الخيمة البيضاء؛ ليانة بدر

مهند طلال الاخرس
2024 / 3 / 17

الخيمة البيضاء، ليانة بدر وهي من اصدارات نوفل هاشيت انطوان بيروت لبنان 2016 والرواية تقع على متن 276 صفحة من القطع الكبير .

تبدأ احداث الرواية في دُوّار وسط مدينة رام الله، وتستمرّ خلال أربعٍ وعشرين ساعة وتكتمل فصولها عند حاجز قلندية بمشهد مؤثر تحتضنه الصفحات ٢٧٥ و٢٧٦.

الرواية تعتمد على راو واحد وعبر ثلاث شخصيات رئيسية تدور حولها احداث الرواية. وما بين حكايا شخوص الرواية الثلاث تتوالد القصص والحكايا وتتشكل معالم الرواية وتطرح الاراء والافكار المتعددة حول المشهد اليومي ومآلاته والتي تحملها السن الشخصيات بتثاقل .

الرواية فلسطينية بامتياز ونسوية من طراز رفيع تناقش موضوعات وافكار عدة تدور حول حرية الانثى والافكار وتربطها بحرية الوطن ضمن مجازات وحوارات تعزز فكرة الحرية، وبحيث تخدم كل واحدة منها الاخرى، وتلخص بنا الى نتيجة مفادها ان لا تقدم في سبيل تحرير الوطن دون منح الاناث حريتهن في الراي والتفكير والزواج والميراث والمستقبل والانظمة والثورة واخذ حقها الطبيعي في فضاءات الحياة المتعددة. وتضرب لها مثلا حكاية نشيد بطلة الرواية التي تعمل مع احدى المنظمات الغير حكومية والممولة اجنبيا ببرامج واهداف وخطط معدة مسبقا لكل البلاد العربية والشرق اوسطية وحتى العالم الثالث دون ان تراعي تلك الفروقات الثقافية والاجتماعية والحضرية الهائلة بين تلك الشعوب وبين تلك السياسات التي تضعها تلك الدول القادمة منها هذه الجمعيات ..

تحاول نشيد جاهدة حماية الشابة المعنفة من اهلها، وتجتهد في ذلك بغية حمايتها وصولا الى انسداد طرق الحل، مع بقاء حل وحيد هو تهريبها الى خارج البلاد وهو ما تسعى اليه حتى اخر صفحة من الرواية والتي بقيت مفتوحة على هذه الحادثة التي تنتهي ٢٧٥ و ٢٧٦ بعبور نشيد حاجز قلنديا لمحاولة انقاذ وتهريب تلك الفتاة.

وبالاضافة لقصة نشيد حاولت الكاتبة اضافة زخم على الرواية عبر عرضها لمجموعة من القصص والحكايا التي تدور في فلك الحكاية الرئيسية وتخدم فكرة الرواية الاولى، مثل قصة الزوجين ورتابة العلاقة بينهما وذهاب الزوجة للقدس لرعاية امها المريضة والمحافظة على بيت العائلة من التهويد ومحاولة الزوج الالتحاق بها في القدس واصلاح بعض الامور العالقة بينهما. اضافة لقصة الفرقة الموسيقية المتخصصة بالراب وكلمات اغانيها المطالبة بالحرية والاستقلال وتفضح جرائم الاحتلال، إلاّ ان هذه الفرقة التي يتواصل اطرافها عبر النت بسبب الحواجز وكون باقي اعضاء الفرقة متواجدين في غزة ، فيسعى اعضاء الفرقة جاهدين لايصال رسالتهم وعزف الحانهم في مواجهة الاحتلال وعلى الحاجز .

وفي نهاية الرواية جاءت الخاتمة واقعية جداً ومفتوحة على التاويلات ، فلا نحن عرفنا عن نشيد ورفيقاتها هل نجحن في انقاذ الفتاة وتهريبها ام لا، ولم نعرف هل عزف الشباب الأغنية عند الحاجز، أو هل التقى الزوجان في القدس.. لكن الأمر كان واقعياً، جداً وقريبا من الوضع المعاش فعلا فمن ناحية، نجحت بهذه النهاية المفتوحة بابقاء نافذة الامل مشروعة...

ومن ناحية اخرى قد تبدو تلك النهاية متوافقة مع ما تضمره سطور الرواية من انغلاق الافق الفلسطيني وانسداد مسارات الحل السياسي والذي عادت على اساسه قوات منظمة التحرير الفلسطينية الى جزء من البلاد على اثر اتفاق اوسلو وما تلا هذه العودة من تناقضات واخفاقات ومنابزات بغيضة عبرت عنها الكاتبة كثيرا من خلال شخصيات العائدين [عاصي المناضل العائد] مُذكرة بتلك النظرة السلبية تجاههم من قبل ابناء البلد بدعوى ان العائدين جائوا ليقاسموهم الارث ويستحوذوا على المناصب والمواقع، علاوة على انهم جلبوا صور الفساد وتعاليمه وفنوه معهم من الخارج....

تدور حوارات الرواية وترتبط بخيط رفيع بالكاد يسمح للرواية ان تلتزم بخط واحد، او بناء فني ملتزم يراعي قواعد الفن الروائي؛ فهي بهذا المعنى جائت صفحاتها بمساحات متعددة من البوح عن احوال البلاد والعباد في رام الله والقدس بالذات بعد عودة منظمة التحرير وانشاء السلطة الوطنية..

الخيمة البيضاء مساحات من البوح والوضوح والتصالح مع الذات ترصد التغيرات وتنقدها..تلك التغيرات التي تتحدث عن احوال واوضاع البلاد والعباد بعد انشاء السلطة الوطنية .

وبمقاربة اخرى نجحت الكاتبة بعين المتابعة القريبة من الحدث والملتصقة بالشارع بجمع شكاوي الناس وتاففهم، من خلال التقاطها حكايا الناس وحواديتهم في المقاهي والمطاعم والدوائر وجلسات النميمة التي يمتهنها الرجال والنساء على السواء في مجتمع تغير كثيرا عما كان عليه، لكن ليس للافضل وليس بما يسمح بانجاز مشروع التحرير، رغم ان كل الامور تبدو واضحة تحت الخيمة الببضاء. لماذا حدث كل هذا وكيف ؟ هذا احد اهم اسئلة الرواية والتي حاولت الاجابة عنه ولم تفلح...

تدور احداث الرواية في رام الله وميادينها وشوارعها وتحت سقف قرميدها الاحمر وسمائها الزرقاء، وفي مكاتب مؤسساتها واجهزتها، وعلى الحواجز وبجانب الجدران وتحت الاشجار وفوق الجبال، وفي المطاعم والمقاهي، وحتى على مرأى ومسمع من الفضلات واكوام النفايات وتصورات الأفراد عن ذواتهم وقصص الأمكنة، والمستقبل الذي تبخر واصبح سرابا، واصبحت كل الاحلام والامال والانتقادات، وكل شيء جميل كمن يسكن في خيمة بيضاء يراها الجميع ويرو ما فيها ويسمعون احاديثها وصراخ من فيها، وكأن حال من فيها يصرخ على لسان الكاتبة: "لا لكل الخيم التي اختبأت في ظلالها". ويعلوا الصوت والهدير بهذا الشعار، لكن يبدو ان لا حياة لمن تنادي..

كل تلك الامور التي تدور داخل الخيمة البيضاء والعامرة بالنفس الانثوي هي تعبير حي عن التشوهات الداخلية التي لحقت بالأفراد والجماعات والمؤسسات والأحزاب. من هنا، فشخصية نشيد في الخيمة البيضاء، عالية الدلالة والرمزية، فهي أكبر من مجرد ناشطة تشتغل في منظمة دولية غير حكومية، لها قناعاتها. وكذلك الامر مع قصة الفرقة الموسيقية ومحاولة غنائها على الحاجز وكذلك الامر مع عاصي المناضل العائد الى الوطن.

هذه الرواية رغم ان احداثها تدور ظاهريا خلال اربع وعشرين ساعة إلاّ انها توثق لثلاثين عام من التغيرات اعتمادا على تقنية الاسترجاع او الاستذكار والمعروف بتقنية الفلاش باك. وبحيث سمحت تقنية الاسترجاع الاطلاع على المجتمع الفلسطيني خلال هذه المدة والتقاط التغيرات الحاصلة في المجتمع، علاوة على مراقبة الظاهرة الجديدة التي قسمت المجتمع اعتمادا على تصنيف جديد [المقيمين و العائدين].

وهذا العمل يستحضر صور ومشاهدات متعددة ويجعل منها ثيمات تدور بها عجلة الرواية واحداثها : عسف الاحتلال، تعنيف النساء والمظالم الواقعة عليهن ، الحواجز والمعابر والقهر المرافق له، السلوكيات والقيم كالحب والحرية والمعمار والانسان والارصفة ونظافة الانسان والشوارع وتبدل الاهتمامات لدى جيل واسع من الشباب، وبعده عن العمل الجماعي وكفره بالتنظيمات وولادة عصر الفرد والانا في دلالة صارخة على مآلات الامور...

هذا العمل فلسطيني بامتياز وذو دلالات رمزية واضحة واخرى مبطنة، وكتب بلغة سلسة ولكنها للاسف فقيرة ادبيا، وبطيئة السرد، فكثير من الصفحات مثقلة بوصف وسرد جاف وهذا سمح بتثاقل النص وربما القفز عن عديد الفقرات والصفحات.

واذا اردنا ان نمتدح فربما جاز لنا القول ان الكاتبة موفقة في انتقاء هذا الايقاع البطيء والثقيل والغارق بالصور السلبية كتعبير حي عن طبيعة الاوضاع التي تتحدث عنها وكصورة طبيعية لرتابة الحياة الفلسطينية وانسداد افق الحياة الطبيعية فيها.. وهذا بالذات ما نجح في ابراز قيمة هذا العمل كشهادة حية عن المأساة الفلسطينية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت