التطهير العرقي في فلسطين (1)

جيلاني الهمامي
2024 / 3 / 13

"التطهير العرقي في فلسطين" هو عنوان كتاب لصاحبه إيلان بابي Ilan Pappé جامعي "إسرائيلي" وواحد ممن يلقبون بالمؤرخين الجدد les nouveaux historiens وهو رئيس المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية ومدير معهد إيميل طوما في حيفا بفلسطين المحتلة. له عديد المؤلفات منها هذا الكتاب الذي نقدم نبذة صغيرة من محتواه.

يقع هذا الكتاب في حوالي 400 صفحة موزعة على 12 فصل مشفوعة بقائمة لتواريخ مهمة وجداول وخرائط ومراجع قيمة. قال عنه النائب البريطاني جورج قالاوي "نظرات ثاقبة في مأساة تاريخية ذات بعد عالمي بقلم مؤرخ عبقري".

يقدم الكتاب صورة كاملة عن حقبة تاريخية حصلت فيها النكبة العظمى التي ستظل كذلك في تاريخ فلسطين وفي تاريخ العرب قاطبة. وقد سلط الضوء على طبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري وكشف عن حقيقة مراميه وقدم شروحا ضافية عن موقع مسألة التطهير العرقي وأهميتها ضمن هذا المشروع وكيف جرت عملية التطهير العرقي للفلسطينيين وتهجيرهم من وطنهم سنة 1948.

خصص الفصل الأول للجانب المفاهيمي عرف فيه معاني التهجير العرقي وركز على أبعاده الاجرامية. وبين كيف أن رواية "التاريخ الجديد" في إشارة الى مدرسة المؤرخين الجدد الذين أخذوا على عاتقهم كشف حقيقة الجرائم الصهيونية في الاستحواذ الصهيوني على فلسطين، "فشلت في النفاذ إلى ممكلة الضمير الأخلاقي وفي دفع أصحاب الضمير الحي إلى القيام بما يتوجب عليهم فعله" كما يقول ( ص 6).

وفي معرض حديثه عن التعريفات المتعددة لمفهوم التطهير العرقي ومراجعها السياسية والقانونية والنماذج التاريخية الشهيرة (يوغسلافيا وروندا والسودان الخ...) يقول "لقد وضع هذا الكتاب بقناعة راسخة بأن التطهير العرقي الذي حدث في فلسطين يجب أن يتجذر في ذاكرتنا ووعينا بصفته جريمة ضد الإنسانية..." (ص 13).

حمل الكتاب حيزا مهما للتعريف بالصهيونية والمشروع الصهيوني ولكل المناورات التي قام بها الصهاينة للاستيلاء على فلسطين وفضح التواطؤ البريطاني والعمل الكبير الذي قام بها الانتداب لتعبيد الطريق أمام الصهاينة (قمع ثورة 1936). كما فضح "خيانة الأمم المتحدة" على حد تعبيره، لحق الشعب الفلسطيني وانحيازها إلى جانب المحتل الصهيوني.

وفي الفصل الرابع منه دقق الكتاب في أساليب التطهير ودوافع الخطة الصهيونية المعتمدة في ذلك وسبل توفير الوسائل لتنفيذ المشروع الذي انتقل بالوضوح التام بعد صدور قرار التقسيم الى خطة "التطهير". يقول إيلان بابي في الصفحة 58 من كتابه هذا "في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، أي قبل شهر تقريبا من تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم، وأمام هيئة أخرى هي اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، صرح بن غوريون أول مرة وبمنتهى الوضوح أن التطهير العرقي يشكل وسيلة بديلة، أو متممة، من أجل ضمان أن تكون الدولة الجديدة يهودية محضة".
خصص الفصل الخامس لخطة التطهير العرقي المسماة خطة "دالت" وتفاصيل تدمير المدن الفلسطينية واستعرض سلسلة من المعارك في دير ياسين وحيفا وصفد والقدس وعكا وبيسان ويافا وقرية سيرين ومرج ابن عامر وعين الزيتون الخ...

ثم خصص بعد ذلك ثلاثة فصول، السادس والسابع والثامن للحديث عن حرب 1948 وعملية التطهير العرقي الكبرى التي شهدتها، الفصل السادس بعنوان الحرب المزيفة والحرب الحقيقية على فلسطين والفصل السابع بعنوان "تصاعد عمليات التطهير حزيران/ يوليو – أيلول/ سبتمبر 1948" قدم فيهما تفاصيل غاية في الدقة حول مجريات الحرب والفظاعات المرتكبة في حق سكان القرى والبلدات الفلسطينية.

كتاب مهم باعتباره شهادة تاريخية موثقة بالصور والمراجع والمعطيات المدونة عن قيام دولة الكيان الصهيوني صنيعة الامبريالية العالمية وأداتها المتقدمة في المنطقة من أجل خدمة مصالحها الاستعمارية في الشرق الاوسط وفي العالم.

إن المطلع على هذا الكتاب الغني بالمعطيات التاريخية والشيق من حيث أسلوبه السردي والتحليلي يدرك أهمية مثل هذه الاعمال التي يمكن أن تلعب أدوارا على غاية من الأهمية في دحض الدعاية الصهيونية القائمة على "المظلومية اليهودية" والكذب وتحريف التاريخ وقلب الحقائق لتضليل الراي العام العالمي. إن تنفيد هذه الدعاية جزء أساسي من المجهود المطلوب من العرب، مفكرين وسياسيين ومواطنين، القيام به كواجهة من واجهات المقاومة للاستراتيجية الصهيونية الاستعمارية في أبعادها الدعائية والإعلامية التي لا تقل خطورة عن الابعاد الأخرى السياسية والعسكرية.

وريثما نعود اليه بأكثر تفصيل فيما يلي آخر ما نشر الكاتب ايلان بابي على موقع المجلة الشهيرة CONTRETEMPS REVUE CRITIQUE DU COMMUNISME نصا بتاريخ 17 أكتوبر 2023 أي بعد 10 أيام من عملية "طوفان الأقصى" البطولية، توليت ترجمته – راجيا أن أكون قد وفقت في ذلك – مساهمة مني في الحملة الدعائية العالمية المضادة للدعاية الصهيونية وفي إطار مواجهة ما أسماه فواز طرابلسي "حرب الإبادة الجماعية الإعلامية" (..).
كتبت المجلة في تقديم هذا النص:
نضع على ذمة قرائنا هذه البطاقة بقلم إيلان بابيه Ilan Pappé، كتبها قبل بضعة أيام. إيلان بابيه مؤرخ إسرائيلي مناهض للصهيونية، وأستاذ في جامعة إكستر Exeter، ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية، وهو رفيق درب نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر. وهو مؤلف العديد من الكتب، منها "التطهير العرقي في فلسطين" (فيارد،2006).


أيها الأصدقاء الإسرائيليون، لهذا السبب أؤيد الفلسطينيين! (2)

إيلان بابي
17 أكتوبر 2023


من الصعب الحفاظ على البوصلة الأخلاقية عندما يرتدي المجتمع الذي ننتمي إليه - قادة ووسائل إعلام على حد سواء - زخارف الأخلاق ويتوقع منك أن تقاسم نفس الغضب الفاضل الذي تفاعل به مع أحداث السبت الماضي ، 7 أكتوبر.
هناك طريقة واحدة فقط لمقاومة إغراء المشاركة: إذا كنت قد فهمت في مرحلة ما من حياتك- حتى كمواطن يهودي في إسرائيل – الطبيعة الاستعمارية للصهيونية وإذا كنت قد روعتك سياساتها ضد الشعب الأصلي في فلسطين.
إذا كنت قد أدركت ذلك، فلن تتردد، حتى لو وصفت الرسائل المسمومة الفلسطينيين بأنهم حيوانات أو "حيوانات بشرية". ويصر نفس هؤلاء الأشخاص على وصف ما حدث يوم السبت الماضي بأنه "محرقة"، وهم يسيئون استخدام ذكرى مأساة كبيرة، يتم ترويج هذه المشاعر، ليلا ونهارا، من قبل وسائل الإعلام والسياسيين الإسرائيليين.

وهذه البوصلة الأخلاقية هي التي دفعتني كما دفعت غيري في مجتمعنا إلى دعم الشعب الفلسطيني بكل الوسائل الممكنة. وسمحت لنا في ذات الوقت بأن نعجب بشجاعة المقاتلين الفلسطينيين الذين استولوا على دزينة من القواعد العسكرية، وواجهوا أقوى جيش في الشرق الأوسط.
من ناحية أخرى، لا يسع أشخاص مثلي إلا أن يثيروا أسئلة حول القيمة الأخلاقية أو الاستراتيجية لبعض الإجراءات التي رافقت هذه العملية.
ولأننا دعمنا دائما إنهاء الاحتلال في فلسطين، كنا نعلم أنه كلما طال القمع الإسرائيلي، كلما كان النضال التحرري أقل "عقما" كما كان الحال في جميع نضالات التحرّر العادلة في الماضي، في جميع أنحاء العالم.
ذلك لا يعني أنه لا يتعين علينا أن ننظر الى الصورة في مجملها، ولو لدقيقة واحدة. هذه الصورة هي صورة شعب محتل يكافح من أجل البقاء، وكان في الوقت الذي انتخب فيه مضطهدوه حكومة عازمة بلا هوادة على تسريع تدمير الشعب الفلسطيني بل والقضاء عليه - أو حتى على مطلبه في ان يكون شعبا- كان على حماس أن تتصرف، وبسرعة.

من الصعب التعبير عن هذه الحجج المضادة لأن وسائل الإعلام والسياسيين الغربيين، نساء ورجالا، قد انحازوا الى الخطاب الإسرائيلي وروايته، بكل ما فيها من إشكاليات.
أتساءل كم من أولئك، الذين قرروا تغطية البرلمان في لندن وبرج إيفل في باريس بألوان العلم الإسرائيلي، يفهمون حقا كيف يتم استقبال هذه البادرة التي تبدو في ظاهرها رمزية في إسرائيل.
فحتى الصهاينة الليبراليون، وبالحد الأدنى من اللياقة، يقرأون هذا العمل على أنه تبرئة كاملة لجميع الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون ضد الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، وبالتالي تفويض مطلق كي تستمر إسرائيل في الإبادة الجماعية التي هي بصدد ارتكابها ضد سكان غزة.
لحسن الحظ، أن أحداث الأيام القليلة الماضية قد أثارت ردود فعل مغايرة.
وكما كان الأمر في الماضي، فإن قطاعات واسعة من المجتمع المدني الغربي لا تنخدع بهذا النفاق، الذي تجلى بالفعل في حالة أوكرانيا.

قلة من الناس يعرفون أنه منذ جوان1967، دخل مليون فلسطيني وفلسطينية السجن على الأقل مرة واحدة في حياتهم مع ما يرافق السجن من سوء معاملة وتعذيب واحتجاز دائم دون محاكمة.
هؤلاء الأشخاص أنفسهم يعرفون أيضا الواقع المروّع الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة عندما أغلقت المنطقة، وفرضت حصارا محكما ابتداء من عام 2007، مصحوبا بقتل الأطفال بلا هوادة في الضفة الغربية المحتلة. هذا العنف ليس ظاهرة جديدة، لأنه كان الوجه الدائم للصهيونية منذ إنشاء إسرائيل في عام 1948.
وبفضل هذا المجتمع المدني بالتحديد، أصدقائي الإسرائيليين الاعزاء، سينتهي الأمر بحكومتكم ووسائل إعلامكم إلى أن يكونوا على خطأ، لأنهم لن يكونوا قادرين على الظهور بمظهر الضحية، وتلقي الدعم غير المشروط، والإفلات من العقاب على جرائمهم.
وسوف تتجلى الصورة الكاملة في نهاية المطاف، على الرغم من التحيز المتأصل في وسائل الإعلام الغربية.
لكن السؤال الكبير هو: يا أصدقائي الإسرائيليين، هل سيكون بإمكانكم رؤية الصورة الكاملة بوضوح؟ على الرغم من سنوات من التلقين والهندسة الاجتماعية؟
وما ليس بأقل قدر من الأهمية، هل سيكون بمقدوركم استخلاص الدرس الآخر المهم - الدرس الذي يمكن استخلاصه من الأحداث الأخيرة - وهو أن القوة وحدها لا يمكن أن تحقق التوازن بين نظام عادل من ناحية ومشروع سياسي غير أخلاقي من ناحية أخرى؟
ولكن هناك بديل. والواقع أنه كان دائما هناك بديل: فلسطين خالية من الصهيونية ومتحررة وديمقراطية من النهر إلى البحر؛ فلسطين تستقبل اللاجئين وتبني مجتمعا لا يميز على أساس الثقافة أو الدين أو الانتماء العرق.
ستسعى هذه الدولة الجديدة إلى تصحيح شرور الماضي قدر الإمكان، من حيث عدم المساواة الاقتصادية وسرقة الممتلكات والحرمان من الحقوق. وهذا يمكن أن يبشر بعهد جديد للشرق الأوسط بأكمله.


الهوامش
(1) – للحصول على الكتاب الرابط التالي :
التطهير العرقي في فلسطين إيلان بابه ترجمة أحمد خليقة | Sami Aldeeb - Academia.edu
(2) – للحصول على النص في نسخته الاصلية بالفرنسية :
Ami·es israélien·nes, voilà pourquoi je soutiens les Palestinien·nes ! - CONTRETEMPS

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت