الاستبداد الديمقراطي والأنظمة المتطرفة المعاصرة

غالب المسعودي
2024 / 3 / 17

يُشير مفهوم "الانظمة المتطرفة المعاصرة" إلى مجموعة واسعة من الانظمة والحركات التي تتبنى أفكاراً وأهدافاً متطرفة. تتنوع هذه الحركات في طبيعتها وأهدافها وأيديولوجياتها، قد تشمل جماعات إرهابية ومتطرفة دينية وعنصرية، وقومية، وسياسية وطائفية، واجتماعية. تعتبر الحركات المتطرفة المعاصرة تحديًا للأمن والاستقرار العالميين، حيث يمكن أن تلجأ إلى العنف والإرهاب لتحقيق أهدافها. تتباين الأفكار والأيديولوجيات التي تتبناها هذه الحركات، وتتأثر بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم. تشمل أيضا الحركات المتطرفة التي تؤمن بالأفكار العنصرية والتفوق العرقي والقومية المتطرفة، وتشمل أيضا الحركات اليمينية المتطرفة التي تتمي إلى مجموعة واسعة من تيارات تدعي الليبرالية، وتتميز بالقومية المتطرفة والتمييز العنصري والعنف، مثل حركات النيو نازية والعنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا. تشمل الحركات المتطرفة التي تتبنى أيديولوجيات سياسية أو اجتماعية او ولائية، وتستخدم العنف والإرهاب لتحقيق أهدافها. من المهم أن نفهم أن هذه الحركات لا تمثل أو تعبر عن الليبرالية أو الانتماء المجتمعي في البلدان التي تحتضنها بشكل عام، وأن الأفراد الذين ينتمون إلى هذه الحركات يعدون أقلية صغيرة. قد تكون هناك أيضًا حركات متطرفة أخرى ذات أيديولوجيات مختلفة تمامًا. تشمل الحركات المتطرفة التي تؤمن بأيديولوجية مناقضة وتسعى إلى تحقيق التغيير الاجتماعي والاقتصادي من خلال العنف. تجدر الإشارة إلى أن هذه الأمثلة تعكس مجرد تصنيف عام، وقد تختلف الحركات المتطرفة في أهدافها وطرق تنظيمها وأيديولوجياتها من بلد إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى. تشكل المظلومية الاجتماعية لبعض الجماعات الطائفية الولائية إحدى الأسباب التي تدفع بعض الحركات لتبني العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها. وترتبط مظلوميتها الاجتماعية بالعديد من العوامل الاقتصادية في البناء التنفيذي لهذه الحركات يعد الفقر وعدم المساواة الاقتصادية من العوامل الرئيسية التي تسهم في نمو الجماعات المتمردة. عندما يعيش فرد أو مجتمع بأوضاع اقتصادية سيئة ويواجه صعوبات في الحصول على احتياجاته الأساسية مثل الغذاء والماء والسكن والرعاية الصحية والتعليم، فإنه يمكن أن يشعر بالظلم والاستبداد. لكن الاشكالية قد تفشل هذه المجموعات في خلق أنظمة سياسية واقتصادية تلبي احتياجات هذه الفئة الضعيفة بعد وصولها الى السلطة بوسيلة ما، مما يزيد من غضب المجموعات ويساهم في استعدائها وتشرذمها إلى حركات متطرفة تعد بتحقيق تغييرات اجتماعية واقتصادية عبر وجهات نظر جديدة تتخذ من العنف وسيلة لإثبات سلطتها. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون العوامل الاقتصادية الأخرى مثل البطالة العالية، ونقص الفرص الاقتصادية، وتراجع مستوى المعيشة، واستغلال طبقات مختلفة سياسيا على اقتصاديًات الحروب تساهم هذه في تعزيز الاحتجاجات والتمرد. حينئذ، يمكن للحركات الإرهابية التلاعب بتلك الظروف الاقتصادية واستغلالها لكسب تأييد ودعم الفئات المتضررة اقتصاديًا، وذلك بتقديم وعود بتحسين الأوضاع وتوفير فرص اقتصادية أفضل. ومع ذلك، يجب أن نشدد على أن العوامل الاقتصادية ليست هي العامل الوحيد الذي يدفع الأفراد إلى الانضمام إلى الحركات الإرهابية، هناك أيضًا عوامل سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تلعب أدوارًا مهمة في تشكيل هذه الحركات وزيادة تأثيراها مواجهة ادعاءات المظلومية هي أحد الجوانب الهامة في مكافحة الإرهاب والتطرف، اذ يعتمد الخطاب الإرهابي على تأويلات خاطئة وانحيازيات ضد فئات محددة من المجتمع، ويحاول استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة لجذب المؤيدين. أما بالنسبة لادعاء التحالف مع القوى الكبرى في مكافحة الإرهاب والتطرف، فإن الاستعمار يعتبر عاملاً معقدًا ومحفزًا للتوترات والصراعات في العديد من المناطق. لذا يجب أن يكون أي تصدي للإرهاب والتطرف مستقلًا عن الاستعمار والتدخل الخارجي غير المشروع. ويجب أن تكون المساعي لمكافحة الإرهاب مبنية على أساس من العدالة والمصالحة الوطنية وتمكين الحكم الديمقراطي الرشيد في السياسات والتبني الفكري وعدم قمع الحريات. ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن الاستبداد الديمقراطي قد ينشأ في هذه الحالات ويؤشر إلى تناقض داخلي في النظام السياسي نفسه وقد تتحول الديمقراطية الى تغيير غير الديمقراطي نتيجة إرادة خارجية تحدث النظام السياسي خدمة لمصلحتها الاستراتيجية. ويمكن أن يتداخل المفهومان في بعض الأحيان، حيث يمكن أن يؤدي التحول غير الديمقراطي إلى استبداد ديمقراطي في المجرى الزمني. لأن الديمقراطية كمفهوم تشير إلى نظام سياسي يتميز بشفافية المشاركة والحرية، والمساءلة. أما إذا كان هناك انتهاكات لهذه القيم الأساسية، فإن النظام السياسي لم يعد يتوافق مع مفهوم الديمقراطية الأصيل. عندما يمترس الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في نظام ديمقراطي، يمكن أن يستخدم مصطلح "استبداد ديمقراطي" لوصف هذا الوضع. يعكس هذا المصطلح الاستخدام المتناقض للديمقراطية، حيث تتم ممارسة أفعال الاستبداد في بيئة سياسية تحمل تسمية الديمقراطية. ويمارس الاغتيال الفكري لوصف الجهد التي تبذله الأنظمة القمعية أو المستبدة لقمع الأفكار والآراء المعارضة. يمكن أن يشمل ذلك قمع حرية التعبير، والتضييق على الحريات الأكاديمية والثقافية، والتلاعب بوسائل الإعلام، واستخدام التهديدات والضغوط النفسية والاجتماعية لتكميم الأصوات المناوئة. على الرغم من أن الاغتيال الفكري قد يكون أحد أدوات الأنظمة المستبدة، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون حكرًا على هذه الأنظمة فقط. يمكن أن يتم استخدام الاغتيال الفكري في سياقات مختلفة، بما في ذلك الأنظمة الديمقراطية، على الرغم من أن تلك الحالات قد تكون أقل شيوعا لكن من المهم الاعتراف بأن حرية التعبير وحقوق الإنسان الأخرى تعتبر أساسية في المجتمعات الديمقراطية. يجب أن يكون لدى الأفراد القدرة على التعبير عن آرائهم وأفكارهم دون خوف من الانتقام أو القمع. الحوار والنقاش العام يلعبان دورًا حاسمًا في تطوير المجتمعات وتحقيق التغيير الإيجابي. يمكن أن يتم قمع الحرية الأكاديمية في الأنظمة الديمقراطية عن طريق منع الباحثين والأكاديميين من إجراء أبحاث أو نشر أفكار تتعارض مع السياسات الحكومية أو الرأي السائد. قد يتعرض الباحثون للتهديد بفقدان التمويل أو الوظيفة إذا قاموا بنشر آراء معارضة. قد تحدث محاولات للتأثير على الوسائط الإعلامية في الأنظمة الديمقراطية من خلال توجيه الدعاية والتحكم في التغطية الإعلامية. قد يتم تجاهل أو تشويه الأخبار أو الآراء المعارضة، مما يؤثر على حرية التعبير وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات الحقيقية. يمكن استخدام السلطات القانونية في الأنظمة الديمقراطية للتشهير بالأفراد أو المنظمات التي تنتقد الحكومة أو تعبر عن آراء معارضة. قد يتم رفع قضايا قانونية غير مبررة أو تشديد الرقابة على النشاطات السياسية والاجتماعية لمنع الأصوات المعارضة. يمكن استخدام الضغط الاقتصادي والاجتماعي لتكميم الأصوات المعارضة في الأنظمة الديمقراطية، على سبيل المثال، من خلال منع المنظمات غير الحكومية من الحصول على التمويل أو تعريض الأفراد للعزل الاجتماعي أو فقدان الوظائف بسبب آرائهم المعارضة. نذكر أن هذه الأمثلة ليست شاملة وقائمة، وقد تختلف تجربة كل دولة ونظام ديمقراطي عن الآخر. إنها مجرد أمثلة لبعض السيناريوهات التي قد تحدث في سياق الديمقراطية وتشير إلى الاغتيال الفكري الذي يمكن أن يؤدي إلى تقويض الحرية العامة. على الرغم من أن الأنظمة الديمقراطية تتميز بضمانات حقوق الإنسان وحرية التعبير، إلا أن وجود حالات الاغتيال الفكري يمكن أن يخل بتلك الضمانات ويؤثر على الحرية العامة للأفراد والمجتمع. عندما يتعرض الأفراد أو المنظمات للاغتيال الفكري، فإنه يتم تحدي الحق في التعبير عن الآراء المعارضة وتقديم الانتقادات البناءة، وهو أمر أساسي في الديمقراطية. لكن ان يشعر الأفراد بالخوف والضغط حين التحدث أو التعبير عن آرائهم، مما يؤدي إلى تكميم الأصوات المعارضة وتقويض حرية التعبير. بالإضافة إلى ذلك، الاغتيال الفكري قد يؤدي أيضًا إلى تأثير سلبي على المجتمع بشكل عام. حيث يقوم بترهيب الأفراد وتثبيط رغبتهم في المشاركة السياسية والاجتماعية، وبالتالي يقلل من التنوع والتعددية الفكرية في المجتمع. قد يؤدي ذلك إلى تشكيل بيئة من الخوف والهيمنة الفكرية، وتقليل الحوار والتفاعل الحقيقي بين الأفراد والمجموعات المختلفة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت