مكمن الداء والدواء!

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 3 / 16

بالإرادة الواعية، وبالعزيمة والإصرار، وبالعلم، تنهض الأمم وتتقدم فتتخطى أقسى الظروف وأخطر التحديات.
وفي البحث عن أنموذجات حديثة ساطعة فاقعة، تجسد ما بدأنا به، ننوه أولاً بتجربة الصين العملاقة. قبل ثلاثة أعوام، أعلنت الصين تخلصها من الفقر بشكل كامل. فقد تم إنقاذ حوالي مئة مليون شخص من الفقر، خلال سبع سنوات بدأت عام 2013، قوامها تمكين سكان الريف وانتشالهم من تحت خط الفقر والعوز.
لا مِرية أن الفقر، أكبر وأخطر تحدٍّ يمكن أن يواجه أية دولة، وكلما زاد عدد السكان تصبح مكافحته أصعب. فكيف عندما يتعلق الأمر بالدولة الأكثر سكاناً على وجه الأرض؟
لكن الإرادة الواعية المقترنة بالعلم والمعززة بالإصرار، لا تعرف المستحيل ولا تقبل النكوص.
بدأت الصين نهضتها، بالتحول من الزراعة إلى الصناعة والتجارة. وفي موازاة ذلك، أولت اهتماماً كبيراً بالتعليم وخاصة المهني والحرفي. وفي نهاية عام 2017، دخلت الإشتراكية ذات الخصائص الصينية عصراً جديداً، ملمحه الرئيس الإنتقال من النمو الاقتصادي السريع إلى مرحلة التنمية عالية الجودة.
ولو طُلِبَ إلينا تكثيف أسباب نهضة الصين في واحد، لقلنا إنه النجاح الباهر في الإستثمار بالقوى البشرية المؤهلة وتوظيفها بالشكل الأفضل، للإستفادة من ابداعاتها وقدراتها العلمية والعملية.
وللأسباب التي ذكرنا وغيرها، تتهيأ الصين اليوم عن جدارة واستحقاق للتربع على قمة الاقتصاد العالمي.
ومن الصين إلى اليابان، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة منهكة. وفوق هذا كله، تلقت ضربتين نوويتين عام 1945، وهو ما لم يحصل لأية دولة غيرها في العالم. لكنها قررت امتلاك ارادة بناء الذات، والنهوض من ركام الدمار. وخلال عقود قليلة، أصابت اليابان تطوراً مذهلاً رفعها إلى مصاف الدول المتقدمة في الصناعة والتكنولوجيا والالكترونيات.
ولا يجوز ذِكر الحرب العالمية الثانية من دون الإشارة إلى ألمانيا، التي انتهت الحرب بهزيمتها ودخول الجيش الأحمر السوفييتي برلين. يُضاف إلى ذلك، تقسيم ألمانيا إلى دولتين بثقافتين مختلفتين لحوالي خمسين سنة انتهت عام 1989 بانهيار جدار برلين. وتصنف ألمانيا اليوم، في مقدمة الدول ذات الاقتصادات الكبرى المزدهرة. ونعتقد ان واحدة من شركات السيارات الألمانية الشهيرة المرغوبة في العالم، بمقدورها أن تتكفل بالإنفاق على دول عدة في العالم المعروف بالثالث.
ولنا أن نلاحظ، بل ويجب أن نلاحظ عَلَّنا نتعظ ونتعلم، أن ألمانيا واليابان ردَّتا على تحدي الهزيمة المريرة في الحرب الكونية الثانية بالعلم والتصنيع والإبداع، وليس بالتطرف والتنظيمات التكفيرية.
ونختم بأنموذج جدير بالتنويه به، ونقصد جنوب أفريقيا. لقد ابتليت هذه الدولة بنظام فصل عنصري كريه، ألقى بظلاله الثقيلة الداكنة عليها لعقود حتى لفظته عام 1993. بلغت نسبة الأمية حينها 70%، وكانت الدولة منقسمة على ذاتها على اساس عنصري(سود وبيض)، ناهيك بالتناحر القبلي بين السود. لكنها تمكنت برئاسة القائد التاريخي الفذ نيلسون مانديلا من التعالي على الانقسامات وتجاوز الخلافات، ثم الإنتقال إلى بناء دولة يشعر كل مواطن فيها أنها دولته وأن الجميع سواسية أمام قانون مدني.
وهكذا بدأت جنوب أفريقيا السير في رحاب الإنجاز والتقدم، لتصبح الدولة الاكثر تطوراً في قارة أفريقيا على صعيد الصناعة. وهي اليوم، عضو في مجموعة العشرين، بالإضافة إلى عضويتها في مجموعة البريكس، التي تضم الصين وروسيا والبرازيل والهند.
وبالإنتقال من أنموذجات البناء والتقدم الرائدة هذه إلى واقعنا العربي، فإن الرائي سيصاب بالدوار وسيجتاحه الأسى وستقدح في رأسه عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام.
خلال عقد مضى، انزلق بعض دولنا إلى مربع الدول الفاشلة، وهناك دول عربية على حواف الإنهيار الاقتصادي. أما الفقر والبطالة، فإن نسبهما في بلداننا تعتبر الأعلى عالمياً، عدا ملايين المشردين نتيجة الحروب الأهلية.
وعلى صعيد الإصلاح السياسي، تقبع بلداننا في منزلة مخجلة بمعايير الحاضر وفق الدراسات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية المختصة. حتى أفريقيا جنوب الصحراء، تقدمت على العرب في التحول الديمقراطي.
ومن أسف أن يشقى عالمنا العربي بهذه المآسي والموبقات، على الرغم مما يتوفر عليه من قوى بشرية مؤهلة وموارد طبيعية ضخمة.
واذا بحثنا عن الأسباب، فإننا واجدوها في الإستبداد، الذي يستصحب الفساد بطبيعي أمره ويجلب الخراب لا محالة. الإستبداد الجاثم على صدور العرب، يختلف عما سواه من ضروب الإستبداد لدى غيرهم. ولقد اوجز الكواكبي القولَ بهذا الخصوص، في سطور نراها من أروع ما خطَّ يراعه، إذ يقول: "الإستبداد الغربي اذا زال، تبدل به حكومة عادلة تقيم ما ساعدت الظروف أن تقيم. أما الإستبداد الشرقي، فيزول ويخلفه استبداد شرٌّ منه، لأن من دأب الشرقيين أن لا يفتكروا في مستقبل قريب، كأن أكبر همهم منصرف إلى ما بعد الموت فقط، أو أنهم مبتلون بقصر النظر".
في سطور الكواكبي هذه، مكمن الداء. ومن هنا، تبدأ خطوة ألف ميل البحث عن الدواء.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت