ب 1 ، ف 1 ، ج 1 : شهر رمضان بالتقويم القمرى : ( أربع مقالات )

أحمد صبحى منصور
2024 / 3 / 10

كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى )
الباب الأول : رمضان والصيام إسلاميا
الفصل الأول : عن رمضان ( جزءان )
الجزء الأول : شهر رمضان بالتقويم القمرى : ( أربع مقالات )

المقال الأول :
1 ـ بعد الصحوة التى اسسها أهل القرآن ، وبعد أن ألقينا أحجارا فى بركة التفكير الراكدة الآسنة تجرأ كثيرون على نقد الموروث والمتواتر ، ما كان منه صحيحا أو باطلا . وتجرأ كثيرون على البحث فى القرآن الكريم بلا إستعداد أو تأهيل فكرى ، يدخلون عليه بأهوائهم ، فمن يريد جعل الصلاة ثلاثة أو إثنتين ينتقى من الآيات ما يريد ، ومن لايعجبه تشريع عقوبة السارق يستشهد بآيات قرآنية يرد فيها مصطلح ( قطع ) بإسلوب المجاز جاهلا أن آيات التشريع تأتى بأسلوب علمى محدد لا مجاز فيه ، ومثله من يرفض تشريع ( فاضربوهن )، ومن يريد تعطيل الصيام يشكك فى التقويم القمرى ،. من هنا إستمرت ( فوازير رمضان ) أو( اساطير رمضان ) بفضل الفقهاء الجدد.
2 ـ إذ ظهرت مقولات حديثة تشكك فى التقويم القمرى والذى على أساسه يتم حساب شهر رمضان والأشهر الحُرُم وما كان يحدث من نسىء . ويصل القارىء المقتنع بهذا ــ الى الشك فى أن رمضان الذى نصومه ليس رمضان الحقيقى . هذه مقولات خاطئة تماما . ولو إفترضنا ــ جدلا ــ صحة هذه المقولات وإنه على سبيل الافتراض أن الناس صاموا شهر رجب على أنه شهر رمضان ، فالمستفاد مما سبق أن الله جل وعلا الغفور الرحيم لن يؤاخذهم ، طالما يصومون إبتغاء وجه الرحمن جل وعلا . ولكن نتوقف فى لمحة للرد على هذه المزاعم :
ثانيا :
1 ــ قبل نزول القرآن الكريم بقرون كانت الحضارات القديمة تعرف التقويم الفلكى؛ القمرى والشمسى ، من الصين شرقا الى حضارة المايا فى أمريكا الجنوبية ، وما بينهما من حضارات الهند والعراق وايران والمصريين القدماء . ولم يكن العرب قبل الاسلام بعيدين عن هذه المعرفة ، بل كانوا يؤدون على أساس التقويم القمرى فريضة الحج كل عام فى الأشهر الحُرُم الأربعة ، والله جل وعلا عندما تكلم عن فريضة الحج كأحد معالم ملة ابراهيم قال : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) البقرة197 ) . قال جل وعلا (أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) ، لم يذكرها جل وعلا لأنها بالنسبة لهم (أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ). كانت معلومة بالنسبة لهم ، ويتجلى هذا فى سؤالهم عن مشروعية القتال فى الشهر الحرام : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ) البقرة 217 ).
2 ـ وفى تشريع خاص بزمانه ومكانه أعطى رب العزة مُهلة الأشهر الأربعة الحُرُم للمشركين الكافرين المعتدين على البيت الحرام بعد فتح مكة ، وكان أولئك المعتدون قد نقضوا العهود ، وهمُّوا بإخراج الرسول من مكة ، وهى تفصيلات قرآنية تشير لأحداث هائلة أهملتها سيرة ابن اسحق ، وهو أول من كتب السيرة للخليفة المهدى العباسى ، وتناقض فيما كتب مع ما جاء عن سيرة النبى والمؤمنين ومن حوله فى القرآن الكريم ، وتجاهل الكثير من الوقائع تقربا للعباسيين الذين كان جدهم ( العباس ) مشركا قائما بسقاية الحاج ، ونزل فيه قوله جل وعلا : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) التوبة ) . يهمنا هنا الانذار الذى وجهه رب العزة جل وعلا للمشركين المعتدين ، قال جل وعلا : ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ)التوبة 2:(فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)التوبة 5). ونفهم منه ـ بعد تلاعب المحمديين بالأشهر الحرم ــ أن الأشهر الحرام تبدأ بإفتتاح موسم الحج فى أول شهر ذى الحجة ثم تتتابع الى نهاية الشهر الرابع : ربيع الأول . صحابة الفتوحات بزعامة ابى بكر وعمر وعثمان إستحلوا الأشهر الحرم وقاموا فيها بفتوحاتهم الظالمة المناقضة للاسلام ، وبعدها صارت سُنّة سيئة للمحمديين نسيان الأشهر الحرم وإستحلال الاقتتال فيها وفى غيرها . العرب فى الجاهلية كانوا أقل سوءا ، مع معرفتهم بالأشهر الحُرُم كان يقومون فقط بالنسىء ، يستحلون شهرا منها ويستبدلونه بشهر آخر من بقية الأشهر ، وهذا هو زيادة فى الكفر كما قال جل وعلا ( التوبة 37 ) ، ولكن نستفيد منه معرفتهم بمطالع الشهور القمرية والتقويم القمرى.
3 ـ وفى التأكيد على معرفتهم بالتقويم القمرى نذكر أن من تشريعات االقرآن الكريم ما جاء منها مرتبطا بالشهر القمرى المتعارف عليه ، مثل الايلاء ( البقرة 226 ) وعدة الأرملة ( البقرة 234 ) وعدة المطلقة ( الطلاق 4 ) وكفارة الظهار ( المجادلة 4 ) . ونفس الحال فى شهر رمضان بقوله جل وعلا : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) البقرة 185 ) . هنا خطاب لأناس يعرفون ما هو شهر رمضان وما هو الصيام .
4 ــ ولقد سألوا النبى محمدا عليه السلام عن الأهلة ( جمع هلال ) وكالعادة لم يبادر عليه السلام بالاجابة ، بل إنتظر حتى تأتى الاجابة من رب العزة ، ونزل قوله جل وعلا : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )(189) البقرة )، جاءت الاجابة بما هو معروف للعرب الذين يتبعون التقويم القمرى ويتعرفون على مقدم الشهر القمرى من رؤية الهلال فى سماء صحرائهم الصافية. جاءت الاجابة بأن ( الأهلة ) هى ( مواقيت للناس) أى فى تحديد الأشهر وفى تحديد بداية شهور ( الحج ).
5 ــ فى القرآن الكريم إشارات للتقويمين الشمسى والقمرى ، فالله جل وعلا يقول : ( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) الانعام ). الشمس والقمر ( حسبانا ) أى بدوار القمر حول الأرض وبطواف الأرض حول الشمس يكون الحساب للشهور والسنين، بالتقويم القمرى وبالتقويم الشمسى .
هذا خطاب خوطب به العرب وقت نزول القرآن الكريم ، وهم الذين كانوا يعلمون الاهتداء بالنجوم فى أسفارهم وصحرائهم وسمائهم الصافية ، يقول جل وعلا يخاطبهم بما يعلمون فى الآية التالية : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الانعام ) ويكرر ذلك ويؤكده (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) النحل ). بل يقول رب العزة يخاطب خاتم النبيين عليهم جميعا السلام : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) الطور ) أى يأمره بالتسبيح بالليل وحين تدبر اى تختفى النجوم ، أى يخاطبه بثقافة معروفة فى عصره ، ثقافة تتعامل ـ ليس فقط مع التقويم القمرى ـ بل مع النجوم . وفى هذا السياق نقرأ قوله جل وعلا فى توقيتات فريضة التسبيح المنسية : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه ) ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) الروم ) (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) ق )
فى التأكيد على أنهم كانوا ( يعلمون ) هذه الايات الالهية فيما خلق الله جل وعلا نستشهد بالمزيد :
يقول جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يونس ). هنا تفصيل ( لقوم يعلمون) أن الله جل وعلا قد ( قدّر القمر منازل) ليعلموا وليتعلموا من خلاله عدد السنين والحساب بالتقويم القمرى. ويقول جل وعلا أيضا عن منازل القمر من المحاق الى الهلال الى البدر : ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) يس )، والعرب هم الذين إبتدعوا أسماء لمنازل القمر تدل على علمهم الدقيق بها . كما يقول عن التقويم الشمسى والقمرى : ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) الرحمن ) ، ويقول رب العزة :( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)الاسراء ). هذه آيات خوطب بها العرب الذين يعرفون التقويم القمرى وبه يتعاملون ويؤدون الحج والصيام . والشعر الجاهلى يتجلى فيه هذا العلم . وهناك إشارة للفارق الزمنى بين السنة القمرية والسنة الشمسية فى قوله جل وعلا : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (25)الكهف )، أى 300 سنة بالتقويم الشمسى أو 309 بالتقويم القمرى .
4 ــ التقويم الشمسى تتبعه الفصول الأربعة . ومن رحمة الله جل وعلا أنه لو كان الصيام بالتوقيت الشمسى لظل الصيام فى الشتاء فقط أو فى الصيف فقط أو الربيع فقط أو الخريف فقط ، وبدون تغيير . التقويم القمرى يجعل رمضان يحلُّ بتتابع زمنى دقيق فى كل فصول العام ، بما يُضاف الى التيسير الذى يصاحب تشريع الاسلام وتشريع الصيام على وجه الخصوص .
5 ـ ولا يقولنّ أحد أنه حدث مثل هذا الخلل فى تحديد بداية رمضان ونهايته فى الحضارة العربية . شهر رمضان كان يمثل مناسبة هامة ، يسجلها المؤرخون ، وتقام فيها الاحتفالات ، وإستحدثوا فى نهايته عيد الفطر . أى ليس شهرا منسيا . أضف الى ذلك معرفة العرب والأمم المفتوحة بالحساب الفلكى ، ثم شهرة علماء العرب والمسلمين فى هذا المجال بحيث أخذ عنهم الغرب. وذلك موضوع يطول شرحه لو دخلنا فى إسهام المسلمين والعرب فى علم الفلك ، وهو موضوع معترف به من الغربيين ، إذ كان العلماء العرب والمسلمون منارة للعالم وقتها ، هذا قبل أن يقضى الحنابلة على تلك الحركة العلمية ، وكل ما أسهم الحنابلة فى علم الفلك خرافاتهم بأن الشمس عندما تغرب تذهب لتسجد للرحمن و.. الحديث الملعون ( صوما لرؤيته )، الذى قام بتغييب الحساب الفلكى عن تحديد بداية ونهاية شهر رمضان .
أخيرا
نعيد تأكيد ما سبق : ظهرت مقولات حديثة تشكك فى التقويم القمرى والذى على أساسه يتم حساب شهر رمضان والأشهر الحُرُم وما كان يحدث من نسىء . ويصل القارىء المقتنع بهذا ــ الى الشك فى أن رمضان الذى نصومه ليس رمضان الحقيقى . هذه مقولات خاطئة تماما . ولو إفترضنا ــ جدلا ــ صحة هذه المقولات وإنه على سبيل الافتراض أن الناس صاموا شهر رجب على أنه شهر رمضان ، فالمستفاد مما سبق أن الله جل وعلا الغفور الرحيم لن يؤاخذهم ، طالما يصومون إبتغاء وجه الرحمن جل وعلا .
كل عام وأنتم بخير .

المقال الثانى
تمهيد :
سأل د . عثمان محمد على : ( ..هناك مجموعة بدا صوتها يرتفع ،وتُنادى بصيام رمضان فى آواخر شهر سبتمبر وتكملته فى إكتوبر وتحديدا بداية من 21- سبتمبر ،على اساس ان هذا هو توقيت شهر رمضان الصحيح من وجهة نظرهم .والسؤال هنا .هل يُعتبر صيامهم صحيحا ومقبولا وبديلا عن صيام شهر رمضان المتغير فى توقيته كل عام والمتعارف عليه عند المسلمين جميعا أم لا ،وهل هو نوع من الخروج على شرع الله ومواقيته فى صيام رمضان ؟؟ ).
أولا : نبدأ بالسؤال الأهم : هل يعتبر صيامهم صحيحا ؟ ونقول :
1 ـ نفترض أن شخصا ظل ثلاثين عاما محافظا على الصلاة ، ثم إكتشف أنه كان يصلى العصر قبل موعده ، أو أنه كان يصلى فى غير أتّجاه القبلة ؟ هل صلاته باطلة ؟ أقول : لا . لأن المقصد التشريعى من الصلاة وكل العبادات هو التقوى ( البقرة 21 ) ، والمطلوب هو إقامة الصلاة بالتقوى فيما بين الصلوات الخمس ، والخشوع فى تأدية الصلوات . ومن التقوى أن تعبد الله جل وعلا كما أمر ، وليس بما تهوى . لو وقعت فى خطأ فالله جل وعلا يغفر لمن يخطىء دون تعمد ، قال لنا ربنا جل وعلا : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (5) الاحزاب)
2 ـ فى تطبيق هذا على الصلاة : هناك من يزعم أن الصلوات ثلاث فقط ، ويجعل هذا محور دينه رافضا بكل قوة أن تكون الصلوات خمسا . هنا تعمد فى تغيير شرع الله جل وعلا . ولو فرضنا أن هناك إختلافا قديما فى موضوع الصلاة ، فلماذا لم يسأل أحدهم النبى عن عدد الصلوات ومواقيتها ؟ وقد كانوا يسألون النبى فى أشياء كثيرة ومتكررة ، وينتظر النبى حتى ينزل الوحى بالاجابة ، وهذا ما عرضنا له بالتفصيل فى كتاب ( القرآن وكفى .. ) . المضحك أن هؤلاء صمموا على أن الصلوات ثلاث فقط ، ولو كان عدد الصلوات قضية خلافية ، فيكون من الأسلم لهم أن يزيدوا عدد الصلوات فوق الخمس ، أن يجعلوها ـ مثلا ـ عشرا . ولكنهم جعلوها ثلاثا فقط ، وبعضهم أنكر الصلوات الخمس، بل وأنكر الفرائض مكتفيا بزعمه قراءة القرآن . يوم القيامة سيكونون فى مشكلة كبرى . هنا نتذكر قوله جل وعلا :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) فصلت).
3 ـ نفس الحال مع صيام رمضان . لنفترض أن شخصا ظل يصوم شهر رمضان ثلاثين عاما ، ثم تبين له أنه كان يصوم الشهر الخطأ . طالما كان يلتزم التقوى فى صيامه فالله جل وعلا يقبل صيامه ، وليس عليه مؤاخذة فى خطأ لم يتعمده . ولنفترض أن الصيام فى شهر رمضان هو قضية خلافية قديمة ، فمن الأسلم له أن يسير على الرأى الغالب لأنه المتواتر ، ولأنه المتفق مع القرآن الكريم ، فالله جل وعلا ذكر شهر رمضان بالتحديد فى الأمر بالصيام فيه ، وأنه الشهر الذى نزل فيه القرآن ، وأنه الشهر الذى فيه ليلة القدر . وهو شهر ينتمى الى التقويم العربى القمرى ـ ولا خلاف فى ذلك . الخروج عن هذا وصيام شهر فى التقويم الميلادى هو تعمد فى إختراع تشريع مخالف لتشريع الرحمن . لهم أن يصوموا تطوعا فى أى شهر بأى تقويم عربى قمرى أو ميلادى أو قبطى أو بابلى ..الخ . ولكن العبادات فى الاسلام تعتمد على التقويم القمرى ..وفقط .
4 ـ هذا يدخل بنا على موضوع التواتر . وقد عرضنا له فى مقال مستقل . التواتر معمول به طالما لا يناقض القرآن الكريم . تشريع القرآن الكريم نزل فى إصلاح ملة ابراهيم التى افسدها العرب وأهل الكتاب . كان هناك تحريف . والتحريف لا يعنى شطب الدين كله أو تبديله بالكامل ، ولكن يعنى تغييرا جزئيا ، وهذا ما حدث . هناك جزء ظل متواترا لا يخالف الأصل فى ملة ابراهيم ، وهناك تحريف حدث ، وإنصبّ أساسا على إخلاص الدين لرب العزة جل وعلا بتقديس البشر والحجر وإعتبار العبادات هدفا وليس وسيلة للتقوى ، أى تضييع الصلاة بإتباع الشهوات ( مريم 58 : 60 ). نزل القرآن الكريم يأمر النبى والعرب وأهل الكتاب بإتباع ملة ابراهيم حنيفا أى بإخلاص العبادة لرب العزة جل وعلا ، كما نزل بتشريعات جديدة فى الصلاة المتواترة مثل الطهارة وصلاة الخوف ، ومثل رُخصة الافطار فى رمضان ، وتيسرات فى الحج . ودعاهم رب العزة الى الاحتكام الى القرآن الكريم فى كل المتواتر الذى وجدوا عليه آباءهم ، فرفضوا تمسكا بهذا التحريف . المفهوم هنا أن المتواتر المتفق مع القرآن الكريم والذى لا يتناقض معه هو جزء من شرع الله جل وعلا . والمؤكد أن التشريع بشىء يخالف القرآن الكريم ينطبق عليه قوله جل وعلا : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) الشورى )
5 ـ جهل شيوخ الكهنوت الأرضى للمحمديين كان له تأثير قاتل على بعض من إختار القرآن وحده مصدرا للتشريع . إلشيوخ أجهل البشر بالقرآن الكريم ، وشعر بعض المنتسبين للقرآنيين أنهم أكثر علما بالقرآن من أولئك الشيوخ الرعاع الجاهلين . وهؤلاء المنتسبون للقرآنيين هم ( هُواة ) ليست لديهم خلفية علمية بحثية تؤهلهم للتدبر القرآنى ، بل لديهم الرغبة فى إثبات الذات ،وفى التفوق على رعاع الشيوخ ، من هنا جنحوا الى الهوى ، يبطلون شرائع الله القرآنية كنوع من التجديد . وقعوا بهذا ضحية للشيطان الذى لا ييأس من إضلال بنى آدم ، وهو القائل عنهم (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الاعراف ) .
6 ـ فى النهاية .. كل منا سيأتى يوم القيامة مسئولا عن عمله وإيمانه . ومن يؤمن بلقاء الله جل وعلا وباليوم الآخر عليه أن يجهّز من الآن حجّته .
ثانيا : التقاويم فى العالم حين نزل القرآن الكريم
1 ـ فى القرن السابع الميلادى وما بعده عرفت البشرية أنواعا مخنلفة من التقاويم ، منها التقويم القمرى والشمسى والمشترك بينهما ، والتقويم بالنجوم ، وتعرض بعضها للتعديل والتقويم .
2 ـ فى أقصى العالم عرفت حضارة المايا فى أمريكا التقويم ، وهذا قبل خمسة قرون من ميلاد المسيح ، وكان لهم تقويمان ، أحدهما علمانى والآخر دينى ، معتمدين على حساب النجوم . ولا يزال تقويمهم مبهرا حتى الآن .
3 ـ حول الجزيرة العربية وقبل نزول القرآن الكريم وبعده :
3 / 1 : فى وادى النيل كان للمصريين القدماء تقويمهم ضمن ملامح حضارتهم البالغة فى القدم . وهو تقويم شمسى إعتمدوا عليه فى الزراعة والحصاد وتنوع المناخ وفيضان النيل . وجرى تعديله بما يسمى بالتقويم القبطى ، إذ إعتنق المصريون المسيحية رافضين عبادة المبراطور الرومانى فإضطهدهم الامبراطور دقيلديانوس فاتخذ المصريون من بداية حكم دقيلديانوس بداية التقويم القبطى عام 284 م . وأسموه تاريخ الشهداء . لم يكن تقويما جديدا ، كان فقط التزاما بالتاريخ الفرعون المتوارث ولكن مع بداية جديدة له .
3 / 2 : فى الرافدين ظهر التقويم البابلى الذى كان يجمع بين التقويمين القمرى والشمسى ، وتبدأ فيه السنة بفصل الربيع . واستعمله الآشوريون والسوريان والاسرائيليون مع بعض تعديلات . ولا يزال أهل الشام يستعملون أسماء الأشهر البابلية ( آذار ـ تموز ، كانون ، أيلول .. الخ )
3 / 3 : التقويم الميلادى الشمسى ، وهو السائد الآن ، والذى تم تعديله ليبدأ من عام ميلاد المسيح ، وأنتشر وساد مع الامبراطوريات المسيحية الرومانية والرومية البيزنطية والأوربية .
3 / 4 : التقويم القمرى الذى أخذ به العرب منذ إعتناقهم ملة ابراهيم ، وقد أصبح التقويم الدينى لهم ، ولا يزال ، وكالعادة ، تم تعديله بأن يبدأ بالعام الذى هاجر فيه النبى محمد عليه السلام الى المدينة . فعل هذا عمر بن الخطاب ، حين أصبحت للعرب إمبراطورية بالفتوحات ، وتحتاج الى تدوين ، عمر بن الخطاب هو الذى أنشأ الدواين وأعتمد تاريخا موحدا بالهجرة وفق التقويم القمرى . والتدوين والدواوين تعنى تسجيل الأفراد ( من القبائل العربية ) وفرض (عطاء ) أو مرتب سنوى أو شهرى لهم ( وهذا يستدعى تأريخا ـ أى تقويما معتمدا موحدا ) ، التدوين والدواوين كانت تعنى أيضا تعدادا للسكان لفرض الجزية عليهم ، وبهذا تم تعداد لمصر ـ مثلا ـ وجرى فرض الجزية على الرجال القادرين على الكسب دون النساء والأطفال ورجال الدين ، كما جرى حصر الأراضى المزروعة وفرض الخراج السنوى عليها . وبالتالى أصبح التقويم العربى القمرى ليس فقط للعبادات بل أيضا لتسجيل إيرادات ومصروفات الامبراطورية منذ عصر الخلفاء ( الراشدين ) .
ثالثا : التقويم العربى القمرى فى حضارة العرب والمسلمين
1 ـ إنعكست أهمية التقويم القمرى فى الدنيا وفى الدين فى الحضارة العربية ( الاسلامية ) خصوصا فى تقدم علم الفلك ، وفى التسجيل التاريخى ( علم التاريخ ) الذى سبق به العرب بقية الأمم ، ونعنى به التاريخ الحولى ، الذى يعتمد على التأريخ للأحداث حسب العام أو الحول ، يغطّى أخبار العام بداية بأول شهر وبالأيام فيه التى تحدث فيه أحداث تاريخية ، وهكذا على مدار العام ، وما قبله وما بعده ، وقد شرحنا هذا فى باب ( دراسات تاريخية ) فى موقعنا أهل القرآن عن منهج الطبرى ، وفى كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ) . وسنعرض لهذا فيما بعد بتفصيل .
2 ـ وكما سبق العرب العالم فى علم التاريخ فقد أصبحوا أيضا أساتذة العالم فى العصور الوسطى فى علم الفلك .
3 : قبل أن يسيطر الفقهاء الحنابلة الجاهلون الذين صاغوا جهلهم فيما يعرف بالفقه والحديث والسُّنّة تقدمت الحضارة العربية فى الطب والهندسة والكيمياء والجغرافيا والرياضيات والفلك .
4 ـ ينتمى التقويم الى علم الفلك .
فى مجال الفلك بدأ العلماء العرب والمسلمون بدراسة آخر ما توصل اليه الهنود والفرس واليونان ، ومزجوا بينها ،مع أجتهاد مقبول سادوا به العالم فى عصرهم ، فأخذت عنهم أوربا حين بدأت نهضتها ، وإستفاد به المكتشفون الأوربيون . أصبحت دمشق وبغداد أهم مركزين فى العالم لعلوم الفلك ، وفيهما أنشأ المأمون مرصدين لقياس الأجرام السماوية . ومعروف أن المأمون كان مثقفا وكان خصما للفقهاء واصحاب الحديث .
5 ــ وفى مجال الفلك برز أعلام عرب ومسلمون على مستوى العالم ، منهم :
5 / 1 : الخوارزمى : مخترع علم الجبر ، ومنسوب اليه الخوازميات فى علم الفلك ، وهو صاحب كتاب ( زيج الهند ) وفيه جداول حركة الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة في ذلك الوقت.
5 / 2 : أحمد بن عبد الله المروزى ( نسبة الى مدينة مرو ) : له كتاب ( الأبعاد والأجرام ) ، وفيه قدّر قطر القمر ب 3037 كيلومتر ، وهو يقترب من التقدير الحالى . كان هذا بين عامى 825 : 835 ميلادية .
5 / 3 : أحمد بن كثير الفرغانى ( نسبة الى فرغان ) : ترجمت أوربا كتبه الى اللاتينية ، وفيها فى عام 850 ميلادية قدّر إلتواء مسيرة الشمس ومحيط الأرض .
5 / 4 : محمد بن جابر البتانى ( ت 853 ) : كتب جداول لمدارات الشمس والقمر وحساب أول ظهور للهلال وقياس طول السنة الشمسية والسنة الفلكية وتوقع الخسوف .
5 / 5 : وفى القرن العاشر الميلادى كتب عبد الرحمن بن عمر الصوفى ( صور الكواكب الثمانية والأربعين ) وفيه حدّد رصدا للنجوم ، فى مواقعها ودرجة سطوعها وألونها ورسومها في كوكباتها، وهو أول من رصد مجرة المرأة المسلسلة ، وهو أيضا أول من رصد ما يعرف الآن باسم سحابة ماجلان الكبرى .
5 / 6 : ابن يونس : رصد أكثر من عشرة آلاف مدخل لموقع الشمس مستعملا اسطرلابا كبيرا ،وبقيت ملاحظاته عن الخسوف مستعملة لقرون.
5 / 7 : وحسب الخجندى بدقة الميل المحورى.
5 / 8 ـ على بن رضوان الفلكى المصرى رصد عام 1006 أكثر النجوم سطوعا ، وترك وصفا مفصلا للنجم المؤقت حيث قال أن الجسم أكبر بحوالي ضعفين إلى ثلاثة أضعاف من كوكب الزهرة ، وأن له ربع سطوع القمر ، وأنه منخفض في الأفق الجنوبي .
5 / 9 : ولم يأخذ البيرونى بالنظرية السائدة فى أن الأرض هى محور الكون ، وقال أن الأرض تتحرك ، وفي عام 1031 أنهى البيروني موسوعته الفلكية الموسعة ( القانون المسعودى ) أورد فيه نتائجه وجداوله الفلكية. واكتشف أن المسافة بين الأرض والشمس أكبر من تقديرات بطليموس .
أخيرا :
1 ـ هذه بعض إشارات منقوله عن تقدم علم الفلك عند المسلمين ، وقد غطّى عليها السنيون بحديث كاذب عن رمضان يقول ( صوموا لرؤيته ) ، مع أن الواضح أن صيام رمضان كان بالحساب الفلكى الذى كان معروفا وقت نزول القرآن .
2 ـ الذى يهمنا أن التقويم القمرى كان معروفا ومألوفا ومعمولا به قبل وأثناء وبعد نزول القرآن الكريم ، ولهذا جاء الحديث فى القرآن الكريم عن شهر رمضان ، ونزل فى محيط ثقافى ، وفى بيئة كانت تصوم شهر رمضان قبل نزول القرآن الكريم بإعتبار الصوم فى رمضان أحد معالم ملة ابراهيم كالصلاة والحج . .
3 ـ وللحديث بقية .
المقال الثالث

التقويم القمرى أساس العبادات الاسلامية،ومنها صيام رمضان

أولا : الحج نموذجا للعبادة فى الأشهر الحُرُم القمرية :
1 ـ يعيش الانسان مُحاطا بالزمان والمكان . ولرب العزة جل وعلا (حرم ) زمانى هو الأشهر الأربعة الحرم بالتقويم القمرى، وله جل وعلا ( حرم ) مكانى هو الكعبة البيت الحرام فى مكة . قال جل وعلا : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) المائدة ). هنا البيت الحرام والشهر الحرام .
2 ـ الحرم الزمانى ( الأشهر الحرم ) وضعه الله جل وعلا مع خلق السماوات والأرض ليكون ( أمنا زمانيا ) للبشر يمتنعون فيه عن سفك الدماء والظلم ، قال جل وعلا :( ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) (36) التوبة ).
هو حرم زمانى ينبغى الامتناع فيه عن الظلم ، والعدوان الحربى ، إلا القتال الدفاعى فقط . قال جل وعلا : (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)البقرة ) . وعندما تساءل بعض الصحابة عن حكم القتال الدفاعى فى الأشهر الحرم نزل قول الله جل وعلا : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة )، فالقتال فى الشهر الحرام جرم كبير ، ولكن الصّدّ عن سبيل الله والكفر بالله جل وعلا والصّدّ عن المسجد الحرام وإخراج المؤمنين من مكة والبيت الحرام ـ جرم أكبر . لأن الفتنة ـ أى الاضطهاد الدينى ـ أكبر من القتل .
3 ـ الحرم المكانى ( البيت الحرام ) جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا ، ومن دخله كان (أى أصبح ) آمنا (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) 97 ) آل عمران ) . فالبيت الحرام هو أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس جميعا : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) آل عمران ) وهو البيت العتيق (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) الحج) ، وتشريع الأمن لا يشمل من يحج الى البيت فقط ، بل أيضا من يسير اليه وانعام الهدى التى معه والقلائد التى تميز حيوانات الهدى عن غيرها : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) المائدة )
4 ـ وكما أن الحرم الزمانى للناس كافة فكذلك البيت الحرام للناس كافة ، المقيم فى مكة أو من يقصد الحج يقطع البوادى ليصل الى البيت الحرام ، لذا يحرم صدُّ الناس عن الحج اليه أو حتى إرادة الظلم فيه : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج). الترحيب هو بالمؤمنين ظاهريا الملتزمين بالأمن والأمان والسلم والسلام ، لذا يحرم دخوله على الكافرين المعتدين حاملى السلاح لأنهم ( نجس ) بما يفعلون : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة )
5 ـ الحج الى البيت الحرام فرض على الناس كافة :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران ) وهذا هو تشريع الرحمن للبشر جميعا . وبالحج يمتزج الحرم الزمانى بالحرم المكانى ، إذ يكون الحج الى البيت الحرام فى ألشهر الحرام ، وبهذا يكون الاحرام الذى يكتمل بأن يلتزم الحاج بألّا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ، أى الدرجة العليا من التقوى . قال جل وعلا :(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة )
6 ـ هذه العالمية فى الحرم الزمانى والحرم المكانى وفى فرض الحج يعنى أن التقويم القمرى يجب العمل به فى تأدية فريضة الحج مع الالتزام بحُرمة الأشهر الحُرُم حتى فى البلاد التى لا تأخذ بالتقويم القمرى . ليس هذا فقط فيما يخص فريضة الحج . بل بفريضة الصوم فى شهر رمضان القمرى . وإذا كانت للسنة تقويمات قمرية وشمسية وبهما معا فإن التقويم القمرى هو مواقيت العبادة الاسلامية ، فى الحج وأيضا فى الصيام .
ثانيا : صوم رمضان بالتقويم القمرى :
1 ـ الحج من ملة ابراهيم توارثه العرب وأهل الكتاب منذ أن قال جل وعلا : ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج ).
2 ـ وأيضا فريضة الصوم فى رمضان ، قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)البقرة ) . فى الآية الكريمة تقرير بأن الصوم كان مفروضا بنفس الطريقة من قبل وفى نفس الشهر ، ووسيلة للتقوى . ثم نزلت الآية التالية بتشريعات جديدة لم تكن معروفة من قبل فى التيسير والأعذار المبيحة للفطر : ( أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)) وجاءت الآية التالية بتعظيم شهر رمضان ، شهر الصيام الذى نزل فيه القرآن : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة ).
3 ـ حين يخاطب الله جل وعلا العرب والبشر ذاكرا شهر رمضان فالمعنى أنه شهر معروف فى التقويم القمرى المعروف ، وأن الصيام فيه معروف قبل نزول القرآن الكريم . يكفى أن الله جل وعلا فى كل التفصيلات عن الصوم لم يحدد معنى الصوم لأنه معروف ، ولم يشرح ماهية شهر رمضان لأنه شهر معروف ومعلوم ، بل وصف أيامه بأنها ( أياما معدودات )، أى إعتاد الناس تعداد أيام شهر رمضان يوما يوما ، وهذا هو ما يحدث حتى الآن فى شهر رمضان ، وبهذا يتميز شهر رمضان عن بقية الأشهر .
4 ـ وجاءت إشارة الى ليلة القدر فى شهر رمضان ، وهى ليلة عالمية تتكرر مرة فى شهر رمضان ، تتنزل الملائكة فيها بالروح جبريل تحمل أقدار الناس من حتميات الميلاد والموت والرزق والمصائب ، قال جل وعلا : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5))القدر ). هذا يذكرنا بعالمية الحرم الزمانى والحرم المكانى ، وهذا أيضا بالتقويم القمرى العالمى .
ثالثا : التقويم القمرى فى بقية التشريعات الاسلامية
1 ـ واضح فى القرآن الكريم التركيز على التقويم القمرى أكثر ، فقد أشار الله جل وعلا للتقويم القمرى خصوصا فى قوله جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)يونس) . ذكر جل وعلا الشمس ، ولكن تحدث عن منازل القمر التى نتعلم منها عدد السنين والحساب . ما خلق الله جل وعلا هذا إلا بالحق.
2 ـ وعن الاهتداء بالنجوم ومعرفة التقويم الشمسى والقمرى قال جل وعلا :( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الانعام ) . جاءت هنا إشارة الى التقويم الشمسى مع القمرى والاسترشاد بالنجوم فى معرفة الطريق والوقت فى ظلمات الليل .
3 ـ وفى موضوع النجوم نتذكر مناخ شبه الجزيرة العربية الصحراوى بنجومه المتلألئة وسمائها الصافية ليلا ، وشمسها الحارقة نهارا ، وهذا يجعل العرب أصحاب معرفة بالنجوم يهتدون بها فى ظلمات الليل فى البر وفى البحر ، ثم هم أقرب الى تأمل القمر فى منازله ، وإتخاذه تقويما ، أكثر من غيرهم من سكان الوديان النهرية والتقلبات المناخية .
4 ـ يعزّز هذا أنهم سألوا النبى محمدا عليه السلام عن ( الأهلّة ) وسكت النبى كالعادة حتى نزل الوحى بالإجابة : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )(189) البقرة ). سألوه عن الأهلة ( جمع هلال ) أو ما نفهمه من منازل القمر ، والاجابة أنه مواقيت للناس فى شتى شئونهم وفى موعد الأشهر الحرم التى يكون فيها الحج للبيت الحرام . بالتالى فإن التقويم القمرى هو السائد والمعتمد فى العبادات .
رابعا : الخروج على التشريع الالهى :
1 ـ ما سبق هو الواجب المفروض الذى ينبغى أن يكون . ولكن الواقع يأتى بالعصيان . قريش كانت تصُدُّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وشوهت بعض معالم ملة ابراهيم ، وتلاعبت بالأشهر الخُرُم بالنسىء ، فإعتبره رب العزة زيادة فى الكفر:( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) التوبة ). هم لم يقوموا بإلغاء حُرمة الأشهر الحُرُم ، بل فقط التلاعب بها . قريش فى الفتوحات فى عصر الخلفاء إستحلوا قتل مئات الالوف فى قارات العالم الثلاث خلال الشهر الحُرُم وغيرها . وبهم تناسى الناس حُرمة الأشهر الحرم ، وحتى الآن . فهل توقفت حرب بين المسلمين مُراعاة للشهر الحرام ؟
2 ـ وقبيل موت النبى وبعد دخول النبى مكة سلميا ، قامت قريش بحركة ردّة ، نقضوا فيها العهد ، فنزلت سورة ( براءة ) تعطيهم مهلة الأشهر الحرم ليتوبوا : ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التوبة )
3 ـ قريش بعد موت النبى محمد عليه السلام إرتكبت جريمة الفتوحات ، إنتهكت فيها شرع الله جل وعلا المؤسس على السلام والعدل والاحسان والحرية وعدم الاكراه فى الدين . وعلى هامش هذه الخيانة العظمى لدين الله جل وعلا طرد عمر بن الخطاب أهل الكتاب من الجزيرة العربية ، وصدّهم عن الحج الى البيت الحرام ، وبتوالى القرون تركز فى الأذهان أن الحج ليس فريضة عالمية بل خاصة بما اصبح يعرف ب ( أُمّة محمد ) .
3 ـ كما قام عمر بن الخطاب بتغيير السنة القمرية التى كان يعرفها العرب ويجعلون مواقيتهم بها قبل ولادة هذا العمر بن الخطاب بقرون . قام عمر بوضع ما أسماه بالتقويم الهجرى ، وجعل السنة تبدأ بشهر محرم ( وهو ثانى الشهور الحُرُم ) بينما المفهوم من القرآن الكريم أن السنة القمرية تبدأ بشهر ذى الحجة ، لأن السنة القمرية لقبها ( حجّة ) بكسر الحاء . وكان هذا هو المعروف بقرون قبل نزول القرآن الكريم . ونتذكر أن الرجل الصالح قال لموسى عليه السلام : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) القصص ) . لم يقل ثمانية أعوام بل ( ثمانية حجج ) ، فالحجة تعنى عاما بالتقويم القمرى . والسنة القمرية تبدأ بذى الحجة فى بلاد العرب وما حولها وقبل نزول القرآن الكريم بقرون طويلة حيث إعتاد الناس الحج الى البيت الحرام ( أول بيت وُضع للناس / البيت العتيق ) تلبية لدعوة ابراهيم ، وفي شهر ذى الحجة يكون إفتتاح موسم الحج بأشهره الحرم الأربعة التى يمكن الحج خلالها، والتى كانت معلومة للعرب وقت نزول القرآن. هذا هو المفهوم من قوله جل وعلا :(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (197) البقرة ) وعن إبتداء السنة القمرية بذى الحجة وإفتتاح موسم الحج ب ( الحج الأكبر ) قال جل وعلا : (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ). تبدأ المهلة بأول ذى الحجة : الحج الأكبر، أول السنة القمرية ، وتستمر طيلة الأشهر الحرم الأربعة ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ )، وتنتهى بإنتهائها : (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(5) التوبة ) ، فالأشهر الحرم هى ذو الحجة ، محرم ، صفر ثم الرابع : ربيع الأول .
4 ـ على أن هذا التغيير فى بداية السنة القمرية لم يغير أسماء الأشهر فظلت كما هى ، وظل رمضان كما هو شهر الصيام . ولتميزه بالصيام وليلة القدر ظل شهرا متفردا فى حياة المسلمين ، وإنعكس هذا فى تاريخهم .
وللحديث بقية .
المقال الرابع

رمضان فى التاريخ الواقعى للمسلمين
مقدمة :
1 ـ الدليل الواقعى عن الصيام فى شهر رمضان العربى القمرى هو ما جاء فى التاريخ الحولى للمؤرخين العرب والمسلمين . التاريخ الحولى كان بمثابة جريدة تأتى بالأخبار من كل بلاد المسلمين مرتبة حسب الحول أو العام ، يبدأ بشهر محرم يسرد ما وقع فيه من أخبار مرتبة حسب الأيام ثم شهر صفر الى نهاية ذى الحجة . المؤرخ يسجل ليس كل الأحداث ، بل ما يصل الى علمه منها ، وهى غالبا حول الحكام والقادة ومشاهير الفقهاء واحوال الطقس ، ولا يلتفت الى الشخص العادى إلا إذا حديث له مصيبة تُجبر المؤرخ على الالتفات اليه . والعادة أن المؤرخ يتخذ من عاصمة الدولة مركز الأحداث ، فعل هذا ابن الجوزى فى العصر العباسى مع بغداد ، وفعل هذا المقريزى مع القاهرة فى الدولة المملوكية . عرضنا فى باب دراسات تاريخية لمنهج الطبرى فى التأريخ بإعتباره رائدا للمنهج الحولى ، ونشرنا فى نفس الباب مقالات عما حدث فى أيام رمضان من اليوم الأول الى يوم 30 ، مع اختلاف الزمان والمكان ، وكان بحثا شاقا رجعنا فيه الى أخبار شهر رمضان فى أشهر مصادر التاريخ الحولى ، وفى كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى ) حللنا المادة التاريخية لتاريخ ابن الصيرفى فى كتابه ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ) وكان مؤرخا معاصرا يكتب من واقع المشاهدة .
2 ـ العادة أن المؤرخ فى التاريخ الحولى ينقل التاريخ السابق ملخصا عن المؤرخين السابقين ، حتى إذا وصل بالتأريخ الى عصره أصبح هو العمدة الذى يعتمد عليه من يأتى بعده ، إذ هو ينقل شاهدا على عصره ، ينقل ما يراه وما يسمعه وما يصل الى علمه ، ولهذا تتسع الأجزاء الأخيرة من تاريخه ، كما حدث فى تاريخ المنتظم لابن الجوزى ، وتاريخ ابن كثير وتاريخ السلوك للمقريزى . وقد يقوم المؤرخ بالتأريخ لعصره فى كتاب خاص كما فعل ابن حجر فى تاريخه ( إنباء الغُمر بأبناء العمر ) و ابن الصيرفى فى تاريخه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) .
3 ـ وفى كل الأحوال فإن الحول أو الزمن هو أساس التأريخ الحولى ، وفى إطار الزمان أو الحول يتجول المؤرخ فى ( المكان ) يسجل أحداث عصره ، معبرا عن أحوال ( المسلمين ) من أقصى الشرق الى أقصى الغرب حسبما يصل اليه من أخبار .
4 ـ وفى هذا التاريخ الحولى كان لشهر رمضان وضع متميز بين بقية الأشهر ، حيث رؤية الهلال فيه ، وحيث كانت تجرى فيه ـ فى العصر المملوكى ـ حلقات ميعاد البخارى كل ليلة ، يحضرها السلطان أحيانا ، وكبار رجالات الدولة والقضاء الأربعة وكبار الفقهاء .
5 ـ بالإضافة الى ما كتبناه عن رمضان والتاريخ الحولى نقوم بجولة أخرى عن أخبار السابقين فى شهر رمضان .
أولا : رمضان فى العصر الفاطمى :
المقريزى هو أعظم مؤرخ فى العصور الوسطى ـ فى تقديرنا ، ولقد قام بتلخيص تاريخ الدولة الفاطمية فى كتابه ( إتعاظ الحنفا ..) نقلا عن مؤرخى العصر الفاطمى ، واشهرهم ( المسبحى ) . وسار المقريزى فى كتابه على المنهج الحولى . يقول عن الخليفة الحاكم بأمر الله الذى تولى 386 :
1 ـ أنه هو ( أبو علي منصور ابن العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعز لدينالله أبي تميم معد . ولد في القصر بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة في الساعة التاسعة الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب‏ ... وسُلّم عليه بالخلافة في الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة‏.‏وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة ... فوصل إلى القصر ... ودخله قبل صلاةالمغرب ) لاحظ الدقة فى تحديد الزمن .
2 ـ فى ( سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائه) : ( وفي يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر فجلس الحاكم يوم الخميس للهناء‏.‏ وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان وفي صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدم‏.‏) تاريخ ميلاد الطفل 10 رمضان عام 393 . وكان من العادة إقامة ( سماط ) أو وليمة كبرى فى رمضان .
3 ـ فى سنة ثمان وتسعين وثلثمائة: ( واستهل رمضان فحضر (أى الخليفة الحاكم ) الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد والقاضي مالك بن سعيد وجلس فوق القاضي عبد العزيز بن النعمان‏.‏ )
4 ـ فى سنة تسع وتسعين وثلثمائة : ( وفي رمضان قرئ سجل فيه : يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ويفطرون . وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون ، ويخمس في التكبيرعلى الجنائز المخمسون ولا يمنع من التربيع عليها المربعون ، يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ولا يؤذى من بها لا يؤذنون ، لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف والحالف منهم بما حلف ، لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد‏.‏)
5 ـ فى سنة أربع وأربعمائة: ( وفي رمضان صلى ( الخليفة الحاكم ) بالناس في الجوامع الأربعة‏:‏ جامع القاهرة والجامع خارج باب الفتوح وجامع عمرو وجامع راشدة ، وتصدق بأموال كثيرة ، ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس فقال‏:‏ " اللهم استجب منى في ابن عمي وولي عهدي والخليفة من بعدي عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين كما استجبت من موسى في أخيه هرون‏.‏" . وفي يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد فصلى بالجامع الأنورالجديد بباب الفتوح في موكب الخلافة ، ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد‏.‏) ‏.‏
6 ـ ( وفي السنة التي قتل فيها الحاكم( 404 ) : ( أشاع أنه يريد أن ينزل في أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام فمن أبى الأكل قتله‏.‏)
7 ــ تولى بعده إبنه الذى تلقب ب ( الظاهرلإعزاز دين الله) . يذكر المقريزى عنه : ( أبو الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور .. ومولده بالقصر من القاهرة على مضي ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة خمس وتسعين وثلمثائة . . وبويع بالخلافة في يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر . واتفق في هذا اليوم أن صلى للحاكم في خطبة العيد ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضي من المصلى ، فكان بين الدعاء في الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات ، ولم يتفق مثل ذلك‏.‏) لاحظ الدقة فى تحديد الزمن . .
ويقول عن وفاة الخليفة الظاهر : ( وتوفي ببستان الدكة خارج القاهرة في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام‏.‏ ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام كانت فيها قصص وأنباء‏.‏)
ثانيا : رمضان فى تاريخ ( المنتظم ) لابن الجوزى .
مات ابن الجوزى عام 597 ، وبدأ تاريخه ( المنتظم ) ينقل عن الطبرى ، ومن جاء بعد الطبرى ، حتى إذا وصل الى التأريخ لعصره كان هو المرجعية لمن جاء بعده ، خصوصا وقد اصبح فى أخريات حياته أشهر القّصّاص وأكثر الفقهاء الحنابلة تأليفا وتأثيرا . وفى الأجزاء الأخيرة من تاريخه ( المنتظم ) كان يسجل أعماله ومحاضراته والتى يقول إنه كان يحضرها فى بغداد آلاف مؤلفة .
نستشهد ببعض ما قاله عن أحداث شهر رمضان :
1 ـ عام 570 : ( وفـي يـوم الخميـس خامـس عشريـن شعبـان‏:‏ سلمـت اليّ المدرسة التي كانت دارًا لنظام الدين أبي نصـر بـن جهيـر ، وكانـت قـد وصلـت ملكيتهـا الـى الجهـة ( السيدة ) المسمـاة بنفشـة ، فجعلتها مدرسة ، وسلمتها إلي أبـي جعفـر ابـن الصبـاغ ، فبقـي المفتـاح معـه ايامـًا ،ثـم استعـادت منـه المفتـاح وسلمته اليّ من غير طلب كـان منـي ، وكتـب فـي كتـاب الوقـف انهـا وقـف علـى اصحـاب احمـد . وتقـدم إلىّ يوم الخميس المذكور بذكر الحرس فيها ، فحضر قاضي القضاة وحاجب الباب وفقهاء بغداد ، وخُلعت عليّ خلعـة وخرج الدعـاة بيـن يـديّ والخـدم ، ووقـف اهـل بغـداد مـن بـاب النوبـي الـى بـاب المدرسـة ، كمـا يكـون فـي العيد واكثر ، وكان على باب المدرسة الوف والزحام على الباب . فلما جلستُ لإلقاء الدرس عُـرض كتـاب الوقـف علـى قاضـي القضـاة وهـو حاضر مع الجماعة فقرىء عليهم وحكم به وانفذه. وذكرتُ بعد ذلك الدرس ، فألقيتُ يومئذ دروس كثيرة من الاصول والفروع ، وكان يومًا مشهودًا .. وتقـدم ببنـاء دكـة لنا في جامع القصر في آخر شعبان ، فانزعج لهذا جماعة من الاكابر ، وقالوا :" ما جرت عادة للحنابلة بدكة ." فبُنيت ، وجلستُ فيها يوم الجمعة ثالث رمضان. ودل بعض فقهاء أبي حنيفـة في الافطار بالأكل ، واعترضت عليه يومئذ ، وازدحم العوام حتى امتلأ صحن الجامع ، ولم يمكـن للأكثريـن وصـول الينـا . وحفظ الناس بالرجالة خوفًا من فتنة ، وما زال الزحام على حلقتنا كل جمعـة ، وكانـت ختمتنـا فـي المدرسـة ليلـة سبـع وعشريـن ، فعلـق فيهـا مـن الاضـواء ما لا يحصى ، واجتمع من الناس ألوف كثيرة فكانت ليلة مشهودة . ). ابن الجوزى يحكى هذا عن نفسه فى تاريخه ( المنتظم ).
2 ـ ( ثم دخلت احدى وسبعين وخمسمائة ) ( وفـي يـوم الجمعـة رابـع عشـر شعبـان‏:‏ حُملـت الـىّ طريفـة قـد بعثت الى أمير المؤمنين من قرية قريبة مـن بغـداد ، يقـال لهـا الوقـت ، وهـي بقرتـان قـد ولدتـا برأسيـن ورقبتين واربع ايدي وبطن واحد وفرج .
وفـي رمضـان‏:‏ كُتـب علـى حائـط المدرسـة التـي وقفتهـا الجهة (أى السيدة ) وسلمتها اليّ بخط القطاع في الاجر: ( وقفت هذه المدرسة الميمونة الجهة ( السيدة ) المعظمة الشريفة الرحيمة بدار الرواشني في ايام سيدنا ومولانا الامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين على اصحاب الامام احمد بن حنبل وفوضت التدريـس بهـا الـى ناصـر السنة ابى الفرج ابن الجوزي . ) . وما زالت المجالس تحت المنظرة بباب بدر الى آخر رمضان .
وكان في آخر رمضان قبل مجلسنا هناك بيوم قد انزعج البلد ولبس السلاح فاختلفت الاراجيف فانقشع الامر ان أمير المؤمنين اصابته صفراء من الصوم ، فتكلمت تحـت المنظـرة ، فسكـن البلـد ، فحدثنـي مـن يلوذ بخدمة أمير المؤمنين قال : (حضر يومئذ الإمام عندك المجلس متحاملًا ولولا شدة حبه لك لما حضر لما كان اعتراه من الالم ) . وحدثني صاحب المخزن قال : ( كتبـت الـى أميـر المؤمنيـن فـي كلام كنـت ذكرتـه هل وقع ما ذكره فلان بالغرض فكتب أمير المؤمنين ما على ما ذكره فلان مزيد‏.‏
وفـي بكـرة الجمعـة سابـع عشريـن رمضان كسفت الشمس اول وقت الضحى وبقيت ساعة حتى تجلت‏.‏ )
3 ـ ( ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة :
فمن الحوادث فيها انه تقدم اليّ بالكلام تحت منظرة الخليفة بباب بدر ، فتكلمت يوم الاحد ثاني المحرم ، وحضرأمير المؤمنيـن . ثـم تكلمـت هنـاك يـوم عاشـرراء ، فامتـلأ المكـان من وقت السحر، فطلع الفجر وليس لأحد طريـق ، فرجـع النـاس ، وامتلأت الطـرق بالنـاس أقيامـًا يتأسفون على فوت الحضور ، وقام من يتظلم في المجلس ، فبعث أمير المؤمنين في الحال من كشف ظلامته‏.‏ صرفت ابنتي رابعة ليلة الاربعاء ثاني عشر المحرم الى زوجها ، وكان زفافها في دار الجهة ( السيدة ) المعظمة في ثرب الحواب ، واحضرت الجهة ( السيدة ) وذلك بعد أن جهزتها الجهة ( السيدة ) بمال كثير ‏..)
( وفـي يـوم الاثنيـن حادى عشـر رمضان‏:‏ تقدم اليّ بالجلوس في دار ظهير الدين صاحب المخزن ، وحضـر اميـر المؤمنيـن ، واُذن للعـوام فـي الدخـول ، فتكلمـت ، وأعجبهـم حتـى قـال لـي ظهيـر الديـن : ( قد قال امير المؤمنين ما كأن هذا الرجل آدمي لما يقدر عليه من الكلام.).
ومما جرى بعد النصف من رمضان ان رجلا من التجار باع متاعا له بألف دينار وترك المال في خـان انبار، وجـاء الـى بيتـه ، وليـس معـه فـي الـدار إلاَّ مملـوك لـه اسـود قـد اشتـراه قبـل ذلـك بأيـام ، فقـام المملـوك فـي الليـل فضربـه بسكيـن فـي فـؤاده ، وأخـذ المفتـاح ، ومضـى الـى الخـان ..، فطـرق بـاب الخـان ، فقالـت " الخانيـة مـن انـت ؟ " قـال : انـا غلام فلان قـد بعـث بي لآخذ له شيئًا من الخان انبار ، فقالت : " والله مـا افتـح لـك حتـى يجـيء مولاك . " فرجـع ليأخـذ ما في البيت ، فاتفق ان حارس الدرب سمع صيحة الرجل وقت ان ضرب بالسكين ، فأمسك الغلام وبقي مولاه في الحياة يومين، فوصى بقتل الغلام بعده ، فصُلب المملوك بالرحبة بعد موت مولاه .
يوم الخميس حادي عشرين رمضان :
واخذ مملوك اخر لبعض التجار من سيده الف دينار، وهرب ، فلم يسمع له خبر‏.‏ وجـاء حـرُّ شديـد بعـد نصـف رمضـان ، فكـان ذلـك في آذار ، فبقى اسبوعا على مثل حرّ حزيران أو اشد ، فأخبر المشايخ انهم ما رأوا مثل هذا في هذا الوقت . ثم عاد الزمان الى عادته‏.‏ وحدثني طلحة بن مظفر العلثي الفقيه انه ولد عندهم بالعلث في رمضان مولود لستة اشهر فخرج له اربعة اضراس‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن خامـس عشريـن رمضـان‏:‏ تقـدم بجلوسـي فـي دارصاحـب المخـزن ، فجلست ، وحضر اميـر المؤمنيـن ، واُذن للعـوام فـي الدخـول ، فتكلمـت بعـد العصـر الـى المغـرب ، وبتنـا فـي الدارتلـك الليلـة مع جماعة من الفقهاء ، فجرت مناظرات الى نصف الليل‏.‏)
4 ـ ( ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة )
( وفي بكرة السبت خامـس رمضـان‏:‏ تقدم بجلوسـي فـي دار صاحـب الـنعم ، وازدحم الناس حتى غلق الباب . )
4 ـ ( ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة )
( فمن الحوادث فيها : أنه كان مفتتحها الثلاثاء، فتقدم إليّ بالكلام تحت منظرة باب بدر، فتكلمتُ بكرة ، وحضر أمير المؤمنيـن . )
( وتكلمـتُ يـوم السبـت مفتتـح رمضان في مدرستي بدرب دينار ، فكان الزحام خارجًا عن الحد ، حتى غلق الأبواب ، وقصصت ثلاثين طائلة ، وتاب خلق من المفسدين‏.‏.. وجاء رجل إلى بغداد في رمضان فذكر أنه يضـرب بالسيف والسكين فلا يعمل فيه ، ولكن ذكروا أن ذلك سيفه وسكينه خاصة وكان يقول لهم أنا مشعبذ‏.‏
وفـي ليلـة الجمعـة رابع عشرين رمضان‏:‏ كبس بالكرخ على رجل يقال له أبا السعادات ابن قرايا ، كـان ينشد على الدكاكين ، ويقال إنه كان يذكر على العوني وغيره من الرفض ، فوجدوا عنده كتبًا كثيرة فيها سب الصحابة وتلقيفهم ، فأخذ فقطع لسانه بكرة الجمعة ، وقطعت يده ، ثم حط إلى الشـط ليحمـل إلـى المارستـان ، فضربـه العـوام بالآجـر فـي الطريـق ، فهـرب إلـى الشط فجعل يسبح وهم يضربونه حتى مات ، ثم أخرجوه وأحرقوه ثم رمي باقيه إلى الماء فطفا بعد أيام فقالت العامة مارضيته السمك .. ) .. حدث هذا فى رمضان ..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ..!! ‏
ثالثا : فى تاريخ السلوك للمقريزى :
نختار مقتطفات من تأريخه لعام 843 ، حيث كان المقريزى شاهدا على العصر :
( شهر رمضان، أهل بيوم الجمعة:
1 ـ والقمح بثلاثمائة وثلاثين درهمًا الأردب، والبطة من الدقيق بمائة عشرة دراهم، والخيول مرتبطة على البراسيم، وقد بلغ الفدان البرسيم زيادة على ألفي درهم، وقلّ وجود اللحم من الضأن بالأسواق عدة أيام في هذا الشهر، ولم يكد يوجد السمن ولا عسل النحل، هذا مع علو النيل وطول مكثه. ..
2 ـ وفي حادي عشره: رسم بعزل معين الدين عبد اللطف بن شرف الدين أبى بكر الأشقر من كتابة السر بحلب، وأضيفت لإبن السفاح مع نظر الجيش، على مبلغ ستة آلاف دينار يقوم بحملها.
3 ـ وفي ثامن عشره: رسم لوالى القاهرة أن يستخدم مائة ماش يسعون في ركابه، وبين يديه إذا ركب، ونودي بألا يخرج أحد من المماليك السلطانية بالليل، وكانت الإشاعة بين الناس قد قويت بإختلاف أهل الدولة. ....
4 ــ وفي هذا الشهر: خُتمت قراءة صحيح البخاري بالقصر من قلعة الجبل بحضرة السلطان، وخلع على قضاة القضاة الأربع، ومشايخ العلم الحاضرين، وفرقت صُرر الدراهم في جميع من حضر، وزادت عدتهم في هذه السنة عن عدة الحاضرين عن السنين الماضية زيادة كبيره .
5 ـ وفي ثامن عشرينه: خُلع على الأمير علاء الدين على بن محمد بن الطبلاوي والي القاهرة كان ( أى الذى كان مدير أمن القاهرة ) ، وإستقر نقيب الجيش، بعد موت ناصر الدين محمد أمير طبر. ..
6. ومات الأمير قطج الناصري في يوم الإثنين ثامن عشر شهر رمضان، وهو أحد المماليك الناصرية فرج، ترقي في الخدم حتى صار من الأمراء مقدمي الألوف ثم أخرج إلى الشام ، فتنقل في إمريات بحلب ودمشق، ثم قدم القاهرة ووُعد بإمرة، فلم تطل إقامته حتى مات، وترك مالاً جزيلاً، وكان من الشح المفرط والطمع الزائد في غاية يستحي من ذكرها. ومات الأمير ناصر الدين محمد أمير طبر ونقيب الجيش، ليلة الخميس ثامن عشرين رمضان، وكان مشكوراً.)
رابعا :الجبرتى : تاريخ (عجائب الآثار )
( شهر رمضان بيوم الأحد 1236 )
( وعملت الرؤية في تلك الليلة كالعادة ، وركب فيها مشايخ الحرف والمحتسب وأثبتوا رؤية الهلال تلك الليلة بعد مضي أربع ساعات من الليل ، ولم يحصل فيه من الحوادث غير تغالي الأثمان وتعاليها بسوء فعل السوقة وإظهار رديء المأكولات وإخفاء جيدها وقد انقضى بخير‏.‏
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة 1236 . في ثالثه : حضرت هجانة من أراضي نجد وبصحبتهم أشخاص من كبار الوهابية مقيدون على الجمال ، وهم عمر بن عبد العزيز وأولاده وأبناء عمه ... )
أخيرا :
هل نقوم بإلغاء هذا التاريخ الحولى الذى إستمر من عصر الطبرى الى عصر الجبرتى لأنه ذكر حياة الناس فى شهر رمضان القمرى ؟ وهل نتهمهم جميعا بالغباء لأنهم لم يتبعوا التأريخ الميلادى فى صوم ( رمضان ) بينما هم اصلا لم يعرفوا التقويم الميلادى ؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت