بيروت صغيرة بحجم راحة اليد -يوميات من حصار عام 1982- امجد ناصر

مهند طلال الاخرس
2024 / 3 / 16

بيروت صغيرة بحجم راحة اليد "يوميات من حصار عام 1982" لامجد ناصر يقع على متن 225 صفحة من القطع المتوسط وهو من اصدارات الاهلية للنشر والتوزيع في الاردن سنة 2013.


في هذه اليوميات عن حصار بيروت 1982 ينجح أمجد ناصر باستعادته لتفاصيل الصمود اليومي لبيروت البطلة ، بيروت الاهل والناس، بيروت الحب والحرب، بيروت المدفع والرصاص، ورائحة الموت الهابطة من السماء و التي تجوب الشوارع كيفما تشاء، إلاّ من ارادة المقاومة وبنادقها التي لا تقهر.

في هذا الكتاب يدون امجد ناصر يوميات الحرب ووقائعها ويلتقط اهم الاحداث وينقلها الى صفحات هذا الكتاب بنص سردي فائق الجمال والجودة؛ والجمال هنا ليس لقيمة النص الفنية والابداعية فحسب؛ بل لانها بالاضافة لذلك امتزجت بسيرة رفاق درب ومسيرة من ابطال الكلمة والموقف من شعراء وادباء وكتاب وصحفيين ومذيعين... فكان هذا الكتاب بهذه الحلة البهية...

في هذا الكتاب استعادة لسيرة اسماء وقامات كانت في الحصار وشاركت بالمعركة وصد الاجتياح كل في موقعه وباسلوبه وادواته: فكانت هذه اليوميات من دفاتر امجد ناصر القديمة ذكرى وفاء وبقاء لهؤلاء وامثالهم ممن صنعوا مجد بيروت من امثال: معين بسيسو شاعر المواجهات والحصارات وحنا مقبل ابو ثائر ومحمد هويدي الذي قام بجسر من الاشواق بين مصر وفلسطين ولبنان في خواطره وقصصه القصيرة وغالب هلسة الروائي الاردني والعربي وناجي العلي مبدع حنظله الذي صار ايقونة رفض شهيرة والذي اغتيل في لندن ، وسليمان صبح الناشر السوري صاحب دار ابن رشد وعلي حسين خلف المحرر الثقافي للحرية وعدلي فخري ويوسف حسن القزاز وطاهر عدوان والحاج خالد مسمار ونبيل عمرو وميشيل النمري وسعدي يوسف وحيدر حيدر وخالد العراقي ورشاد ابو شاور وغسان زقطان وسليم ازريقات وعلي فودة ورسمي ابو علي وفيصل حوراني وغيرهم الكثير من الكتاب والادباء، هذا عداك عن استحضاره لبعض المواقف مع قادة سياسيين من امثال ابو عمار وابو اياد وابو جهاد وابراهيم قليلات وابو موسى ووليد جنبلاط ومغاوير وحراس المتاريس وفدائيين في كل الخطوط وعلى كل الجهات والجبهات...

في هذا الكتاب سيرة مدينة وابطالها تحت الحصار سيذكرهم قومهم دائما كلما تعددت انكساراتهم وكثرت هزائمهم.

من وحي ذلك الصيف الدموي اللاهب سنة 1982 وحصار الاحتلال لبيروت جائت هذه الصفخات وكان هذا الكتاب، وعن هذا الكتاب يقول امجد:" بقيت عندي دفاتر كتبت هناك حملت اسطرها اياما طويلة، ويضيف امجد الملاحظات التدوينات التي لا تخلو من اضطراب هي قوام هذه اليوميات ، وهي يوميات تتخذ شكل كتابة سريعة مقتضبة وربما منفعلة ومستطردة قائمة على الشخص الذي ينظر الى العام من زاويه مخاوفه واشواقه هلعه وانفعالاته غضبه وفرحه، ايمانه بالثورة وتساؤلاته عن مالاتها....

ويتابع امجد بالقول:" مضى وقت طويل قبل ان اعود الى تصفح هذه اليوميات ومضى وقت اطول قبل ان اقرر نشرها في كتاب على علاته اذ ان الايقاع الذاتي المباشر الذي لم يفكر في الجانب الادبي، او الزخرف البلاغي ، عندما كان كل شيء يتراقص على الخيط الدقيق المشدود بين الحياة والموت.

ها هو شاب يكاد ان يبلغ 27 من العمر يكتب في اول حصار اسرائيلي لعاصمة عربية بمفرداته القليلة ووعيه المحدود ما املته عليه لحظته الراعفة.

ويضيف ايضا:" من ذلك الصيف الدموي بقيت عندي دفاتر كُتبت هناك، حملت اسطرها وشم ايامه الطويلة، ذلك الوشم الذي لا يزال بالوسع قراءة حروفه المتوترة فيما تظهره الكلمات وتبطنه، هذا هو الشيء الوحيد شبه المؤكد بالنسبة لي، وعليه فانا لا اتحدث عن تاريخ، ولا اتحدث عن عبرة، ولا عن رواية كاملة، اتحدث عن تدوينات شخصية، عن انفعالات وتفاصيل وشظايا وحكايات يومية لا يعول عليها كوثيقة، ولا تطمح بالتاكيد ان تكون كذلك".

امجد ناصر [او يحيى النعيمي] الشاعر والكاتب والمناضل دون ووثق يوماً بيوم ادق التفاصيل لحصار بيروت ، فرسم صورة مبدعة للناس والمدينة ستبقى ذكراها وصورتها هذه محفورة بالذاكرة الوطنية والعروبية الصادقة التي جاهد كثيرون على محاولة طمسها وتغييبها، وهذا بالذات ما تحدت عنه امجد في القسم الثالث من الكتاب ابتداء من ص 167 حين كتب تحت عنوان العودة الى الفردوس المفقود او لست راعي ذكرى ولا مدبر شؤون الحنين فكتب قائلا:" ليست بيروت مسقط راسي ولكنها لم تكن مجرد مدينة مررت بها بين مكانين. هناك اماكن اخرى اقمت فيها اطول مما فعلت في بيروت [قبرص مثلا ] ولم تترك علي اثرا يذكر. اكاد لا اتذكر بيقين كاف امر اقامتي في هذه الجزيره التي يحلو لها ان تنتسب الى افروديت. يخيل لي انني يوم غادرتها كانني غادرت مكانا ميزته الوحيدة قربه من بيروت. ففي قبرص كنت في عداد حشد من الغرباء الذين طردتهم دبابات سلامة الجليل صيف 1982 الى شواطئ قريبة واخرى بعيدة اجسادنا فقط كانت في الجزيرة، اما ارواحنا فبقيت في بيروت. كأن شواطئ قبرص وجبالها لم تكن سوى مرصد نحاول ان نطل منه على حياتنا في البر الاخر في الفردوس المفقود. بيروت، بهذا المعنى وشم حمله كثير من الذين تنفسوا هواءها وشربوا ماءها، ورفع لهم جناح في فضائها يوم كانت مدينة المدن العربية ُُطُراً. صار وشم بيروت دليل الكثيرين الى انفسهم ودليل الاخرين اليهم. كانه وشم قبيلة خطرة ادرك الجميع خطورتها تلك، وعملوا بتواطؤ مفضوح على نبذها. وقد صار هذا الوشم لي شخصيا شارهة تردني الى مكان ولدت فيه، بارادة صنعتها الاحلام. انه وشم قبلتي وقبيلتي المختارة التي شُتّت في الافاق ولم يعد ممكنا على ما يبدو، لم شملها.

جئت الى بيروت اول مرة بلا اسم تقريبا [مع انني كنت احمل اسم نبيا يدعى يحيى خلعه اهلي عليّ كي اهتدى بالكتاب، ولم افعل] وبلا قوام او هيئة فمنحتني اسمي وكَتَبت شهادة ميلاده في الصحيفة وعلى غلاف الكتاب الاول ، وشكلت بيدين لم تفرقا كثيرا بين عابر ومقيم هيئتي وقوامي.
بفضلها صار لي اسم بين المتخاطبين.
ولي وحدي يعود امرا تربيته وتدبُّر شؤونه .

الى هذه البيروت اعود بعد 14 عاما من غياب ماهول بعيش متقطع هنا وهناك وبذاكرة متطلعة الى حيث واريت الثرى اسمَ النبي الذي اعطي الكتاب وحملتُ اسم انسانٍ مقطوعٍ من شجرة الانساب".

بقي ان نشير بشيء من التعريف لسيرة امجد ناصر صاحب هذا الكتاب المحب لبيروت والثورة معا:
ولد يحيى النميري النعيمات المعروف باسم «أمجد ناصر» في الطرة شمال الأردن عام 1955، وهو الابن البكر لعائلة بدوية يحترف أفرادها العمل العسكري. بدأ كتابة الشعر والانفتاح على الحياة السياسية في الأردن والعالم العربي في المرحلة الثانوية، وبحكم إقامته في الزرقاء، تأثر بوضع النازحين الفلسطينيين وأعجب بالعمل الفدائي الفلسطيني الذي انضم إليه بعد تخرجه من الثانوية.

عمل في التلفزيون الأردني والصحافة في مدينة عمان نحو عامين ثم غادر إلى لبنان عام 1977 بعد أزمة سياسية تتعلق بالتنظيم الذي كان منضويا فيه، حزب الشعب الثوري الأردني، والتحق في لبنان بإحدى القواعد الفدائية الفلسطينية، محاولا في الأثناء مواصلة دراسته الجامعية في جامعة بيروت العربية لكنه سرعان ما ترك الدراسة ليتفرغ للعمل الإعلامي والثقافي في الاعلام الفلسطيني فعمل محررا للصفحات الثقافية في مجلة "الهدف" التي أسسها الشهيد غسان كنفاني وبقي فيها حتى الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت صيف عام 1982، حيث انضم في فترة الحصار إلى الإذاعة الفلسطينية. التحق أمجد ناصر في اطار عمله السياسي بـ «معهد الاشتراكية العلمية» في عدن حيث درس العلوم السياسية في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في عهد عبد الفتاح إسماعيل.

أصدر مجموعته الشعرية الأولى «مديح لمقهى آخر» عام 1979 بتقديم من الشاعر العراقي سعدي يوسف ولاقت صدى نقديا لافتا في الصحافة اللبنانية والعربية، واعتبرها النقاد بشارة على ولادة شاعر ذي صوت وعالم خاصين. رغم أنضوائه السياسي والايدولوجي في صفوف اليسار إلا أن قصيدته ظلت بمنأى عن الشعارية السياسية فعملت على الاحتفاء باليومي والتفصيلي والحسي أكثر من احتفائها بالسياسي المباشر. وقد ظلت هذه الميزة تطبع شعر أمجد ناصر إلى وقت طويل.

بقي ان نقول، هذا الكتاب عن بيروت [هانوي العرب] يضاف الى مجموعة كتب ونصوص اثيرة كُتبت عن بيروت الحلم الثوري الجميل مثل: اه يابيروت لرشاد ابو شاور، الحصار لعلي حسين خلف، اطول يوم في حياة الزعيم لنبيل عمرو، القاطع الثالث من زلزال بيروت لابو الطيب الناطور، وكتاب ورق حرير وصاقل الماس لزياد عبد الفتاح، وذاكرة النسيان لمحمود درويش ، وخلف متاريس بيروت لمعين بسيسو، بيروت ١٩٨٢ غسان شبارو، شرفة على الفكهاني لليانة بدر، وكتاب بيروت البكاء ليلًا لشوقي عبد الحكيم، بيروت بيروت لصنع الله ابراهيم، وكتاب عن أمل لا شفاء منه: يوميات حصار بيروت 1982 لفواز طرابلسي،أيام الجمر حصار بيروت 1982 لفتحية السعودي، يوميات حصار بيروت لجميل هلال، الثورة الفلسطينية في لبنان عز الدين المناصرة ، وقصة اذاعة الثورة الفلسطينية مجموعة مؤلفين، ومجلد اصدارت مجلة المعركة جميع الاعداد...

هذا الكتاب كغيره من الكتب التي كتبت لبيروت كانت وستبقى سطورا في صفحات الوفاء الدائم لبيروت الجغرافيا والتاريخ، آسرة القلوب والذاكرة التي لا تموت..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت