الكراهية والطائفية لن تأخذنا إلا للجحيم:

فلورنس غزلان
2024 / 3 / 19

يرتفع منسوب السباب والشتائم، التي تخفي أو تموه كراهية مغرقة في التفرقة والشقاق، مثقلة بأطنان من الحقد الأعمى الباذر للتشظي والغارق حتى الرأس في مستنقع اللاوطنية ...فنراها تظهر بصور متنوعة : هنا تقف جحافل تلعن الأكراد، وهناك تقف جحافل تلعن العرب، وبينها مجموعات شتى تشرعن الهوية الطائفية وتبني على ضوئها كيف تقام العلاقات وكيف يبنى المستقبل !، فيشرعن هذا لإثنيته ويبيح ذاك لطائفته الإبحار في قطع الأعناق والأرزاق ، يحلل لمحيطه الصغير ويحرم على المحيط الأوسع أي على وطنه السوري .
هذه النماذج المُكَهربة والممغنطقة عاطفياً ،المجيشة والمغسولة الأدمغة عقليا مشبعة بالطائفية ، التي تعزل نفسها وتقولب الوطن برمته على هواها...تبث سموم الحقد والشوفينية العمياء قومية كانت أم مذهبية..تغذي انتماءها للجماعة الصغيرة وتبتر مع الوطن ،مع الهوية والانتماء لسورية أم الجميع.
هذا الوضع يطرح علينا جميعا أسئلةلابد من طرحها بوضوح وشفافية ،إن أردنا إعادة بناء وطننا على قواعد سليمة وإقامته بكل هذا الموزاييك على العدالة والكرامة والحرية ثم الديموقراطية ،التي تعالج هذه المعضلات بطريقة تضمن المساواة أمام قانون يحمي وينصف هذا "الموزاييك"،اذن :-
- هل تعتقدون أن بإمكانكم ذات يوم قريب إقامة وإعادة سورية الواحدة كما كانت أو كما يحلم كل طرف منكم؟..
-- هل مازال بينكم سني يتزوج من شيعية أو علوية أو درزية أو مسيحية أو العكس؟
--هل مازال لدى ابن دمشق الجرأة والثقة والإحساس بالأمان ..للتصييف في ريف اللاذقية وطرطوس أو السكن والحياة؟
-- هل بإمكان العلوي أو الدرزي،أو الكردي، أن يعود ليقطن مع عائلته في حي من أحياء دمشق أو حلب .....في ظروف قادمة مختلفة عن حكم الأسد ووجوده هو وطغمته على رأس سورية الغد....دون نظرة كراهية أو تصرف حاقد؟
-- وهل نستطيع مستقبلا، إقامة علاقات اجتماعية طبيعية بالسهولة التي نأملها وكناها؟
ماحصل خلال الأعوام السابقة ،وما لعب عليه النظام وغرقتم في وحله وسقطتم في مصائده وحبائله ، بل عمقتم ما أراد زرعه ووسعتم الهوة وقطعتم كل جسور التواصل وبنيتم على الجدران مداميكاً تزيد من العزل وتقلل من فرص التآخي والمحبة...كل هذا لايمكنه أن يزول بجرة قلم لقرار، أو بتوقيع على مفاوضات تفرضها مصالح الدول التي تسعى اليوم لإيجاد حل...أي حل ...يريح العالم من أفواج اللاجئين المهدِدين لأمن وأمان واقتصاد الدول الغربية والعربية ...هذا إن افترضنا ان الامكانية لازالت قائمة،والأهم ان تظل قائمة في النفوس والعقول السورية تحديدا ...
يحتاج الأمر لإعادة بناء العقل والوعي لإعادة روابط المحبة والوطنية ..لإعادة الثقة بين المواطن وأخيه، لبناء جسور التواصل الأخوي الثقافية ، الإنسانية، الوجدانية ...الوطنية ، التي قضى عليها النظام الأسدي الاستبدادي، وعمل على هدمها وتدميرها خلال أكثر من نصف قرن من الزمان ، دَّرب وجند لها آلافاً من البشر، أدلجهم وجيشهم وشحنهم ثم وَظفهم في هذه المهمة القذرة...كي يعيش ويبقى ويتسيد،ويضمن بقاءه ،تحالف أو غض البصر عن انتشار الأسلمة السلفية في المجتمع ناهيك عن الأسلمة الإيرانية التي تتمدد وتدعم بقاء النظام ،نسأل لماذا هرعنا بالأرواح والدماء للوقوف مع الثورة ؟!...
اليوم بعد أن طالت مدة الابحار والغرق،وقد طحنت مايقارب المليون ضحية،وأكثر من نصف السوريين لاجئين في الداخل والخارج،ومئات الآلاف من المفقودين والمعتقلين أو المغيبين،نساء ورجالا وأطفالا ،دون ان نتطرق للمعاقين والأميين،...إن طول المدة،وظروف الحياة المتدنية لما ينوف على ثمانين بالمئة من سكان سورية وتلاعب مصالح دول المنطقة بالثورة، وتدخل الغريب كذلك...والمستفيد لبقاء سورية محتلة لأربع مناطق نفوذ،وانتشار الفوضى والفساد والتشرذم حتى في مناطق السلطة لاتكاد تلمس أي وجود لدولة ..مما زاد من عمق الهوة وصَعَّب من المهمة التي يقع علينا واجب ردمها وتقريب المواطن من أخيه وإيجاد فرص للتسامح وفرص لبناء صرح المواطنة، وهذا يتطلب جهوداً مضنية لم تعمل عليها الأحزاب التقليدية ولا المنظمات التي قامت وتقوم على أطراف وحساب الثورة...كما لم يشتغل عليها مثقفونا بالشكل الكافي والمطلوب ، نحتاج لإعادة بناء الجسور وردم الهوات والحفر التي اصطادنا النظام من خلالها ومازال يصطاد الكثيرين منا ونسقط بسهولة في حبائلها.
أن تقام فيدرالية في شمال شرق سورية ...كفرصة سنحت لمقيميها ...لايعني أنها تمتلك كل مقومات العيش، فهل لديها عوامل الحياة والنجاح في ظروف المحيط والمنطقة والمستقبل؟...ثم من يدري ماذا يخبيء لنا الغد !...المباحثات والمفاوضات التي قامت وفشلت، إن إبان حقبة المجلس الوطني،أو الإئتلاف،والموات الذي يعترض طريق الخلاص وما يسعى إليه العالم اليوم من خلال ضغوط وتسويق لنظام الاسد للخروج بحل...حيث يعترض النظام وبوتين وايران على مكان اجتماع لجنة المفاوضات او اللجنة الدستورية...بانتظار الاتفاق!....مازلنا "مرهونين ومربوطين مع من فرضوا وجودهم على أرضنا" ...أيمكن للمستقبل أن يُفضي إلى تفاهم على وحدة وإعادة روابط تجسد الوعي الأساس الذي قامت عليه ومن أجله الثورة وضحى رعيلها الأول بالغالي والنفيس كي نعيد لسورية ألقها وحريتها وديمقراطيتها ولمواطنها كرامته؟!.
في النهاية لغة العقل لو طغت واستخدِمت وفتحنا أمامها نوافذ وأبواب الوطنية والأخوة ..بدلا من إشعال الفتن والحروب الكلامية وغير الكلامية، التي نعيشها منذ أعوام ولم تؤدي إلا إلى المزيد من الخراب والدمار والموت لكل نوع من أنواع الحياة ولم توصلنا لهدفنا المأمول ...فهل اكتفينا وسنكتفي؟،وعلى من نعول ؟
فلورنس غزلان ــ باريس بعد 13عاما من الانتظار

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت