حقيقة الأجهزة السيادية في الدولة الوطنية

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 3 / 12

تقوم الدولة الوطنية الحديثة على فكرة محورية: المصدر الوحيد والحصري للسيادة على كامل أراضي هذه الدولة هم مواطنوها أنفسهم، جميعاً دون استثناء وعلى قدم المساواة. وحتى تكون هذه الفكرة قابلة للتطبيق في الحياة الفعلية للناس، كان لابد من تنظيم سياسي معين لهؤلاء المواطنين يُفضي في النهاية إلى جهاز من انتخابهم يمثلهم وينوب عنهم يُسمى مجلس النواب أو البرلمان. ورغم كون هذا المجلس هو الوحيد المعبر من بين جميع أجهزة الحكم الأخرى عن الإرادة غير المباشرة أو النيابية لمواطني الدولة، إلا أنه لا يزال لا يتمتع بما يُسمى السيادة. هناك فرع حكومي آخر- التنفيذي- يمكنه أن يحل البرلمان ويوجه الدعوة للمواطنين من أجل انتخابات جديدة. لكن ذلك لا يعني أن الفرع التنفيذي مُحصن بالسيادة الوطنية، بل هو أشبه بالعبد المأمور للفرع التشريعي، تنحصر مهمته الأساسية على تنفيذ ما يمليه عليه نواب المواطنين من تشريعات وقوانين. وعلى شاكلة فرعي الحكم التشريعي والتنفيذي في عدم التمتع بالسيادة في تسيير شؤون دولة المواطنين، كذلك مثلهما الفرع الثالث - القضاء. على الرغم من قدرة القضاة على نقض صحة القوانين الصادرة من البرلمان وإصدار الأحكام بالطعن والعقوبات والتعويضات ضد إجراءات الأجهزة التنفيذية من الرئاسة حتى أجهزة الحكم المحلي، لايزال القضاء لا يتمتع بالسيادة التي تقوم عليها فكرة الدولة الوطنية الحديثة. فجميع هؤلاء لا يشكلون سوى مجموعات صغيرة للغاية من مجموع مواطني الدولة، وبالتالي لا يمكن لأي منهم الادعاء بالسيادة الوطنية، سواء على أفرع وأجهزة حكومية أخرى مقابلة أو على أفراد أو جموع المواطنين العاديين.

إذا كانت جميع سلطات الحكم الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ورغم نشأة بعضها عبر الانتخابات المباشرة من مواطني الدولة، لا تُشكل في النهاية سوى أقلية زهيدة للغاية من مواطني الدولة وبالتالي لا تتمتع بالسيادة التي تأسست عليها الدولة الوطنية، من أين أتت أجهزتها- أو عدد محدود منها- بسيادتها المزعومة سواء على باقي أجهزة الحكم أو على بقية المواطنين العاديين؟ ما هي السيادة؟ هل لها وجود حقيقي؟ وما هي الميزات التي تضفيها على حاملها الشرعي، أو حتى على مدعيها غير الشرعي؟

مثل كثير من منشآت الفكر البشري عبر العصور، السيادة هي منشأة ذهنية تعود نشأتها إلى العصور الحديثة. لكن لكي نفهم معناها، يجب أن نرجع بالذاكرة إلى منشأتين فكريتين بشريتين أخريين تستمد السيادة منهما وجودها وشرعيتها الحالية: (1) الخلق الإلهي؛ و(2) الحق الإلهي.

مضمون نظرية الخلق الإلهي أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم أخذ استراحة في اليوم السابع. ولما كان الله بهذا الشكل هو خالق الوجود كله ومن ضمنه الإنسان، أصبح موضع السيادة المطلقة على هذا الكون في يد وإرادة واحدة بلا شريك- الله الخالق، لكونه هو الذي خلق وحده الوجود من العدم. في قول آخر، فضل الخلق المنفرد يعطي لصاحبه سيادة منفردة ومطلقة على مخلوقاته. هذا هو الحق الإلهي. هذا الأخير يقوم على فكرة بسيطة جداً: أنا الذي خلقتك من العدم؛ لذلك أنا أيضاً صاحبك، مالكك، صاحب الأمر والنهي فيك، والسيادة المطلقة عليك. لأنك من دوني ما كنت أصلاً؛ وإذا ما منعت عنك سندي ودعمي وإعانتي، لانتهيت. بتعبير آخر، وجودك ذاته مرهون بوجودي وإرادتي المسبقة؛ إذا لم أكن أنا موجود قبل وجودك؛ وإذا لم أُرِد لك أن توجد من العدم، ما كان لك من وجود أصلاً حتى تنازعني في مناط السيادة، لَكَ أم لِيّ.

بالعودة إلى التنظيم السياسي للدولة الوطنية الحديثة، لا شك في أن وجود مواطني الدولة سابق على وجود أجهزة الحكم فيها؛ بمعنى أن هؤلاء المواطنون أنفسهم هم من ينشئون أجهزة الحكم عليهم، وليس أن أجهزة الحكم هي التي تُنشئ المواطنين الذين تحكمهم. أكثر من ذلك، إذا ما توقف السند والدعم والإعانة من المواطنين عن هذه الأجهزة، لانتهت هذه الأخيرة من الوجود. في المقابل، حتى رغم خسارتهم المؤكدة لبعض مكتسبات العيش في كنف أجهزة الحكم الحديثة، لا يزال المواطنون لن يخسروا أبداً وجودهم من هذه الحياة في غياب هذه الأجهزة؛ بينما هذه الأخيرة لا يمكنها أبداً أن تحتفظ بوجودها في غياب المواطنين من الدولة. فالمواطنون هم بمثابة الخالق. وإذا كانوا كذلك، يصبح لهم وحدهم- في تطور لمفهوم الحق الإلهي- حق السيادة المنفردة والمطلقة على أجهزة الحكم التي أنشئوها بأيديهم وإراداتهم الحرة، لخدمة أغراضهم ومصالحهم الخاصة.

لكن من هم بالتحديد هؤلاء المواطنون أصحاب السيادة السياسية المطلقة ضمن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة؟ هل هم أغلبية المقترعين؟ وإذا كان، ما مصير الأقليات؟

على العكس من الشائع لدى الكثيرين، لا تُبنى فلسفة الحكم في الدولة الوطنية الحديثة على مفهوم الأكثرية والأقلية الانتخابية فقط، رغم استعماله كآلية أساسية لانتخاب رؤساء السلطة التنفيذية وأعضاء البرلمان وبعض المكونات الأخرى. بل هي تُبنى فوق قاعدة فلسفية أعرض وأرحب من ذلك بكثير- جموع مواطني الدولة كجسم سياسي واحد وموحد لا يقبل التجزئة ما بين أكثرية وأقلية، شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، متدينين وعلمانيين، شيوعيين ورأسماليين، يمين ويسار، رجال ونساء، أثرياء وفقراء، سادة وعبيد، حكام ومحكومين، أو غير ذلك من الثنائيات المتضادة. فهناك ركائز للحكم في الدولة الوطنية الحديثة أبعد من متناول الأكثرية الانتخابية مهما بلغت من الضخامة، على سبيل المثال الدساتير، استقلالية وأحكام القضاء، حقوق الإنسان الأساسية، المعاهدات والمواثيق الدولية التي التزمت بها الدولة.

معنى ذلك أن السيادة تكمن في كتلة مواطني الدولة جميعهم، متحدين غير منفردين؛ فالمواطنون الأفراد يخضعون جميعاً لقوانين الدولة على قدم المساواة بينهم وبين الأفراد الشاغلين لمناصب في أجهزة الحكم. لكنهم ككتلة متحدة- بما فيهم أجهزة الحكم- هم فوق القانون، أصحاب السيادة، هم من يريدون ويوجدون القوانين ويكلفون أجهزة الحكم بتنفيذها فيهم، على خلفية ما ينشدونه من خير منها. من كتلتهم الجمعية تلك تولد السيادة المتخيلة التي تختال بها بعض أجهزة الحكم وتجعلها تعتقد في كونها فوق القانون، بعيدة من المسائلة تحته. في الواقع، هذه الأجهزة المسماة سيادية لكي تتمكن من ممارسة مهامها الموكلة إليها من صاحب السيادة الحقيقي جموع المواطنين يجب أن تتمتع بدرجة ما من الحصانة التي يساويها البعض خطئاً بالسيادة. لكن الحصانة لا تساوي السيادة. فالحصانة هي سيادة منتدبة ومشروطة ومؤقتة وقابلة للتجزئة والمنح والسلب. بينما السيادة بمفهومها السياسي هي الحصانة الأصلية، الأبدية، الكاملة، غير القابلة للتجزئة أو النقصان أو الزوال. وهي تكمن في كتلة المواطنين الموحدة غير قابلة للتجزئة، الممتدة في الماضي والحاضر والمستقبل، يرتعون كالآلهة فوق تراب وثروات وطنهم الطبيعي، يخلقون بأيديهم وإراداتهم ما شاءوا من أجهزة الحكم لخدمة مصالحهم وأغراضهم الخاصة والوقتية، وينهون حياة ووجود أياً ما كان منها يرون أنه قد انتهت صلاحيته أو انتفت الحاجة إليه، أو بات يشكل خطراً على حياتهم أو تهديداً لوجودهم ومستقبل أبنائهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت