ماذا يفعل الأوكرانيون في السودان ؟!!

أحمد فاروق عباس
2024 / 3 / 8

الأخبار التي نشرت أمس علي نطاق واسع عن وجود جنود ومرتزقة من أوكرانيا في الصراع الدائر في السودان من شهور طويلة ملفتة جدا للنظر ..

وقالت الأخبار أيضا أن ذلك تم بترتيب - طبعا - من المخابرات المركزية الأمريكية CIA وتحت إشرافها ..

فماذا يعني ذلك؟!
يعني ذلك الأمور الآتية ؛

١ - أن الصراع في السودان ليس صراعا محليا بين طرفين مختلفين ، بل هو صراع وراءه أطراف دولية ، هي من أشعلت الصراع من البداية ، وهي من تنفخ في نيرانه حتي يظل مشتعلا لا ينطفئ اواره ..

٢ - أن ذلك يحقق لتلك الأطراف الدولية مجموعة من الأهداف في داخل السودان ذاته ، وفيما حوله من جيران السودان ..

وبالنسبة لنا في مصر - وهي جار السودان الأهم والأقرب - فقد كان القصد أن تتورط مصر في الصراع الدائر في السودان ، وتجد نفسها وقد غاصت أقدامها في حرب أهلية ليست لها منطق ولا لنهايتها أفق معروف ..

وهو نفس ما حاولته تلك القوي الدولية من تسع سنوات ، عندما رتبت الصراع والحرب الأهلية في اليمن ، وهي تعرف أن دول الخليج سوف تتدخل في ذلك الصراع لمصالح وأهداف تراها ..

وعندما تطلب دول الخليج من مصر مساعدتها عسكريا في اليمن ردا على مساعدة دول الخليج لمصر بعد يونيو ٢٠١٣ ، فلن يكون أمام مصر إلا خيارين .. احلاهما مر ..

أ - إما الذهاب إلى حرب في اليمن ، تغوص في جباله ووديانه وسهوله هناك ، في حرب بالوكالة بين إيران ودول الخليج ، ووراء الصراع المايسترو الكبير فيما وراء البحار والمحيطات .. يرتب ويدبر ويحرك من وراء ستار ..

ب - وإما اغضاب دول الخليج وفض تحالفها مع النظام الجديد في مصر ، وإبعاده عن أقرب حلفاءه .. وبعدها لن يكون سقوطه أمرا صعبا ..

وهو نفس ما حاولته تلك القوي الدولية في موضوع سد النهضة الأثيوبي من ثلاث او أربع سنوات .. وقصدها ترتيب حرب لمصر في قلب القارة السمراء ، تستمر - بالفعل ورد الفعل - عقودا ، وتصنع تاريخا من الدم مع دولة بيننا وبينها شريان الحياة ذاتها ..

وهو نفس ما تحاوله تلك القوي الدولية في موضوع غزة وفلسطين اليوم .. وقصدها أن تتوتر مصر وتدخل في حرب يكون نتيجتها النهائية - بعد تدخل تلك القوي فيها سواء علنا أو من وراء ستار - هو فصل جزء من الأرض المصرية - في سيناء - ونقل أهل غزة إليها ، وإراحة إسرائيل من أكبر مشاكلها ، ونقلها إلي مصر ..

٣ - أن ذلك - وجود رجال من أوكرانيا في السودان - يلقي ضوءا على ما يحدث في العالم الحقيقي للسياسة الدولية .. بعيدا عن كلام السياسيين أمام الكاميرات ، وابتساماتهم أمام المصورين ، أو التصريحات والبيانات المنمقة ..
إن عالما كاملا خفيا يجري تحت السطح موازيا للعالم الظاهر فوقه ..

وللدول وجهين - أو أكثر - في كل ما يجري حولنا ، وجه للالهاء ، موجه للابرياء وحسني النية ، سواء من شعوبها أو شعوب العالم ، ووجه آخر ذو مخالب بشعة تحت السطح ، يمثل المصالح الحقيقية والأهداف الحقيقية ..

لقد رتبت أمريكا موضوع الربيع العربي في العقد الماضي ( ٢٠١١ - ٢٠٢٠ ) لتحقيق بنك أهداف أصبح واضحا الآن ..

ورتبت حرب روسيا وأوكرانيا في بداية العقد الثاني من ذلك القرن ولديها في تلك الحرب أيضا بنكا من الأهداف ..

وكما فعلت أمريكا في الربيع العربي من نقل مرتزقة وارهابيين من دول العالم المختلفة إلي الشرق الأوسط ، ونقل مرتزقة من سوريا إلي ليبيا ومن ليبيا إلي سوريا ، تفعل الآن نفس الشئ فى الحرب الاواكرانية ..

تدوير مجموعات من المرتزقة والارهابيين والمغامربن في نزاعات ترتبها أمريكا ثم تدير حركتهم حول العالم ، مرة في سوريا في جنوب غرب آسيا ، ومرة في السودان في شرق أفريقيا ، ومرة في أوكرانيا في شرق أوربا ... ولا أحد يعرف علي من سيأتي الدور غدا ..

٤ - أن ذلك يلقي ضوءا قويا وكاشفا على الديموقراطية كما تريدها وتطالب بها أمريكا ..

وأمريكا تطالب بالديموقراطية في دول العالم وكأن رسل السماء نزلوا إلي الأرض ومعهم كتاب الديموقراطية المقدس ويريدون من أمريكا فقط تطبيقه وفرضه على العالم ..

وكان السؤال دائما .. لماذا هذا الإلحاح الأمريكي الغريب في موضوع الديموقراطية ؟!

لماذا كل هذه " الحنية " الأمريكية ؟!!
وهل أمريكا - من فرط رقتها وسمو مشاعرها - يهمها إلي هذا الحد الحرية في دول العالم ، أو تقدم الدول ورخاءها ؟!

ثم رويدا رويدا بدأ العالم يكتشف حقيقة الإلحاح الأمريكي الغريب علي تحقيق الديموقراطية فى العالم الثالث ، وإلي درجة الفرض بالقوة أحيانا !!

لم تكن حنية أمريكية مفاجئة .. ولا رغبة في تقدم دول العالم الثالث ورخاءها ..

لقد كان لأمريكا - من وراء قصة الديموقراطية - مآرب أخري .. كلها خبث ونوايا سيئة ..

لقد أرادت أمريكا من الديموقراطية طريقا لتفتيت العالم الثالث وإنهاء تماسك دوله ، بعد أن رفعت إلى مقدمة الحياة السياسية فى تلك الدول أطراف غير مسئولة أو أطراف مغامرة أو أطراف يعد العقل وحسن التصرف آخر ما تفكر فيه ..

أطراف تفكر في إثارة حروب ، أو إرجاع نظم حكم بائدة ، أو عودة تيارات سياسية تحمل في رأسها أفكار تعود إلي مئات السنين ، وتريد تطبيقها في ظروف ودنيا مختلفة تماما ..

والنتيجة أن تلك الأطراف غير المسئولة أو المغامرة أو غير العاقلة تأخذ شعوبها إلي المجهول ، وقد تؤدي إلى انفراط عقدها وضياع وحدتها وذهابها في تيه ليس له نهاية ..

وتجارب الدول حولنا - في الشرق والغرب - ناطقة بما يكفي ..

لقد قامت " الثورة " فى ليبيا عام ٢٠١١ ، وقتل الديكتاتور معمر القذافي من ١٣ سنة .. فهل تحققت الديموقراطية فى ليبيا ؟!

وفي ليبيا شعب واحد ودين واحد ولسان واحد ومع ذلك ليبيا مقسمة فعليا .. فلا هي حافظت علي وحدتها ولا وصلت إلى الديموقراطية ..

وأوكرانيا مثال آخر .. لقد أوصلت أمريكا - بالديموقراطية - فئات شديدة التعصب والحمق إلي الحكم في أوكرانيا ، يقودهم ممثل وراقص سابق ، ترك الفن والرقص وهاجر إلي السياسة ..

فما هي النتيجة ؟!

أدخلت تلك الفئات المتعصبة - القوميين الأوكران - والممثل والراقص السابق الذين اوصلتهم الديموقراطية إلي حكم بلادهم في حرب مع روسيا .. دخلت منذ أسبوعين عامها الثالث ..

وكانت النتيجة - المتوقعة - أن فقدت أوكرانيا أجزاء واسعة من أرضها : إقليم الدونباس وخيرسون وزابروجيا ، وهي اغني واخصب الأراضي في أوكرانيا ..

وكانت النتيجة أيضا أن قتل عشرات الآلاف من الاوكرانيين فى الحرب حتي الآن ، وتحول جزء منهم إلي مرتزقة ، ظهروا اليوم في السودان - علي بعد آلاف الكيلومترات من أوكرانيا - ولا يعرف أحد في أي الدول سيظهرون غدا ..

هذا ما تريده أمريكا - حقيقة - من الديموقراطية !!

.. حقبة غريبة تلك التي نعيشها اليوم .. حيث تستخدم آمال الشعوب في الحرية والديمقراطية في تمزيق دولها وقتل أبناءها وتحولهم إلي مرتزقة في حروب الأقوياء وخططهم ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت