متى يفقد العمال وباقي الأجراء وسائر الكادحين إنسانيتهم؟

محمد الحنفي
2024 / 3 / 16

إن العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عندما يمارس عليهم الاستغلال المادي، والمعنوي، أو عندما تتمتع بالحقوق الإنسانية، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والحقوق الشغلية. ولكن عندما تصير البورجوازية همجية، فإن العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، لا يتمتعون لا بحقوقهم الإنسانية، ولا بحقوقهم الشغلية، ولا بالتعامل معهم، على أساس انتمائهم إلى الإنسانية، الأمر الذي يترتب عنه: ضياع حقوقهم: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تبرهن على إنسانيتهم، وتؤكد تلك الإنسانية، وتقف وراء اليسار تلك الإنسانية، بالإضافة إلى ضياع الحقوق الشغلية، التي تعتبر امتدادا للحقوق الإنسانية. الأمر الذي يترتب عنه: أن العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، أن يتعامل معهم المشغل في المؤسسات الإنتاجية، أو الخدماتية، على أنهم ينتمون إلى الإنسانية، بقدر ما يتم التعامل معهم على أنهم مجرد آلات، تنتج الخيرات المادية، والمعنوية، التي يتمتع بقيمتها، التي يحددها المشغل بنفسه، قبل توزيعها في الأسواق الوطنية، وفي الأسواق الأجنبية.

وبالتالي، فإن المشغلين من البورجوازيين، والإقطاعيين، ومن التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، عندما لا يعترفون للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وعندما يتعامل معهم على أساس أنهم مجرد آلات، منتجة للبضائع المختلفة، فإنهم يصيرون غير إنسانيين.

والعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عندما لا يتمتعون بحقوقهم الإنسانية، والشغلية، وعندما لا يحتجون على عدم التع بها، يصيرون، كذلك، غير إنسانيين، خاصة، وأن إنسانية الإنسان، لا تتحقق إلا بالاعتراف للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

والالتزام بأداء الحقوق الإنسانية، والشغلية، وبمفعول رجعي، لمستحقيها، الذين يصيرون بذلك إنسانيين؛ لأن الإنسان، عندما يتحقق في شخص المشغل، يتحقق في شخص العامل، والأجير، والكادح، الذي تجعل إنسانيته، أكثر إخلاصا في العمل، وفي المعاملة، وفي احترام القوانين المتلائمة مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي تضمن له التمتع بمختلف الحقوق.

والبورجوازية، والإقطاع، أو التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، عندما لا يعترفون بحقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وعندما لا يمتعونهم بحقوقهم الإنسانية، في حالة الاعتراف لهم بذلك، يتحولون إلى وحوش غابوية، تفترس مختلف الحيوانات الضعيفة، التي لا قدرة لها على مواجهة الحيوانات المفترسة، التي تتحول، بدورها، إلى مجرد ضحايا للافتراس.

وسواء تعلق الأمر بالمشغلين، "بكسر الغين"، أو بالضحايا، فإن المجتمع في النظام الرأسمالي، يتحول إلى مجرد غابة، يفترس فيها القوي الضعيف. والقوة بالنسبة للمجتمع البشري، هو مالك وسائل الإنتاج، الذي يتحكم في كل شيء، والضعيف، هو العامل، والأجير، والكادح، الذي يشغل وسائل الإنتاج، لإنتاج بضاعة معينة، أو المشـغلين في مؤسسة خدماتية معينة، أو الكادح الذي يقوم بأي عمل يطلب منه: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

وعندما يتحول المجتمع البشري، إلى مجرد غابة، نجد أن الإنسانية تغيب، بصفة نهائية، ولا نستطيع، مع غيابها، أن نعمل على إلغاء قانون الغاب، الذي يجعل الإنسان، لا يقوى على الظهور، ولا يعرفها إلا المشغلون، "بكسر الغين"، والمشغلون الذين لا يحرصون إلا على التمتع بالعيش غير الكريم: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، لا يستطيعون فعل أي شيء آخر، غير التمتع بالخيرات، التي تذهب إلى جيوبهم، عن طريق الاستغلال المادي، والمعنوي: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي يخاف أن يموت، دون استهلاكه، ليذهب إلى ورثته، الذين قد يأتون عليه بين عشية وضحاها فيذهب كل ذلك، إلى غير رجعة، ليصير إلى الذين يعوضون المستغلين، الذين فقدوا الحياة، أو على الأقل، فقدوا الشعور بهذا العالم، ولم يعودوا يستطيعون الشبع، بما راكموه من ثروات، اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، وهذا العجز عن الاستغلال، والتمتع بما راكموه من ثروات، إن كان ذلك يدل على شيء، فإنما يدل على أن البورجوازية، والإقطاع، المصنوعين، واللذين لم يأتيا إلى الواقع، عن طريق ممارسة الصراع الطبقي، ضد الأسياد، لتحرير العبيد، الذين يتحولون على يد الإقطاع، إلى عبيد الأرض، أو عن طريق ممارسة الصراع الطبقي، ضد الإقطاع، من أجل تحرير عبيد الأرض، الذين يتحولون إلى عبيد البورجوازية، إلى عمال في مصانع البورجوازية، أو إلى أجراء، في مؤسساتهم الخدماتية، أو إلى مجرد كادحين، يقومون بأي عمل، يطلب منهم. مع العلم، أن البورجوازية في هذه الحالة، تكون منفرزة عن الصراع بين الأسياد، وبين الإقطاع، وبين الإقطاع، وبين البورجوازية، يكون الإقطاع شرعيا، والبورجوازية شرعية.

وبما أن الاحتلال الأجنبي، كون الإقطاع في مختلف مناطق المغرب، وكون البورجوازية، كذلك، في مختلف مدن المغرب، فإنهما معا، ولدا ولادة غير شرعية. وهذه الولادة غير الشرعية، هي التي تجعل الإقطاع، والبورجوازية، يتحالفان، لأنهما معا، يعترفان بالفضل للاحتلال الأجنبي، ثم للحكم المغربي، ولا أي طبقة تقول بعدم شرعية الولادة، لأنهما معا، غير شرعيتين، وعدوهما الرئيسي، هم العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؛ لأنه بدون ممارسة الاستغلال الهمجي، لا يوجدان أبدا.

ولذلك، فالإقطاع المغربي، لم يكن إنسانيا، والبورجوازية المغربية، لم تكن إنسانية؛ لأنهما وجدا عن طريق الاحتلال الأجنبي، بريع الاحتلال الأجنبي، واستمرا عن طريق ريع الحكم المخزني، الذي اعتمد منهج الاحتلال الأجنبي، في حكم المغرب، وفي الحفاظ على الطبقات الاجتماعية، التي وقف الاحتلال الأجنبي على وجودها، وعلى الحكم المخزني، أن يحرص على استمرارها: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، حتى تصير مترسخة في المجتمع المغربي، عن طريق الأحزاب الإدارية، وحزب الدولة، التي وقفت وزارة الداخلية، في عهد إدريس البصري، على إيجادها، كما أشرفت الدولة، مباشرة، على إيجاد حزب الدولة. هذه الأحزاب، التي صارت تمثل الإقطاع المخزني، والبورجوازية المخزنية، صارت تحتل الصدارة في الانتخابات المغربية الجماعية، أو عن طريق الانتخابات البرلمانية، لتنفرد الأحزاب الإدارية، بنهب ثروات الجماعات الترابية. ونهب الجماعات الترابية، نهب لثروات الشعب المغربي؛ لأن الجماعات الترابية، تدبر أمر الشأن العام، وتقدم الخدمات لجميع أفراد المجتمع، المرتبطين بالجماعات الترابية، بطريقة، أو بأخرى، وتهتم بجمالية الجماعة، ومد الطرقات، وتنظيم المهن، والحرف، وغير ذلك، وتحصيل المداخيل الجماعية، وغير ذلك، مما يصعب معه التحديد؛ لأن كل ما يتعلق بشؤون السكان، تدبره الجماعة الترابية: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، يؤول إلى الجماعة الترابية، ولا يبقى للسلطات المحلية، إلا الأمن، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

وإذا كان الأمر يتعلق بالحقوق الإنسانية، فإن الجماعة، لا تهتم بها، سواء تعلق الأمر بسكان الجماعة، أو بالعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. وهذا الملف الحقوقي النظامي، لا تهتم به أي جماعة ترابية، وتجعله من شأن السلطات القائمة، على المستوى الوطني. مع أن جميع عضوات، وأعضاء الجماعة، معنيات ومعنيون ومعتبرات، ومعتبرون، بالمطالبة باحترام حقوق الإنسان، وحقوق الشغل، وأن تعمل على تكريس احترامها، في حدود مجالها الترابي، حتى يتحول الاحترام إلى ممارسة يومية عادية، ويتحول الاجتماع الحقوقي، إلى ممارسة يومية عادية، يتمتع في إطارها: جميع سكان الجماعة، بحقوقهم الإنسانية، والشغلية، كما يتمتع فيها جميع سكان الجماعة، العاملين في إطار الجماعة الترابية: الحضرية، أو القروية، بجميع حقوقهم الإنسانية، والشغلية.

وانطلاقا مما سبق، نحد أن الطبقات الاجتماعية، المستغلة للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، يمكن أن يعتبروا إنسانيين، إذا كانوا يشغلون العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، باحترام الحقوق الإنسانية، والشغلية. أما إذا كانوا لا يعترفون لهم بتلك الحقوق، ولا يمتعونهم بها، في حالة اعترافهم بها، فإنهم، كذلك، لا يكونون إنسانيين؛ لأن الإنسانية، لا تتحقق إلا بالقول، والفعل.

أما الاعتراف بالحقوق الإنسانية، والشغلية، تعمل على تشغيل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، فإنهم يعملون على أن يكرسوا عدم إنسانيتهم، بتكريس عدم إنسانية العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

وعدم الاعتراف بالحقوق الإنسانية، والشغلية، أو الاعتراف بها، بدون تمكينهم منها، يجعل إنسانيتهم في مهب الريح، لتبقى الحقوق التي حرموا منها، جزءا لا يتجزأ من رأس المال، الذي يستغلون بواسطته، خاصة، وأن مراقبة الخواص، في هذا الإطار، لا تعتبر إلا منعدمة.

أما إذا لم يعترف الخواص بالحقوق الإنسانية، والشغلية، وأرغموا على تمتيع العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين بها، فإن الخواص، يصيرون لا إنسانيين، والعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، يصيرون إنسانيين.

أما إذا اعترف الخواص بالحقوق الإنسانية، والشغلية، للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ويمتعونهم بها، يصير الخواص إنسانيين، ويصير العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، إنسانيين.

ولذلك، فالإنسانية: فكر، وممارسة، اعتراف، وتطبيق، ملاءمة القوانين المعمول بها، مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق الشغل، حتى تصير الدولة المغربية، والحكومة المغربية، والأجهزة الإدارية، المشرفة على تطبيق القانون، إنسانية.

وكيفما كان الأمر، فإن الإقطاع الذي صنعه الاحتلال الأجنبي، واستمرت السلطات المخزنية في صناعته، ليس إنسانيا؛ لأنه لم يعد يتلقى امتيازات ريع الاحتلال الأجنبي، ولا الريع المخزني، ولا يمكنه ممارسة النهب، والارتشاء، لا يمكن أن يكون إلا لا إنسانيا.

والبورجوازية، عندما تتكون عن طريق تلقي امتيازات ريع الاحتلال الأجنبي، والريع المخزني، في ظل الاحتلال الأجنبي، ليست إنسانية. وأعضاء الجماعات الترابية، الذين يعترفون بحقوق الإنسان، وحقوق الشغل، والذين يمارسون النهب، والارتشاء، ويقتنعون بحرمان العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، العاملين في إطار الجماعة الترابية، من حقوقهم الإنسانية، والشغلية، ليسوا إنسانيين، والبرلمانيون الذين لا يحرصون على أن تكون القوانين متلائمة مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق الشغل، ليسوا إنسانيين. والعاملون مع الجماعات الترابية، ومع البرلمان المغربي، عندما لا يتمتعون بالحقوق الإنسانية، والشغلية، ليسوا إنسانيين.

فهل تعمل الدولة المغربية، على تكوين جهاز وطني، وأجهزة جهوية، وإقليمية، ومحلية، تكون مهمتها جميعا، مراقبة المستغلين جميعا:

هل يحترمون حقوق العمال وباقي الأجراء وسائر الكادحين الإنسانية والشغلية أم لا؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت