لماذا نَظْلمُ النساء؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 3 / 4

لا تُصدقوا أن أياًّ منا يُصدق فيما يُقال عن كون النساء قد خُلقنَّ من ضِلعٍ أعوج من الرَجُل؛ أو أن المرأة حواء قد أخرجت زوجها آدم من الجنة؛ أو أن ذاكرة المرأة المعرضة للنسيان تستلزم شهادي امرأتين مختلفتين مقابل رجل واحد، حتى إذا ما نسيت إحداهما تذكرها الأخرى؛ أو أن من طبيعة الذكر القَوامة على الأنثى، ومن ثم في مقابل حمايتها وإعالتها يستحق له مثليّ ما تستحقه الأنثى من الميراث؛ أو أن المرأة من طبيعتها الحنان والرأفة والشفقة وفيض المشاعر ورهافتها وتقلبها، ما يجعلها عاجزة عن الشجاعة والبأس والرصانة والحكمة وحسن التقدير والتدبير، الذي يجعلها غير مؤهلة للمشاركة في مناحي الدفاع والحكم والقضاء في مجتمعاتها. كل ذلك هُراء لا يُصدقه حتى المتشدقون به أنفسهم. كيف يُصدقونه والمرأة نفسها أمام أعينهم في كل الدنيا دليل مُشرق يُكذبهم؟!

نحن نَظْلمُ المرأة لأنها ضعيفة. إذا ما عَاندت أو أَبت الانصياع لإرادتنا ورغباتنا، نستطيع أن نَضْربها- إلى حد القتل أحياناً- حتى تَستلم وتُذعن وتَرضى بقدرها. نحن، الرجال، نتفوق بطبيعتنا بقدرة جسمانية على النساء تسمح لنا بقمعهن. بواسطة هذا القمع، قد رآكم الرجال فوق النساء سلطة ونفوذاً وأسبقية عليهنَّ في شتى المجالات، من قيادة سيارة حتى إدارة شؤون الدولة. ولما كانت هذه الميزة الطبيعية قديمة قدم البشرية ذاتها، توارثت الأجيال هذا القمع وحفظته في آدابها وأديانها ومؤسساتها، وحتى في دساتيرها مؤخراً. عاملته ولا تزال كما لو كان قانوناً طبيعياً (إلاهياً)، بحيث إذا ما أفلتت المرأة من القمع الذكوري وتُركت لحريتها اختل اتزان المجتمع البشري وأنحلت أوصاله الأخلاقية والوجودية. كأن بقاء المجتمع (والبشرية كلها) مُعلق في رقبة المرأة؛ وهي، في تلبيتها لهذه الرسالة العظيمة، بحاجة إلى الإعداد والرعاية والحماية من الذكور المحيطين بها.

لكن الضعف في مجتمعاتنا ليس حكراً على النساء وحدهنَّ. هناك أيضاً الكثيرين من الرجال الضعفاء والمقموعين، ليس لخاصية جسمانية مثل النساء بل لخاصية عددية. كل الأقليات عبر مجتمعاتنا تعرضت ولا تزال لنفس مصير نسائنا: الغَلَبة والقمع. لأننا الأكثرية، نحن الرجال المسلمون كنا ولا نزال نُخضع ونَقمع كافة أنواع الأقليات- خصوصاً الدينية- لإرادتنا ورغباتنا، ومثلما نفعل مع نسائنا إلى حد القتل والتطهير أحياناً. ألم نفعل ذلك مع المسيحيين والأيزيديين قبل وقت وجيز جداً، ومع الجاليات الأجنبية واليهودية عند منتصف القرن الفائت؟ ألم يضرب لنا مؤسسو الثقافة الإسلامية أنفسهم المثال الساطع فيما فعلوه- فضلاً عن النساء- باليهود والمشركين والكافرين والمرتدين والوثنيين وأهل الذمة وغيرهم؟

بل إن الضعف لا يقتصر على النساء والأقليات فقط. بمعزل عن النساء والأقليات، الضعف حاضر وموجود بطبيعة الحال داخل أكثرية مجتمعاتنا ذاتها، في علاقاتها التكوينية والطبقية مع بعضها البعض. لابد لأي مجتمع بشري أن يُنظم نفسه في شكل سياسي/اقتصادي/اجتماعي ما لكي تنساب خلاله سُبل الحياة لمكوناته. عندنا لا يزال يفرض سطوته الشكل الهرمي، حيث كل شريحة تعلوها شريحة أخرى، من القاع وصولاً إلى القمة؛ وكل شريحة بالأعلى تمارس بحق الأسفل منها نفس ما نمارسه نحن الرجال المسلمون جميعاً بحق نسائنا وأقلياتنا- الغَلَبة والقمع. ومن ثم تتحول قمة الهرم إلى مِطرقة تَدُك وتقمع من تحتها المجتمع بأسره- نسائه ورجاله، أكثريته وأقليته- لكي ينصاع لإرادتها ورغباتها.

إن آفة الاستقواء والقمع بحق الضعفاء تَنخُر في مجتمعاتنا طولاً وعرضاً، منذ القدم إلى اليوم. وما بدأ بحق النساء والأقليات قد استفحل ليضرب المجتمع كله. وفي النهاية أصبحنا نحن- الرجال أصحاب الغلبة والأكثرية- نُذعن ونَنصاع لمشيئة وإملاءات حكوماتنا التي تَفرض نفسها علينا بقوتها القمعية تماماً مثلما نُريد من نسائنا أن تَفعلنَّ معنا. حين يأبى الرجال تمكين نسائهم وأقلياتهم من حرياتهم وحقوقهم المشروعة، يخسرون بدورهم حرياتهم وحقوقهم؛ ويصبحون- كما النساء والأقليات- مُهمشين، مُستضعفين، لا حول لهم ولا قوة، لا يحركون ساكناً داخل أوطانهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت