استشراق أدوار سعيد تنبأ بأحداث غزة قبل أن تقع

كامل عباس
2024 / 3 / 3


ينتمي أدوار سعيد الى تلك الفئة من المثقفين الذين يمثلون بحق ضمير الانسانية , فقد عمل هؤلاء وما زالوا يعملون ضد السيطرة الطبقية التي ابتلي بها الجنس البشري والتي ترافقت مع الاستغلال والظلم للانسان من قبل أخيه الانسان , المأساة ان ذلك الظلم ازداد طردا مع الزمن بسبب تلك السيطرة رغم كل الكلام المعسول عن الانسان وحقوقه وأكبر دليل ما يجري في غزة الان تحت سمع وبصر ومعرفة أمريكا والغرب الذين يتشدقون ليل نهار بالحديث عن الانسان وحقوقه .
من هذا الموقع الإنساني جاء نقد سعيد للحضارة الأوروبية ومن بعدها الأمريكية في كتابه الرائع الاستشراق . لم يكن استشراق الأوربيين موجها لخمة مستعمراتهم وتطويرها وتحديثها كما ادّعوا بل كان الغرض منه توجيه مثقفيهم لكي يشكلوا مؤسسة شرقية تقدم دراسات وبحوث عن الشرق . عاداته , عقله , قدراته , قساوته , اضطهاده من اجل أن تساعدها تلك الدراسات على حكم الشرق بالطريقة التي يخدمها سواء بشكل مباشر أو عن طريق حكومات محلية وكيلة لهم تنفذ رغباتهم .
من موقعه الانساني ينتقد سعيد ضمنا تكريس مفهوم الشرق والغرب بل كان برأيه من المفروض أن تتكامل الحضارات بما يخدم قضية الانسان سواء كانت آسيوية ام أوروبية بل كان من الواجب على كل مثقف في التاريخ أن ينتقد ذلك الميل الاستعماري للأوروبيين وهو يستغرب كيف انقلب الفيلسوف ماركس على أيام شبابه عندما كان هيغليا يحكي عن الانخلاع والاغتراب الانساني لتصبح لديه نظرة جديدة لذلك الاستعمار بعد أن أصبح ماركسيا ص*183( فالشرق أقل أهمية عند ماركس من حيث هو مادة انسانية ... اذ تغدو آراؤه في هذه الصورة الراسخة : ان على انكلترا أن تؤدي مهمتين في الهند واحدة تدميرية والأخرى إحيائية – إفناء المجتمع الآسيوي, وإرساء الأسس للمجتمع الأوروبي في آسيا ) وقد ابرز قول ماركس الوارد في كتابه الثامن عشر من بروميير ص21- انهم عاجزون عن تمثيل أنقسهم ولذلك ينبغي أن يمثلوا –
واذ اكان البريطانيون والفرنسيون قد انتزعوا من العالم في غفلة عنه- بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى- موافقتهم على ما سمّوه انتدابهم لإدارة الدول التي كانت تحت سيطرة العثمانيين بحجة تحديثها وتجاوز تخلفها , فان العالم بكل أسف وافق مرة أخرى لأمريكا - بعد انتصارها في الحرب العالية الثانية- ان تفعل نفس ما فعله البريطانيون والفرنسيون في استعمارهم القديم لتلك البلدان .
أمريكا هي من ساهم في صياغة برنامج هيئة الأمم المتحدة القاضي بان تكون الحرب العالمية الثانية آخر الحروب وان تُحل المشاكل بين الدول على أساس القانون الدولي وليس عل أساس القوة , كما أنها هللت للميثاق العالمي لحقوق الانسان الذي أصدرته الهيئة الدولية , والآن يتبين للعالم ان امريكا كانت تبطن غير ما تظهر تماما مثلها مثل بريطانيا فهي مع الانسان وحقوقه عندما ترى ان الكلام فيه يخدم مصلحتها بوجه أعدائها وضده ان كان لا يخدمها وقيادتها الحالية تقول علنا : القرن الواحد والعشرين سيكون قرن امريكي بامتياز شاء من شاء وابى من ابى ولديّ من القوة ما يجعلكم ترضخون لإرادتي .
حقيقة فرضت أمريكا على العالم بخبثها وذكائها وأسلحتها نمطا ماليا عالميا - قوامه صندوق النقد الدولي وملحقاته من بنوك وأسهم وسندات - يكرس الثروة في كل البلدان من القطاعات ذات الدخل الأدنى الى القطاعات ذات الدخل الأعلى لنشهد تفاوت في توزيع الدخل بين السكان غير مسبوق اذ تتجاوز حصة المليارديريين90% ولهم يخوتهم وطائراتهم الخاصة ومسابحهم ومن يتعدى على أملاكهم إرهابي سيلاحقه نظامها العالمي الحالي الذي يحرس هؤلاء المليارديرين - بغض النظر عن جنسهم ودينهم وقومتهم - بحجة الاعتداء على حقوق الانسان !!!!!!
هل يفتري المثقفون ذوي النزعة الانسانية العميقة مثل ادوار سعيد على أمريكا؟
سعيد عاش فيها وخبرها ولكنه لم ينسى وطنه الأم فلسطين بل جمع جمعا خلاقا بين الوطني والأممي وهو لم يكن يوما ضد اليهود المظلومين في التاريخ ولم يعترض على تعايشهم ضمن دولتين في الشرق الأوسط اذا كانتا ستعملان معا لتطوير وتحديث بلدانه لكنه من خبرته في امريكا توّصل الى قناعة مفادها , أمريكا استمرارا للاستعمار القديم بأساليب جديدة تناسب روح العصر ولن تكون ارحم من الاستعمار القديم منه تجاه قضايا الشعوب العادلة .نجد في الصحة271وما بعدها شرح واف للموضوع .
( ثمة إشارات أخرى كثيرة من أنماط مختلفة الى الكيفية التي يتم بها الحفاظ على السيطرة الثقافية عن طريق القبول الشرقي بقدر ما يتم عن طريق الضغط الاقتصادي المباشر الخام من قبل الولايات المتحدة. و انها لصدمة موقظة ان تجد على سبيل المثال انه فيما توجد عشرات من المنظمات لدراسة الشرق العربي والاسلامي في امريكا فليس ثمة مؤسسة واحدة في الشرق(استغراب) لدراسة الولايات المتحدة غير ان ذلك في اعتقادي ضئيل بالمقارنة مع العامل الثاني الذي يسهم في انتصار الاستشراق وهو حقيقة طغيان الاستهلاكية في الشرق. فالعالم العربي والاسلامي عامة عالق في صنارة نظام السوق الغربي وما من احد يحتاج الى التذكير بان النفط - المورد الأعظم للمنطقة - قد امتُص امتصاصا كاملا ضمن اقتصاد الولايات المتحدة يمثل العرب فيه مستهلكين شديدي التنوع لعدد هائل من منتجات الولايات المتحدة المادية و العقائدية.
هناك نتيجة اخرى هي ان اقتصاد السوق الغربي و توجهه الاستهلاكي خلقا و يخلقان بنسبة متسارعة طبقة من المتعلمين يوّجًه تشكلهم الفكري نحو إرضاء حاجات السوق وقد رسم دور لهذه الطبقة وصيغ لها بوصفها طبقة محدثة أي انها تمنح الشرعية و السلطة المرجعية لأفكار حول التحديث والتقدم والثقافة تتلقاها من الولايات المتحدة بصورة رئيسية وهي ليست مؤهلة ولا يُسمح لها بان تكون عائدات النفط في خدمة تطوير المنطقة. ويقوم الدليل الباهر على هذا في العلوم الاجتماعية و بما يفاجئ الى درجة كبيرة بين المفكرين الجذريين الذين اخذوا ماركسيتهم بالجملة من نظرة ماركس التسلطية الى العالم الثالث كما ناقشتها في مكان اخر في هذا الكتاب. و هكذا اذ ينجلي كل شيء ثمة تقبل مشارك في صور الاستشراق و مذاهبه و ثمة ايضا تعزيز قوي جدا لهذا في التبادل الاقتصادي و السياسي والاجتماعي فالشرق الحديث بإيجاز يشارك في شرقنة نفسه.)

هذه القناعة لدى سعيد أملت عليه الانسحاب من المجلس الوطني الفلسطيني عام 1991بعد اتفاقية أوسلو , ما دامت أمريكا وحدها عرّاب الاتفاق وهي ضمنا ضد دولة فلسطينية أكثر من اسرائيل فستكون تلك الاتفاقات من اجل تقطيع الوقت وذر الرماد في العيون
المضحك المبكي في الموضوع حاليا هو ان اغلب المثقفين في العالم ينظرون الى اوروبا وأمريكا بأنها حاملة التقدم الاجتماعي بوصفها واحة الحرية ويسمونها زورا أنظمة لبرالية ديمقراطية وهم بذلك يخدمونها عن وعي أو عن غير وعي, يشترك معهم في التسمية الماركسيون الجزريون كا سماهم سعيد وهم مسرورون بهذه التسمية لأنها تشوه نهج خصومهم اللبراليون.
نعم اللبراليون يقرون التفاوت في الملكية الخاصة على أساس جهد الفرد ومواهبه ونشاطه ولكن نظامهم اللبرالي معروف فهو يرى ان التقدم الاجتماعي يجب ان يسير على عكازتين اقتصادية وسياسية وان يترافق الحكم دائما مع تنمية مستدامة للمجتمع بكل فئاته عن طريق رقابة الدولة التي لا تسمح بالتفاوت كما هو الحال في البدان الموصوفة لبرالية حاليا.
اللبرالية ياسادتي نظام اجتماعي متكامل أما الديمقراطية فهي آلية في الحكم ولها ايجابياتها وسلبياتها مثل ظاهرة الفاشية عندما نستعملها وكأنها نظام حكم .
أما عندما تترافق الديمقراطية مع نظام الحكم اللبرالي فهي تعطي أفضل النتائج
يؤسف القول في الختام ان عفوية الشعوب أصدق من وعي المثقفين فالشعوب في العالم حاليا لايرون بهذه البلدان الديمقراطية أنها أفضل من البلدان الديكتاتورية لأنهم ينظرون اليها من منظار لقمة العيش وليس من منظار الحريات السياسية فقط, ولو استمرت امريكا والغرب بمفهوم الليبرالية المقدم من قبل فلاسفة قرن الأنوار لكانوا الان حقا يتربعون على عرش الحضارة ولكانت غالبية البشر في قريتنا الكونية الجديدة معهم . أنا أعتقد أنّ عزلتهم ستشتد في المستقبل اذا لم يغيروا نهج حكمهم الحالي القائم على دعم الأغنياء على حساب الفقراء ومحاولة فرض ذلك بقوة السلاح كما هو حاصل الآن في غزة .
...............................
*- الصفحات المشار اليها قي هذا المقال مأخوذة من كتاب الاستشراق المترجم من قبل دار نينوى في دمشق طباعة عام 2016

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت