تدخل لمنع العدوان الدموي في ملابسات مختلفة


"مات من أجل خطاينا" يقول صحفي التقصي الأميركي كريس هيدجز مؤبنا آرون بوشنيل. ويضيف "بوشنل يفنى حياته بنفس الطريقة التي أُ فنِي بها آلاف الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال. كان بمقدورنا أن نراه يحترق حتى الموت؛ هكذا يبدو؛ وهذا ما يحدث للفلسطينيين بسببنا...مات من أجل خطايانا ... الإبادة الجماعية هي شر عندما ينفذها أعداؤنا؛ ويتم الدفاع عنها والحفاظ عليها عندما ينفذها حلفاؤنا"..

حرض آرون بوشنل العنف الإلهي ضد الشر العنيف عندما وضع هاتفه الخلوي على الأرض لإجراء بث مباشر وأشعل النار في نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة، مما أدى إلى وفاته.
وباعتباره عضوًا نشطًا في القوات الجوية الأمريكية، فقد كان جزءًا من الآلية الهائلة التي تدعم الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، ولم يكن أقل ذنبًا من الناحية الأخلاقية من الجنود الألمان والتكنوقراط والمهندسين والعلماء والبيروقراطيين الذين قاموا بتزييت جهاز المحرقة النازية. . كان هذا دورًا لم يعد بإمكانه قبوله. مات من أجل خطايانا.
وقال بهدوء في مقطع الفيديو الخاص به وهو يسير إلى بوابة السفارة: “لن أكون متواطئاً بعد الآن في الإبادة الجماعية”.
"أنا على وشك المشاركة في عمل احتجاجي شديد. ولكن بالمقارنة مع ما شهده الناس في فلسطين على أيدي مستعمريهم، فإن الأمر ليس متطرفًا على الإطلاق. وهذا ما قررت طبقتنا الحاكمة أنه سيكون أمرا طبيعيا”.
يلتحق الشباب والشابات بالجيش لأسباب عديدة، لكن التجويع والقصف وقتل النساء والأطفال ليس من عاداتهم .
ألا ينبغي للأسطول الأمريكي، في عالم عادل، أن يكسر الحصار الإسرائيلي على غزة لتوفير الغذاء والمأوى والدواء؟
ألا ينبغي للطائرات الحربية الأمريكية أن تفرض منطقة حظر طيران فوق غزة لوقف القصف الذي أشاع الدمار؟
هل ينبغي إصدار إنذار نهائي لإسرائيل لسحب قواتها من غزة؟
ألا ينبغي وقف شحنات الأسلحة والمليارات من المساعدات العسكرية والمعلومات الاستخبارية المقدمة لإسرائيل؟
ألا ينبغي محاسبة أولئك الذين يرتكبون الإبادة الجماعية، وكذلك أولئك الذين يدعمون الإبادة الجماعية؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي يجبرنا موت بوشنل على مواجهتها.
"الكثير منا يحب أن يسألنا جميعا "، هذا ما نشره قبل وقت قصير من انتحاره؟،
ماذا سأفعل لو كنت على قيد الحياة أثناء العبودية؟ أو جيم كرو الجنوب؟[قانون صدر لعزل السود بالولايات المتحدة] أو الفصل العنصري؟ ماذا كنت سأفعل لو كانت بلدي ترتكب إبادة جماعية؟ الجواب هو أنك تفعل ذلك.فورا."
تدخلت قوات التحالف في شمال العراق عام 1991 لحماية الأكراد في أعقاب حرب الخليج الأولى. لقد كانت معاناة الأكراد واسعة النطاق، لكنها تتضاءل أمام الإبادة الجماعية في غزة.
وتم فرض منطقة حظر جوي على القوات الجوية العراقية. وتم طرد الجيش العراقي من المناطق الكردية الشمالية. أنقذت المساعدات الإنسانية الأكراد من المجاعة والأمراض المعدية والموت بسبب التعرض لها.
لكن ذلك كان وقتاً آخر، حرباً أخرى. الإبادة الجماعية هي شر عندما ينفذها أعداؤنا؛ ويتم الدفاع عنها والحفاظ عليها عندما ينفذها حلفاؤنا.
والتر بنيامين - الذي انتحر صديقاه فريتز هاينلي وريكا سيليغسون عام 1914 احتجاجًا على العسكرية الألمانية والحرب العالمية الأولى - في مقالته "نقد العنف"، يبحث في أعمال العنف التي يقترفها الأفراد الذين يواجهون الشر الراديكالي.
أي عمل يتحدى الشر الراديكالي يخالف القانون باسم العدالة؛ يؤكد سيادة الفرد وكرامته؛ ويدين العنف الذي تمارسه الدولة لفرض إرادتها؛ ينطوي على استعداد للموت. أطلق بنيامين على هذه الأعمال المقاومة المتطرفة اسم "العنف الإلهي".
يكتب بنيامين: "فقط من أجل الأفراد اليائسين منحنا الأمل".
إن تضحية بوشنل بنفسه – وهي التي فرضت رقابة شديدة عليها من قبل إحدى أعظم إصدارات وسائل التواصل الاجتماعي والمؤسسات الإخبارية - هي النقطة المهمة.
قصد بها أن ترى؛ بوشنل يفنى حياته بنفس الطريقة التي أُ فنِي بها آلاف الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال. كان بمقدورنا أن نراه يحترق حتى الموت؛ هكذا يبدو؛ وهذا ما يحدث للفلسطينيين بسببنا.
تشكل رسالة سياسية قوية صورة بوشنيل وهو يحرق نفسه، شأن صورة الراهب البوذي، ثيك كوانج دوك، في فيتنام عام 1963 أو محمد البوعزيزي، االشاب بائع الفاكهة في تونس عام 2010.
إنها تهز المشاهد وهو في حالة نعاس؛ يجبر المشاهد على مساءلة الفرضيات؛ يطلب من المشاهد أن يتصرف. إنه مسرح سياسي، أو ربما طقس ديني، في أقوى تجلياته؛ قالها الراهب البوذي، ثيش نهات هانه، وهو يضحي بنفسه :
" التعبير عن الإرادة بحرق الذات لا يعني، من ثم، مقارفة أحد أعمال التدمير؛ إنما هو عمل بناء، بمعنى المكابدة والموت من أجل شعبك."
إذا كان بوشنل راغبا بالموت، يصرخ مرارا "فلسطين حرة!" وهو يحترق، فلابد أن هناك شيئًا ما خطأ فظيعًا.
غالبًا ما تصبح تضحيات الإفراد بالنفس هذه نقاط حشد من اجل المعارضة الجماهيرية؛ بمقدورهم إشعال انتفاضات ثورية، مثلما فعلوا في تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين .
البوعزيزي، الذي أغضبه مصادرة السلطات المحلية ميزانه وبضاعته، لم يكن ينوي الشروع في ثورة. لكن الظلم البسيط والمهين الذي تعرض له في ظل نظام بن علي الفاسد كان له صدى لدى الجمهور الملوم . فإذا أمكنه الموت ، فبمقدورهم النزول إلى الشوارع.
هذه الأفعال هي ولاّدة فداء، بشارة شيء جديد، الرفض الكامل في أكثر أشكاله درامية للأعراف وأنظمة السلطة السائدة. صممت كي تكون مروعة، قصد بها ان تكون صادمة؛ يعد الحرق حتى الموت أحد أخطر طرق الموت.
التضحية بالنفس مشتقة من الكلمة اللاتينية immolare، ترش بالدقيق المملح لدى تكريس ضحية لتقديمها للتضحية. إن التضحية بالنفس، مثل حالة بوشنل، تقرن المقدس بالمدنس من خلال وسيلة الموت الفدائي.
غير ان المضي حتى هذا التطرف يتطلب ما أطلق عليه اللاهوتي رينهولد نيبور"الجنون السامي في الروح"؛ يلاحظ أنه «لا شيء غير هذا الجنون يمكنه أن يحارب القوة الخبيثة وفساد الروح في الاماكن المرتفعة"
هذا الجنون خطير، لكنه ضروري لدى مواجهة الشر الراديكالي، ذلك أن بدونه " يتم إخفاء الحقيقة ". يحذر نيبور من أن الليبرالية "تفتقر إلى روح الحماس، ولا نقول التزمت، التي هي على قدر من الضرورة بحيث تخرج العالم من مساراته المطروقة؛ وهي فكرية للغاية وعاطفة واهنة لدرجة انها أضعف من ان تكون قوة فاعلة في التاريخ".
هذا الاحتجاج الشديد ، هذا "الجنون السامي"، سلاح فعال بأيدي المضطهَدين عبر التاريخ.
تعتبر طقوسا مقدسة ما يقرب من 160 حالة تضحية بالنفس في التبت منذ عام 2009 احتجاجًا على الاحتلال الصيني، وهي أعمال تعلن استقلال الضحايا عن سيطرة الدولة؛ إن التضحية بالنفس تدعونا إلى طريقة مغايرة للوجود. هؤلاء الضحايا المضحون يصبحون شهداء.
مجتمعات المقاومة، حتى لو كانت علمانية، متضافرون بفضل تضحيات الشهداء. المرتدون فقط هم الذين يخونون ذكراهم؛ الشهيد، من خلال مثاله/ا بالتضحية بالنفس، يُضعف ويكسر قيود الدولة وقوتها القسرية.
الشهيد يمثل رفضاً تاماً للوضع القائم؛ ولهذا السبب تسعى جميع الدول إلى تبخيس الشهيد أو تجريده من شخصيته. إنهم يدركون قوة الشهيد ويخافونها حتى في مماته .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت