التعاقب الطبقي دواعيه ونتائجه؟

محمد الحنفي
2024 / 3 / 10

يقول المغاربة، منذ ستينيات القرن العشرين: "من كان في المغرب، لا يستغرب"؛ لأن الممارسات التي تظهر في المغرب، وعلى يد السلطات المخزنية، وأمام أعينها، تكون غريبة عن الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وعن البشر الذين يعيشون في ذلك الواقع.

ولذلك، صار الناس يعتبرون كل الأفعال، التي تقع أمام أعينهم، عادية، حتى وإن كانت غريبة في وقوعها: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، نظرا للفساد السائد في المجتمع، وفي القرى، وفي المدن، وفي كل مكان من هذا الوطن، خاصة، وأن الفساد ينمو حسب متوالية هندسية، وهو ما يعتبر أن الإنسان، قد غرق في الفساد، من أخمص قدميه، إلى هامته، إلى درجة أن الفساد أصبح بنيويا، وأن التخلص منه، أصبح مساويا للتخلص من الفاسدين، الذين لا تجمعهم السجون، ولا تسعهم المقابر. والوطن، نفسه، أصبح لا يتحمل ممارسة الفساد فيه، إلى درجة أن تكوين الطبقات الاجتماعية في الواقع، أصبح يعتمد على الفساد، بالدرجة الأولى.

ونحن، عندما نعمل على رصد التكون الطبقي في المجتمع، نجد أنفسنا قد رصدنا حالات الفساد، التي تقف وراء تكون مختلف الطبقات الاجتماعية، انطلاقا من فساد الريع المخزني، ومرورا بفساد الإرشاء، والارتشاء، وفساد النهب، وفساد الاتجار في الممنوعات، وفساد التهريب، وفساد الانتخابات الجماعية، والبرلمانية، والفساد الجماعي، وفساد الإدارة الجماعية، وفساد الإدارة المخزنية، وفساد الحكم المخزني، وفساد تطبيق القوانين، وفساد الأحكام القضائية، وغيرها من أشكال الفساد الأخرى، التي لا نكاد نعرفها، والتي تختفي وراءها العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، القائمة في المجتمع، وعلى جميع المستويات.

ولذلك، فمعالجتنا لهذا الواقع، من أجل الوقوف على:

"التعاقب الطبقي في المغرب: دواعيه، ونتائجه".

نجد أن أول ما نقف عليه في التاريخ، هو أن الحكم، يصير مالكا لكل شيء، وأن الشعب، لا يملك أي شيء، إلا أن يصير مملوكا للحكم، في أي مرحلة، من مراحل تاريخ المغرب: اقتصاديا، واجتماعياـ وثقافيا، وسياسيا، كما نصطدم بواقع الفساد، الذي ينتشر في كل مكان، من المغرب. إلا أننا، عندما نصطدم بأن المغرب، وقع تحت الاحتلال الأجنبي، نجد أن عنصر الاحتلال الأجنبي، الذي جاء ليستغل خيرات المغرب: المادية، والمعنوية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وجد نفسه مضطرا، إلى العمل على تشكيل الطبقات الاجتماعية في المغرب، من العملاء الذين رحبوا به، وصاروا من خدامه. فعمل على تكوين الإقطاع، بحيث نجد أنه عين على كل قبيلة مغربية، إقطاعيا مغربيا، يصير مالكا للقبيلة، ولأراضي القبيلة، ولأشجارها، باعتباره حاكما مطلقا، يفعل بقبيلته ما يشاء ،تحت إشراف الاحتلال الأجنبي، وحسب توجيهاته، إلى درجة أن كل إقطاعي، اقتطع ما يشاء لنفسه، من أراضي القبيلة، إما بيعا وشراء، وإما قتلا، وحيازة للأرض، لصالح حاكم القبيلة المطلق، واقتداء بحاكم القبيلة، يقوم خليفته بنفس الدور، الذي يقوم به الحاكم المطلق، ويقوم المساعدون للحاكم المطلق، المبرزون الإقطاعيون، في مستوياتهم المختلفة، وخاصة الإقطاعيون الكبار، والمتوسطون، التابعون لهم، إلى درجة أن كل شيء يمكن أن يقوم به هؤلاء الإقطاعيون، الذين عمل الاحتلال الأجنبي على وجودهم.

وإلى جانب الإقطاعيين، عمل الاحتلال الأجنبي، على إيجاد بورجوازية تابعة في الحواضر المختلفة، فأغدق عليهم الامتيازات، التي تنقلهم بسرعة، من واقع مادي، إلى واقع مادي آخر مختلف، ليصبحوا أثرياء كبارا، في مختلف الحواضر. وهذه الامتيازات لم تنزع منهم بعد الاستقلال الشكلي للمغرب، بل استمروا بالتمتع بها مدى الحياة، بعد الاستقلال. بل إن العديد منهم، أسندت إليه مهام أول حكومة، في عهد الاستقلال الشكلي، كما أسندت إليهم مهام الحكم، في العديد من الأقاليم، أو أسندت إلى أبنائهم. الأمر الذي تبين معه: أن المغرب لم يستكمل استقلاله؛ بل تبين معه، كذلك، أن الحكم المخزني، لا زال يعتمد على الاستعمار غير المباشر، مما جعل صفة التبعية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، إلى درجة أن الحكم المغربي التابع، كان يقتدي بحكم الاحتلال الأجنبي، في خلق الطبقات الإقطاعية، والبورجوازية، عن طريق منح المزارع، التي كانت تشرف عليها الدولة، إلى عملائه، الذين أصبحوا إقطاعيين جددا، يضافون إلى الإقطاع، الذي عمل الاحتلال الأجنبي على إيجاده، ليترتب عن ذلك: أن الإقطاع المغربي، ليس شرعيا، والبورجوازية المغربية، ليست شرعية، وأسلوب إيجادهما، ليس شرعيا، لأن الإقطاع، لم يتكون بشكل طبيعي، كنتيجة لممارسة الصراع الطبقي، ضد الأسياد، من أجل تحرير العبيد، الذين يتحولون إلى عبيد الأرض، التي صارت ملكا للإقطاعيين الأوروبيين. ولأن البورجوازية المغربية، لم تتكون بشكل طبيعي، ولم تمارس الصراع ضد الإقطاع، من أجل تحرير عبيد الأرض، الذين يصيرون عمالا في المصانع، التي تملكها البورجوازية، من أجل أن تكون الطبقة العاملة رخيصة، مما يؤدي إلى تحقيق المزيد من الأرباح، التي ترتبت عن قيام الدول الأوروبية، باحتلال إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. وهو مل ترتب عنه: استغلال الخيرات الإفريقية، والأسيوية، والأميركية اللاتينية، مما جعل دول أوروبا، تتحول إلى دول متقدمة: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، ليصير غيره في إفريقيا، وفي أسيا، وفي أمريكا اللاتينية، متخلفا، ليتحول الرأسمال، والدول الرأسمالية الأمريكية والأوروبية، تحتكر التقدم، والتطور، على المستوى العالمي، وتجعله ممتنعا عن إفريقيا، وعن آسيا، وعن أمريكا اللاتينية؛ ولكن الشعوب تتمسك بضرورة أن تتمتع بحقها في التقدم، والتطور الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، فأفرزت قيادات حزبية، وجماهيرية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، تقوم بهذه المهمة، كما أفرزت دولا، تتصدى للرأسمال الهمجي، وتتكون من دول البورجوازية الوطنية، والاشتراكية، الداعمة لبعضها البعض، لخوض الصراع ضد الدولة الرأسمالية الهمجية الأوروبية الأمريكية، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الصراع، يتصدره الصراع بين الدولة الوطنية الروسية، وبين أوكرانيا، المدعومة من قبل الناتو، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تصير فيها الغلبة، حتى الآن، للدولة الروسية، التي قامت، ولا زالت تقوم بإمكانيات ضخمة، من أجل التصدي لجيوش أكرانيا، المدعومة من قبل الناتو، التي تتلقى مليارات الدولارات، من دول الناتو، إما نقدا، وإما على شكل سلاح متقدم، ومتطور؛ ولكن السلاح الذي صنعته روسيا، أثبت تفوقه، على جميع المستويات. مع العلم، أن الذين يموتون في الحرب، في أوكرانيا، من الجيش، وأن الذين يموتون في المناطق التي اعتبرتها روسيا أراضي مسترجعة بسكانها، وبالمؤسسات المقامة عليها، والتي تم إنجازها في عهد تكون تكتل اقتصاد يلاد الاتحاد السوفياتي السابق، والتي يتكلم سكانها اللغة الروسية.

وإذا كانت الدول الأوروبية، تكون تكتلا اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن روسيا، التي تعتمد على جيوشها، وعلى ما لديها من سلاح متقدم، ومتطور، استطاعت أن تتجه إلى الشرق، حيث الصين، التي تصارع الولايات المتحدة الأمريكية على تايوان، وحيث الهند، وباكستان، وأفغانستان، وغيرها من الدول، التي دخلت مع روسيا، في تحالفات، استطاعت أن تلحق فشلا ذريعا بالحصار، الذي ضربه الغرب، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ينعكس، سلبا، على الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبح اقتصادها يعرف تخلفا كبيرا، على جميع المستويات.

فما هي دواعي التعاقب الطبقي؟

إن المفروض، أن تعرف البشرية نفس الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، إلا أن هذه الشروط، تختلف من مكان إلى مكان آخر، ومن زمن إلى زمن آخر، الأمر الذي يترتب عنه: اختلاف الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، من مكان إلى مكان آخر، ومن زمن إلى زمن أخر.

وإذا كان الإنسان يحرص على أن يرقى اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، فإن الشروط التي يعيشها، تجعله يعرف ذلك الرقي، أو لا يعرفه، أبدا. وإذا كان، في الإمكان، العمل على تحرير الإنسان، فإن هذا التحرير، يبقى مشروطا بتحقيق الديمقراطية، وبتحقيق الاشتراكية، اللتان تعتبران مرتبطتين بالشروط القائمة. ومن المسائل التي ترتبط بالشروط الموضوعية: مسألة التعاقب الطبقي، التي عرفتها أوروبا، ولم تعرفها أي قارة من القارات القائمة على وجه الكرة الأرضية.

فأوروبا، عرفت مرحلة المشاعة، ثم مرحلة العبودية، التي تسود فيها طبقة الأسياد، والعبيد، ومرحلة الإقطاع، التي يسود فيها الإقطاعيون، وعبيد الأرض، ثم المرحلة الرأسمالية، التي يسود فيها البورجوازيون، والعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

والبورجوازية الأوروبية، التي تمكنت من الوصول إلى مراكمة الثروات الهائلة، عبر مصانعها، في أوروبا، استطاعت، عن طريق الاحتلال الأجنبي، لمختلف القارات، أن تجد أسواقا جديدة، في إفريقيا، وفي أسيا، وفي أمريكا الشمالية، التي هاجمتها البورجوازية الأوروبية، التي استوطنتها، ومارست الإبادة الجماعية على الهنود الحمر، وعلى أساس تلك الهجرة، تكونت هناك دولتان كبيرتان، دولة الولايات المتحدة الأمريكية، التي هاجرت إليها البورجوازية الإنجليزية، وكندا، التي هاجرت إليها البورجوازية الفرنسية، والإنجليزية، في نفس الوقت.

أما في أمريكا الجنوبية، فقد كانت من نصيب الاحتلال الأجنبي الإسباني، الذي جعل بصماته المتجسدة في اللغة الإسبانية، التي صارت تسود بعد استقلال مختلف دول أمريكا اللاتينية. وهو ما ترتب عنه: أن جميع البلدان المختلفة، والتي لم تسد فيها لا المشاعة، ولا العبودية، ولا الإقطاع، أصبحت محكومة بالبورجوازية، التي انتشرت في الشرق، وفي الغرب، وفي الجنوب، في آسيا، وفي إفريقيا، وفي أمريكا الشمالية، وفي أمريكا الجنوبية.

ومن بين البلدان التي كانت محتلة من قبل الفرنسيين، والإسبان: المغرب، والذي كان الحكم فيه، وعبر التاريخ، يشكل طبقة، تستبد بالاقتصاد، وبالاجتماع، وبالثقافة، وبالسياسة. والطبقة الثانية هي طبقة كادحي الشعب المغربي، وغالبا ما تكون طبقة الكداح، في خدمة طبقة الأسياد، وباقي أفراد الشعب المغربي، الذي قد تتسع رقعته، وقد تتقلص وقد تتقلص، يعتبرون عبيدا، إلى أن جاء الاحتلال الأجنبي، الذي سلك سياسة تعتمد على تعميم السياسة الاستعمارية الأوروبية، على جميع المناطق.

ولذلك، فالطبقات الاجتماعية، التي عرفها المغرب، ارتبطت بالاحتلال الأجنبي، الذي عمل على تمكين عملائه من الامتيازات الريعية، الذين يصيرون بين عشية، وضحاها، من الأثرياء الكبار، فعمل الاحتلال الأجنبي، على إيجاد طبقة الإقطاعيين، التي لا تشبه، لا من قريب، ولا من بعيد، طبقة الإقطاع الأوروبي، الذين يملكون الأرض، بدون عبيد، يشغلون فيها الفلاحين الصغار، والمعدمين، ولكن، بأجور زهيدة، لا تكفيهم، حتى في معيشتهم اليومية، مما يجعل الإقطاع المغربي، يختلف عن الإقطاع الأوروبي، كما عمل الاحتلال الأجنبي، على إيجاد بورجوازية، لا تشبه، لا من قريب، ولا من بعيد، البورجوازية الأوروبية، ولا تتقوى عليها، في نفس الوقت، هي بورجوازية الامتيازات الريعية، التي أصبحت تربة خصبة، منتجة للخيرات، ولكنها لا تشغل لا العمال، ولا باقي الأجراء، ولا سائر الكادحين؛ لأن الامتيازات الريعية، التي يسلمها الاحتلال الأجنبي، لا تحتاج إلى العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بقدر ما تحتاج إلى التمسك بامتيازات الريع، التي تقف وراء الإثراء السريع.

وبعد الاحتلال الأجنبي، استمر الحكم المخزني المغربي، على نفس منهج الاحتلال الأجنبي، يمنح امتيازات الريع لعملائه، الذين يزدادون ثراء، مع مرور الأيام، حتى أصبحوا من كبار الأثرياء، وصاروا رؤساء جماعات، بعد أن اشتروا الناخبين الصغار والكبار، وبرلمانيين، بعد أن اشتروا الآلاف من الناخبين الصغار، يسنون القوانين التي تخدم مصالحهم: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. الأمر الذي يترتب عنه: أن فساد الاقتصاد، فساد للمجتمع، وفساد السياسة، أصبح جزءا لا يتجزأ من الواقع، بمظاهره: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهو ما يعني: أن ما جاء من فساد الريع، وما جاء من فساد الإرشاء، والارتشاء، وما جاء من فساد النهب، وما جاء من فساد الاتجار في الممنوعات، وما جاء من فساد التهريب، من، وإلى المغرب، وما جاء من فساد الانتخابات، وما جاء من الفساد الجماعي، وما جاء من فساد الإدارة الجماعية، وما جاء من فساد الإدارة المخزنية، لا يمكن لهذه الأشكال من الفساد، إلا إنتاج المزيد من الفساد، الذي أصاب البلاد، وأصاب السكان. كما لا يمكن أن ينتج إلا البورجوازية الفاسدة، وإلا الإقطاع الفاسد، وإلا التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف الفاسد، وعلاقات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية فاسدة. وهو ما يجعل المغاربة يعيشون في غابة من الفساد، وخدمتها الفاسدون، وضحاياها أبناء الشعب المغربي، الذين يحرصون، منذ ولادتهم، على تجنب الوقوع في مستنقع الفساد، في الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم، غارقين فيه، ليصبحوا ضحايا الفساد المخزني، الذي التهم كل شيء. ويعتبر جميع أفراد الشعب، ضحايا الفساد المخزني، بمن فيهم: أولئك المرضى بالتطلعات الطبقية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

وبذلك، نجد أن دواعي التعاقب الطبقي في المغرب، ليست قائمة أصلا، والطبقات الاجتماعية القائمة، ليست وليدة التعاقب الطبقي، بالمعنى الصحيح؛ لأن الثراء، كان مرتبطا بالحكام، الذين يستطيعون تحويل فاحش الثراء، إلى فقير. ولذلك، كان الحكام يمتلكون الثروة، التي يمكن فقدانها في أية لحظة، بمجرد فقدان الحكم، لتنتقل، بالقوة، إلى المالكين للحكم الجديد. وأما التشكيل الطبقي، فلم يظهر إلا مع مجيء الاحتلال الأجنبي، الذي فرضته الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، فعمل الاحتلال الأجنبي، على إيجاد طبقات اجتماعية، تتمكن من إحداث تراكم، على مستوى تكون الثروة، لدى البورجوازي، في الحاضرة، ولدى الإقطاعي، في القرية.

وبما أن المغاربة، كانوا لا يتجاوزون إتقان الحرف، أو إتقان الزراعة، وتربية المواشي، المحدودين، مما يجعل الاحتلال الأجنبي، يختار من عملائه، الذين يعتبرون أكثر قربا منه، من يمنحهم امتيازات الريع الأجنبي، أو ريع الاحتلال الأجنبي، التي تجعل منهم أثرياء كبارا، بين عشية، وضحاها. فكان عملاء القرى، والبوادي، إقطاعيين، وكان عملاء الحواضر، بورجوازيين، ليتحولوا مع مرور الزمن، وبفعل امتيازات ريع الاحتلال الأجنبي، الذي تمنحه سلطات الاحتلال الأجنبي، سواء كان فرنسيا، أو إسبانيا. والداعي إلى ذلك، حاجة الاحتلال الأجنبي، إلى جعل طبقة الإقطاعيين، يصبحون حكاما في العديد من مناطق المغرب، وإلى جعل البورجوازيين، يصبحون حكاما في العديد من المدن المغربية. فصار لهم على يد الاحتلال الأجنبي، السلطة المطلقة، يفعلون بالمغاربة ما يشاؤون، يقتلون، وينزعون الأراضي، ويستولون على الأراضي بدون مبرر قانوني، حسب القوانين التي كان يطبقها الاحتلال الأجنبي، وفي نفس الوقت، كان أثرياء المغرب، الذين صنعهم الاحتلال الأجنبي، يقومون بما هو مطلوب منهم، في عهد الاحتلال، ليستمروا أثرياء، حتى في عهد الاستقلال السياسي، الذي استمر فيها الحكم المغربي، على نهج الاحتلال الأجنبي، والعمل بدوره، على منح امتيازات الريع المخزني لعملائه، الذين تحولوا إلى إقطاعيين كبارا، وإلى بورجوازيين كبارا، مع إيجاد شروط التجدد، عن طريق إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

ونتائج سياسة الاحتلال الأجنبي للمغرب، والسياسة المخزنية في منح امتيازات ريع الاحتلال الأجنبي، والريع المخزني، لإيجاد طبقات اجتماعية إقطاعية، أو بورجوازية، مع السماح بالفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وبالفساد الانتخابي، وبالفساد الجماعي، وبفساد الإدارة الجماعية، وبفساد الإدارة المخزنية، وبالنهب المبالغ فيه، وأمام أعين السلطات المخزنية، وبدون حياء من الشعب، من أجل تجديد الطبقات البورجوازية، والإقطاعية، والتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف.

وإذا كان أفراد الطبقة الواحدة، غير متحدين مع بعضهم البعض، وأن هذه الطبقات الإقطاعية، لم تعرف في تاريخها، ممارسة الصراع الطبقي، وأن هذه الطبقات المتناقضة، تصير متحالفة فيما بينها، لخدمة مصالح جميع الطبقات البورجوازية، والإقطاعية، ولخدمة مصالح الاحتلال الأجنبي سابقا، ولخدمة مصالح الحكم المخزني المغربي لاحقا، وأن الفساد الذي أصبح بنيويا، في المجتمع المغربي، أصبح، كذلك، من وسائل الإثراء السريع، في مجموع التراب المغربي، وأن جميع الطبقات الاجتماعية المغربية الفاسدة، تعادي العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين غالبا ما يكونون محرومين من حقوقهم الإنسانية، والشغلية.

وهكذا، نجد أن التشكيل الطبقي في المغرب، لم يكن معروفا قبل الاحتلال الأجنبي، وأن الاحتلال الأجنبي، بعد أن تمكن من المجتمع المغربي، العملاء من بين أفراده، الذين يمارسون العمالة تجاه الاحتلال الأجنبي، الذي منحهم الامتيازات الريعية، التي تمكنهم من الثراء السريع، ليصير لهم شأن، بعد ذلك، في المجتمع المغربي، وليقتدي الحكم المغربي بسياسة الاحتلال الأجنبي، في منح امتيازات الريع المخزني، إلى العملاء المخزنيين، فكان منهم الإقطاعيون، والإقطاعيون الجدد، والبورجوازيون، الذين لم ينفرزوا كنتيجة للصراع بين الإقطاعيين، والأسياد، من أجل تحويل العبيد، إلى عبيد الأرض، أو كنتيجة للصراع بين البورجوازيين، والإقطاع، من أجل تحرير عبيد الأرض، الذين يتحولون إلى عمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في مختلف المدن؛ بل إن البورجوازية، والإقطاع، جاءا كنتيجة لمنح امتيازات الريع، في عهد الاحتلال الأجنبي، وفي عهد الحكم المخزني، بعد الاستقلال السياسي الشكلي. وتبقى طبقة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، هي الطبقة التي تتكون، كنتيجة لحاجة الإقطاع، ولحاجة البورجوازية، ولحاجة المجتمع، ولحاجة الدولة إليها، لتصير هي المنتجة، وهي الخادمة، لصالح الإقطاع، ولصالح البورجوازية، ولصالح المجتمع، ولصالح الدولة.

فهل نستطيع أن ندرك أن الطبقات الاجتماعية مصنوعة، وليست أصيلة؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت