جاسم الزبيدي جيفارا العراق

كرم نعمة
2024 / 3 / 6

لو تسنى لكل أبناء أجيال الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من الفنانين التشكيليين والأدباء العراقيين سرد قصصهم مع الفوتوغرافي الراحل جاسم الزبيدي، لحصلنا على مجلدات من الحكايات المشوقة والمتأسية والناقمة والمتهكمة معاً.
كان جاسم الزبيدي ظاهرة شخصية بقدر ما هو ظاهرة فوتوغرافية عراقية، لكن الفوتوغرافي هيثم فتح الله عزيزة وهو يوثق الجانب الأهم في سيرة الزبيدي الفوتوغرافية، لم يرد أن يعكس ذلك على سيرته الشخصية بوصفه فناناً ناقماً متمرداً على كل ما يحيط به، بل أختار الفوتوغرافي الكامن في روح وعيني الزبيدي، على أمل أن يحرض على من يكتب سيرة جيفارا العراق، الذي أبدل البندقية بعدسة حملها على ظهره وتجول في البلدان من دون أن يفرط ببدلة الكاكي.
لم يدع جاسم الزبيدي فخامة وأناقة المكان أن تسيطر عليه، فتخلى عن وظيفة أنيقة كمصور في رئاسة الجمهورية إبان عقد السبعينيات وأرتدى بدلة جيفارا وحمل عدسته كبندقية وتجول في البلدان الثائرة آنذاك، فكان لديه ذلك السفر الفوتوغرافي لفنان ترك بعدسته ما يفوق جغرافيا اللقطة بالأسود والأبيض من العراق حتى اليمن وظفار وإريتريا وفلسطين.
كل ذلك جمعه فتح الله في المجلد الضخم "جاسم الزبيدي الثائر بعدسته" الصادر عن دار ومطبعة الأديب في عمان.
اختار أن ينتقي عشرات الصورة موزعة ما بين السنوات التي قضاها الزبيدي متنقلا بين اريتريا وظفار واليمن ثم قوات المقاومة الفلسطينية في لبنان، إلى أن عاد مع سنوات الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، كذلك سنجد وثيقة فوتوغرافية من كل تلك المدن وأناسها ووجعها وشحوبها وأملها وموتها وحروبها.
كانت صور الأطفال المشردين والجائعين تثير اهتمامه وتجعله يفكر في مصير هؤلاء الصبية وكيف سيقضون طيلة حياتهم مع البؤس والشقاء.
أفكار جاسم وتهكمه المرح برغم مشقة الحياة، وتطلعه لمستقبل فوتوغرافي أفضل، جعلته يتقرب من الفنانين التشكيلين الشباب ليؤسس معهم عام 1964 مجموعة فنية أطلق عليها اسم مجموعة تموز للفن الحديث ليزرع بذلك نواة للفن الفوتوغرافي ليكون جزءا من الحركة التشكيلية العراقية.
إن اتجاه الزبيدي في تصوير معاناة الإنسان في بيئته من نساء وأطفال وشيوخ، كان الهدف منها رسالة توثيقية واضحة المعالم الى الأنظمة التي تتحكم بمصير شعوبها ليخبرها بما يعانيه الإنسان في محيط عيشه البائس. فالقراءة الدقيقة لوثائق الزبيدي التصويرية، وفق فتح الله، تعطي ثيمة فكرية عميقة لشتى مواضيع الحياة. فلو أخذنا صور الزبيدي في إريتريا، التي اختارها فتح الله على غلاف الكتاب، للمرأة الجالسة في العراء ينهكها البؤس وهي تغطي وجهها بالوشاح وتتشبث باليد الممدودة لها فيما ترتدي باليد الأخرى أساور من معادن رخيصة!
ماذا أراد الزبيدي أن يقول بهذه الصورة؟
يجيب فتح الله: من الواضح أن الزبيدي لم يهتم بالجانب التقني والفني بموضوع الظل والضوء كقاعدة أساسية من مسلمات الصورة الفوتوغرافية، بل كان جل اهتمامه إظهار الحقيقة البائسة في هذه اللقطة، فعمد إلى حصر جسم المرأة في الزاوية السفلى متعمداً قطع الجزء الأسفل من جسمها ليعطي للوجه قوة التعبير بالحزن والمعاناة من خلال العين الواحدة البارزة خلف الوشاح والبؤس الواضح على الشفاه أيضاً وإن كان خجل المرأة واضحاً خوفاً من الكاميرا والمصور معاً.
استفاد الزبيدي من هذه المشاعر ليعطي للصورة قيمة إبداعية مضافة لجمالية وواقع الصورة. أما اليد الممدودة وإظهار جزء منها وهي تلامس يد المرأة المسنة بالإصبع فجاءت إيماءة واضحة وتشبيه بعيد للوحة مايكل أنجلو الشهيرة "خلق آدم".
تكاد هذه اللقطة التاريخية من إريتريا تختصر تجربة الزبيدي المتجول بين المدن المنهكة، حتى أنهكه المرض وغادرنا إلى العالم الآخر عام 1991.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت