حوار في الفكر الانساني المشرقي:الرعاع بين القلق والتلف.

مظهر محمد صالح
2024 / 3 / 9

في ظلمة الفجر ربما تختفي آخر معركة عمياء ظلت تتقلب في طابور يوم مضى قضيناه بين القلق والتلف .وكانما نقاتل في نومنا اولئك الرعاع ممن امسكوا باركان الحياة الاربعة : القوة والضعف والفرص والتحديات. انه هدير صامت يلامس يقظة الصباح لتطل معالم الدنيا علينا بفجر لاهب.
هنا في بلاد المشرق العربي ينذرنا اكثر من عقل مفكر بان لا نكون فريسة لقهر معذب قوامه (القلق ) ثم يتبعه ( التلف) ليحصد ثماره ( الرعاع) ، والضحايا بلاشك هم مازالوا خلف قضبان ابواب نومهم الموصدة .فالجدية المثالية واجبة ولكن يحمل مفاتيح الحكمة فيها قادة الفكر والعقل كي تخفت الظلمة ،وتتهافت تحت اشراقات الوعي جل مخاوفنا وهمومنا .
فالمفكر حسين العادلي ، يطرق بقوة ضياء الشمس أبواب (القَلَق ) بمفارقة فكرية جادة شخصت بحق سايكولوجيا اجتماعيات الانسان والسلطة التي تبنى على القَلق قائلاً فيها:

• مَن لا يَلسَعه لَظَى (القَلق) لن يتَلَذذ بِبَردِ (السَّكينة)!!

• إن مَلَكَكَ القَلَق (أشَلَّك)، وإن مَلَكته (قَوَّمَك).

• (العَقل) الذي لا يَقلَق خَشَبة، (النَّفس) التي لا تَقلَق جُثَّة.

• (القَلَق)، أوّله الهَاجِس، وأوسَطه الهَمّ، وآخِره الإضطِراب.

• إن كان كلّ شيءٍ مَدعَاة للقَلق استَحالت الدُّنيا جَحيماً. (إقلَق) وفقَاً للأهميَة والاستِحقاق.

• مَن (يَقلَق) لسَفَاسِف الأمور، فَرَّطَ في مَعاليها.

• (المُفَكِّر) يَبيع القَلَق، السِّياسيّ يتَلاعب بالقَلَق، و(الحَاكِم) يشتَري القَلَق!!

• قَلَق (السِّياسِيّ) الوصُول للسُْلطَة، قَلَق (الحَاكِم) مغَادَرة السُْلطَة، وقَلَق (الشَْعب) أدَاء السُّلطَة!!
وهكذا لم اجد في السماء قبل ان غادر آخر الظلام وانا اتلمس (حكمة الشرق ) في مفارقة ( القلق) لاحدث نفسي متذكرا ًالقلق ، حينما رافقني في يوم ما قبل نصف قرن انسان بات متمرساً في ادارة عالمه الخاص الذي ركائزه واعمدته ويوميات تعاملاته قد بنيت على (القلق ). فازاء حوادث او قضايا ،كلما تصاغر حجمها ، اتسع قلقه ليدخل في عالم فضاءه الواسع لياخذ القلق متسلقاً تعاريج مكانه بشكل مريح ، ما يجعلنا في أتون معركة وشيكة الحدوث وجحيم انساني لايطاق ليخيف كل من حوله بالقادم المجهول .
و ظلت تصرفات ذلك الشخص وكلماته لاتخلو من إطلاقات مغلفة بالهم والياس وفقدان الثقة واستحالة بلوغ الأهداف.
كما تجده من فورك ، وانت تتحدث اليه ،انه يتقلب في صعوبة التركيز أو اتخاذ القرارات .
وتراه احياناً منهمكاً في جو من الشعور بالغضب وان نصفه الايمن لايدرك نصفه الايسر وهما في غليان وبلونين مختلفين ،بين غضب عارم وتساؤل مبهم ، محدثاً نفسه بهما دون نهايات تذكر.
وهو لا يغادر حالة الشعور بالغثيان أو
التعرق أو الارتعاش أو الاهتزاز لتتشكل فيها شخصيته العامة بشكل متواتر.
ويقال ان منزله هو الاخر في جحيم لمشكلة مزمنة تواجهه في النوم وارق ازلي يوقد نيران
الشعور بالخطر الوشيك لديه وهو يتقلب بين الذعر والهلاك الذي (يقلق ) خوفاً ان يداهمه حالاً ،ربما يدرك انه قادم من عالم هيلامي مجهول الهوية.
ثم لم تمضِ سوى لحظات قبل ان ينسكب سم القلق في نفسي كرةً اُخرى ، لاجد نفسي وانا اتعقب طلوع الشمس قبل غيابها بمفردة شاقة أُخرى عنوانها :
( التَّلَف) …! وهي واحدة من زوايا الحياة الانسانية التي تناولها المفكر حسين العادلي بعمق التحليل والمقارنة والمفارقة.
فبعد ان ترهفك الاحاسيس ، وانت تطالع مفارقة (التلف ) تجدها بانها قوة منطقية تتصيد بعمق فكري وانساني تلك الفلتات والشوارد التي تسللت الى عقولنا في سبات ليلنا والتي تناولتها معركة عمياء مع مجاهيل الحياة . اذ يقول العادلي :

• تَلَف (المَرء) بالتَّرف. التَّرف طُغيان غِنى وبَطَر نِعمة.

• كَمَا (يُفسِد) الطَّمع البَصيرة، (يُتلِف) الطٌّمع الفِطنَة.

• تَلَف (المَمَرّ) ولا خَسَارة (المَقَرّ). مَن أصلَحَ في الأولى رَبِحَ في الآخِرة.

• العَزُوم (صَيَّاد) فُرص، والمُتَردِد (مُتلِف) فُرص.

• (المَوقِف)، يَتِيم لدى الإِمَّعة، وتَالِف لدى المُتَزَلِّف.

• مَن أَتلَفَ (ذِمّته) بالحَرَام لا يُصلِح (سَريرَته) الوَعظ.

• (القَابِل) للتَّلَف: المَال عند الغِرّ، القِيَم عند الشَّبِق، والسُّلطة عند النَاشِئ.

• (أفسِد) السَّاسَة (تَتلَف) السِّياسَة، و(اترِف) السُّلطَة (تَتلِف) الدَّولة.


وهنا لم اجد في معاول التحليل المحاسبي للحياة ما يماثل التلف الا ان ابحث عن ضالتي بالقول : سيبقى التلف اقرب الى الاسترخاء السالب في ادارة ميزانية الحياة ومن ثم تقليب (موجوداتها) لتنتهي صوب الفناء … فهناك قوى من البشر اتلفت حياتها في اللاشي فتحولت من جانب الاصول او الموجودات في تلك الميزانية البشرية لتضيع فرص (الربح ) وانتهت متمسكة بدنيا التلف وهي في حالة( مطلوبات ) او خصوم ، مجسدة (الخسارة ) في خضم الميزانية الحياتية وضياع توازناتها . فاما ان نكون اصلاً ثابتاً في الارض وفرعه في السماء او ان نسير بالتلف لنغدو (مطلوبات ) في طي النسيان ،ومَثلنا مثل شجرة اجتثت من فوق الارض لا نبت فيها ولا قرار .
فبين هذا وذاك تريح الانسانية وجودها بمقاومة ( التلف ) بصلابة موجوداتها وهي محصنة من عالم اسمه المطلوبات على الدوام.
فبالحفاظ على الاصل البشري كموجود صافي منتج ، تتوازن ميزانية الحياة العمومية فيه وتبلغ قمم ثباتها ونمائها وازدهارها بالاصول القوية .

وأخيراً ،فبين القلق والتلف لا بد من ان نكابد عموم ضوضاء الحياة الملونة ،والمتصدعة بموجة بشرية ،تحدوها :الغلبة والقهر وفراغ الحماقة وهم ( الرِّعَاع ) .
ففي مُركب فكري نادر علت اشرعته في مرسى الحياة يباشرنا العادلي ،ومن دون ارتياب ، لينذرنا بان لانفقد استقرارنا الانساني ونقع فريسة قهر معذب يحيطه (الرعاع ) من كل صوب وفج عميق قائلا :
• إذا (أَبطأَ) الأفَاضِل (عَجَّلَ) الرِّعَاع، ومَن (يفشَل) بالقِيادَة يخضَع.

• مُحَرِّك (الرِّعَاع) العَقل الجَّمعي، مُحَرِّك (النُخبة) العَقل الذّاتي، ومُحَرِّك (العُلمَاء) العَقل المَوضوعي.

• جَنَّة الرِّعَاع (الفوضَى). الفوضَى بالوعَة كُلّ أمَل!!

• (يَمين) الرِّعَاع الأَوبَاش، (وسَط) الرِّعَاع العَامّة، (يسَار) الرِّعَاع الغَوغَاء.

• كَمَا لِكُلِّ طَبقة اجتِماعية (ثَقافتها)، فلِكُلِّ فِئَة اجتِماعية (رعَاعها)!!

• (أخطَر) الرِّعَاع رعَاع الأيديولوجيات، و(أخَسّ) الرِّعَاع رَعَاع الحُكَّام.

• رَعَاع (السُّلطَة) ثلاث: جَهَلَة النِّظَام، وغَوغَاء الإدارة، وغِرّ المَنصِب.

• رعَاع (السِّاسَة) ثلاثة: مَن يُعرَف بالمِنصِب، ومَن تقذِف به الصُدفَة، ومَن هو خارِج السِّياسة لا يَستحِقّ الذِّكر.

وبهذا ،وانا اتحرك على ارض خلف الباب لألتمس ضياء الشمس قبل ان يدير الرعاع لعبة الحياة في مناخ من الفوضى العارمة بالاشتباك و العنف (الجمعي )المعلن .حيث تظهر الجريمة المنظمة من فورها ، وتاخذ دورها بانها قوة تبدو اكثر تماسكا وهدوءاً واختفاءً في بلوغ اهدافها وغاياتها الظلماء ، لتسلب المجتمع سعادته ، و لا يعلو صوتها سوى (مفردة ) تخرج من فوهتها نيران تحمل جريمتها .
ختاماً ،فالرعاع وسواد فوضويتهم ما هي الا حاضنة ساخنة بلا شك لقوى الجريمة المنظمة ، و هنا يفقد الهدوء صوابه ، اذ يؤسس الرعاع متلازمة تصب افعالها (الصاخبة ) في شيطنة (الهدوء ) قوامه خفاء ناعم في جرم صامت .
انتهى

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت