العبودية الذهنية...الداءُ والدواء.

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 3 / 10

هذا الضرب من العبودية أحط ضروبها وأرذلها، لأن الضحايا يقعون في شباكه إما باختيارهم أو لظروف أرغمتهم على قبول استعبادهم. ولكن لماذا يقبل الناس بالعبودية بغض النظر عن الأسباب، على الرغم من أنهم وُلدوا احرارًا، والإنسان مفطور على الحرية لأنها طبيعة بشرية متأصلة في الذات والوجدان؟!
في مطلق الأحوال، كي يقبل الإنسان بالعبودية، لا بد من ترياق قوي التأثير يُصَيِّرُ تنازل الإنسان عن حريته كما لو أنه قضاء وقدر لا فكاك منه، أو "حق إلهي" للمُسْتَعْبِد يُثاب المُسْتَعْبَدُ عليه ويُؤجَر. هنا، يحضر الدين، وعلى وجه أخص، بفهمه القروسطي المتحجر، كما هو سائد في مجتمعاتنا العربية والعديد من الدول الاسلامية. هذا الفهم، يحصر العلاقة بين المطلق المتعالي والإنسان، في بُعد العبودية المتجسد في ثنائية أعلى أدنى. على هذه الأرضية تُنثر بذور العبودية في النفس البشرية، وتكون قابلة ل"الإنماء" و"الإثمار" من قِبل كل قادر على رش تربتها برذاذ الاستعباد. يقول السياسي والفيلسوف الإيطالي ميكيافيلي، الذي عاش في القرنين الخامس والسادس عشرعندما كانت سطوة الكنيسة ورجال الدين في أوروبا في أوجها:"الدين عنصر أساس لدى الحكومات ليس لنشر الفضيلة، ولكن للسيطرة على الناس. فالسلطة الملكية تستعمل رجال الدين لاقناع المواطن بخرافة الحق الإلهي للعائلة الملكية القادم من السماء السابعة، كما توظف الخطاب الديني لأجل التحكم في الغضب الجماهيري وانتهاج سياسة الإلهاء والتفرقة". ويوظف الدين حتى اليوم، كما هو معلوم في خدمة الاستبداد، من خلال فتاوى تخدم حكم الفرد المطلق وتعضده، من نمط "تحريم الخروج عن طاعة ولي الأمر"، ورمي الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي بما يشحن النفوس المُخَدَّرة باللامعقول بردود فعل سلبية عدائية تبني حواجز صد نفسية تعاين كل شيء بمنظور الحلال والحرام. فالديمقراطية هنا، "رجس من عمل الشيطان"، و"نظام حكم وضعي بشري يستند إلى أغلبية العوام"، يُضاف إلى ذلك وصم الديمقراطية بأنها "بضاعة غربية مستوردة".
لا خيار أمام الإنسان في علاقته بالدين سوى واحد من اثنين: إما أن يسيطر الإنسان على الدين أو يسيطر الدين على الإنسان. المقصود بسيطرة الإنسان على الدين، فهمه علميًّا في سياقاته التاريخية بأبعادها المادية والاجتماعية والثقافية. في هذه الحالة، يكون العقل والعلم معياري الفهم والحكم والقرار بشروط العصر وتحولاته. أما سيطرة الدين على الإنسان، فتعني في أخطر ما تعنيه انتزاع نصوصه من سياقاتها الزمكانية والتعامل معها كما لو أنها تتعالى على التاريخ وعابرة للمراحل وفوق الخبرة الإنسانية. هنا، يختار العقل المعني "طائعًا" القبوع في زمن ظهور الدين، أي القرون الوسطى أو ما قبلها حتى، بكل ما يترتب على ذلك من أنماط تفكير متخلفة عن حركة الحياة ومستجداتها. في وضع كهذا، اختار الإنسان أن يتمحور عقله حول النص الديني مُنتزعًا من سياقاته التاريخية، ينطلق منه ويعود إليه في كل صغيرة وكبيرة. ولما كانت "النَّصيَّة" منهجًا مناسبًا للاستبداد، كما يُعلمنا التاريخ، فمن السهل على الطُّغاة والمستبدين استعباد ذوي العقول المتمحورة حول النص الديني بتأويل هذا النص حمَّال الأوجه، في هذا الاتجاه.
في سياق صراع الإنسانية مع الاستعباد والاستبداد، نشير إلى مفكر أوروبي آخر مجايل لميكيافيلي، هو الفرنسي ايتيان دو لابويسي، وقد عاش في القرن السادس عشر، ووضع كتابًا عام 1548، ما يزال يُصنف ضمن أفضل المؤلفات بخصوص ما نحن بصدده، عنوانه "العبودية المختارة". لندع المؤلف يتكلم، ونرجح أن كثيرين ممن سيقرأون سطورنا هذه سيلتبس عليهم الأمر. فقد يذهب بهم الظن، وليس كل الظن إثم بالمناسبة، إلى أن دو لابويسي يتحدث عن واقعنا نحن العرب في القرن 21، وليس عن وطنه فرنسا في زمن غَبَر تميز بالظلم والاستبداد واخضاع الناس لحكم الفرد المطلق. يضيء دو لابويسي في كتابه على نظام العلاقات الاجتماعية والدواعي النفسية الموطِّدة للظلم والطغيان، والرافدة للطاعة والعبودية. يرى دو لابويسي أن الخوف أول أسباب الإذعان. ومن البديهي أنه أينما يكون الخوف، ثمة سلطة استبدادية. على هذا الأساس يقسم الشعوب إلى متحررة وأخرى لديها قابلية الاستسلام للطغيان والتكيف معه. من هذا المنطلق، يقول:"ليس هناك حق طبيعي في حكم الناس واخضاعهم، والسلطة ليست أمرًا طبيعيًّا، يفرضها الوجود ويوجب الطاعة والخنوع". لذا، فإن الإنسان برأيه "يمكن أن يتمرد على الظلم والطغيان، ليسترجع حريته، لكنه قد يخضع في حقب طويلة للذل والاستعباد، لأن ذات الإنسان مضطربة، تتجاذبها نزعات متناقضة بين الحرية والعبودية".
ويضيف لابويسي:"حينما يتحول الحاكم إلى طاغية فإن ما في المملكة من شر ومن حثالة يجتمعون من حوله ويمدونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة...وحين أتفكر في هؤلاء الناس، الذين يتملقون الطاغية، من أجل أن ينتفعوا بطغيانه وبعبودية الشعب، يتولاني الذهول حيال شرهم، بقدر ما تنتابني الشفقة حيال غبائهم، فهل يعني تقرب المرء من الطاغية في الحقيقة شيئًا آخر سوى ابتعاده عن الحرية واحتضانها بالذراعين؟!. ويتابع:"من هنا يرتمي الإنسان كليًّا في أحضان عبوديته. فإذا ما التقى الأشرار فإنهم لا يؤلفون مجتمعًا بل مؤامرة، وهم لا يتحابون بل يخشى بعضهم بعضًا، وليسوا أصدقاء بل متوطئون".
ولا يترك لابويسي الطاغية نفسه في مكان معتم بلا إضاءة، إذ يقول:"الحاكم الطاغي ليس سيد نفسه، بل سجين طغيانه ولا يستطيع التحرر من سجنه. فلا يمكن أن يغير من سلوكه". فالحاكم الحر برأيه، لا يمكن أن يستعبد شعبه، إلا إذا كان يعيش حالة الاستعباد ذاته. فهو شخص غير طبيعي في خوف دائم من شعبه، يلجأ إلى الترهيب والعنف لقمع الاحتجاجات والتمردات، ويسعى إلى تقوية سلطته بالقوة والحِيَلِ والكذب والإعلام الفاسد والمهرجانات المنحطة والحفلات الشعبية السخيفة، لتخدير الناس وتنويمهم. ويعيش عزلة دائمة عن الناس...يمتاز سلوكه بالتعالي والاستعلاء، ويحث الناس على تقديسه والركوع له وعبادته. فهو فوق القانون وفوق التاريخ، ولا يمكن محاسبته أو مساءلته وكأنه يسمو فوق البشر".
يؤكد لابويسي أن الشعوب هي التي تصنع طواغيتها، ولهذا يذهب إلى أن ثنائية "الطاعة – السيطرة" هي الناظم الرئيس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في واقع الأمم المنغمسة في وحل العبودية. ولا يوجد حكام مسيطرون حيث لا يوجد عبيد مطيعون. على هذه الأرضية تأسست قولته المومأ اليها قبل قليل:"الشعوب هي التي تصنع طواغيتها". ويرى لابويسي أن الدين والخرافات يخدمان العبودية الطوعية، كأداة في يد السلطة للإستئثار بالحكم. وكمدخل للحل الذي يراه لابويسي في كيفية التخلص من العبودية، يشير إلى ما يسميه "المواطن المستقر"، بمعنى الفرد الراضي بطمأنينة البؤس بدل مغامرة الرفاهية، وبعسل العبودية المر على حنظل الحرية الحلو". لذا نراه يحث "أُمة الغرب" في زمنه على أن تتعلم غرس ثقافة الحرية في نفوس أبنائها، لتحقق الأجيال الصاعدة ما عجز عنه آباؤهم". ويبدو أن أُمة الغرب قد سمعت لهذا المفكر الفذ وقَدَّرَته حق قدره واحترمته، بأن قرأت ما كتب من أجلها وفهمته، ثم ترجمته أفعالًا على الأرض. ورغم سطوة الكنيسة ورجال الدين آنذاك، لم يرجمه أحد بالكفر ولم يُلاحق بالزندقة والإلحاد والمروق والهرطقة، وغيرها من مصطلحات ثقافة القرون الوسطى.
لا يدعو لابويسي إلى العنف في مواجهة الطغاة المستبدين، ولا إلى مقاومتهم بالسلاح، بل بأسلوب آخر مختلف. الحل برأيه:" أن يتوقف الناس عن دعم الحاكم الطاغي، وعن التواطؤ معه، وأن يتوقفوا عن خيانة أنفسهم، فهو يحاربهم بأموالهم وأبنائهم...إذا تخلت الشعوب عن خدمة الطاغية، يقول دو لابويسي، تصبح متحررة...الطغاة كلما نهبوا وكلما زاد الاغداق عليهم، تشتد سطوتهم...أما إن لم يُعطوا شيئًا ولم تُقدم لهم فروض الطاعة، فإنهم ومن غير قتال أو توجيه ضربات، سيلبثون مجردين مسحوقين ولا يبقى لهم من كيان. فحالهم كحال الغصن في الشجرة، حين تنقطع عنه العصارة التي تغذيه، يجف ويموت". ويبرر لابويسي هذا الموقف بالقول إن الطغيان لا ينتهي بموت الحاكم الطاغي أو اغتياله، كونه يرتكز أساسًا على نظام اجتماعي متراتب المستويات، كل مستوى مترابط مصلحيًّا بالمستوى الأعلى منه. من هنا، يواصل لابويسي كلامه في السياق ذاته، قائلًا:"إن مجرد الرغبة بالتغيير تُعطي اُكُلها...احزموا أمركم فقط على التخلص من الخنوع وها أنتم أحرار". ويعتقد بضرورة العصيان المدني والثورة السلمية لتفكيك البنى الاجتماعية التي يرتكز عليها الطغيان السياسي. وهذا يصعب تأتيه من دون تغيير مستوى الوعي السياسي للتخلص من الطغيان واستعادة الحرية المفقودة.
ولنا أن نتصور مستوى قوة الفكر التنويري في فرنسا وأوروبا بعامة، قبل خمسمئة سنة من اليوم. لذا، أمكن له أن يتحول إلى رافعة للتقدم بعد أن أخرج القوم من ظلمات القرون الوسطى إلى فضاءات العقل والعلم والديمقراطية.
أما أنت عزيزنا القارئ، وبناءً على ما بسطنا من قبسات للمفكر الفرنسي ايتيان دو لابويسي بقدر ما يسع مقالة صحفية احتماله، عن واقع أوروبا في القرن السادس عشر، فما نسبة التشابه برأيك بين حاضرنا نحن العرب وبين ما كانوا عليه قبل خمسمئة سنة؟!!!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت