لا الشمسُ تَجري...ولا الليلُ يُسابق النهار

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 2 / 29

لأننا كائنات حية ذات خصائص بيولوجية معينة، نحن البشر نستطيع أن نقف على ساقين ثابتتين لكي نجري ونتسابق مع بعضنا البعض. وتُشاركنا في خاصية القدرة على الحركة كافة الكائنات الحية الأخرى، جرياً أو قفزاً أو زحفاً أو تحليقاً في الهواء أو سباحة في الماء. لكن الشمس، رغم جسمها وحركتها الظاهرة، لا تجري. ولا الليلُ يَملك من الأصل جسماً فيزيائياً حتى يمكن وصفه بالقدرة على الإتيان بحركة من أي نوع. نحن، في حقيقة الأمر، حين نتحدث عن مفردات الوجود لا نتحدث عنها على حقيقتها كما هي موجودة بالفعل خارج وجودنا الشخصي. بل نحن نقترب منها من داخل وجودنا ذاته، من نوافذ غرائزنا وحواسنا واحتياجاتنا إليها، كأنها امتداداً لشخوصنا وليست شخوصاً مستقلة وذات كينونة منفصلة عنا. حتى أننا، حين الحديث عنها، نُلبِّسها نفس صفات البشر ونَلُفَّها برموز مفرداتهم اللغوية ذاتها التي يصفون ويخاطبون بها بعضهم بعضاً. وذلك، رغم تناقضه مع الحقيقة الموضوعية، يلبي لنا نحن الإنس حاجة وجودية أساسية- ترويض واستئناس مظاهر الوجود بغرض استغلالها فيما يحقق الفائدة والازدهار للجنس البشري، حتى لو أتى ذلك على حساب تزييف حقيقة الوجود وإفناء أنواعاً عديدة من الموجودات غير البشرية، الحية وغير الحية.

اللهُ لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، ولا حتى يَعْلم. ولا هو يُرسل الرسل، يأمر وينهى، أو يُبشر ويُنذر. بل نحن البشر الذين نفعل كل ذلك. موسى لم يُكلم الله، ولا شق البحر بعصاه. مريم ابنة عمران لم تحمل من نفخة من الروح الإلهية. ومحمد بن عبد الله لم يعرج إلى السماء من بيت المقدس. كل ذلك مثل الشمس التي تَجري والليل الذي يُسابق النهار- أساطير من صنع خيال بشري خصب. منذ آلاف السنين حتى اليوم، لا يزال أبو الهول يرقد باسطاً قدميه كمارد عملاق على مدخل الأهرامات كأنه يتوعد كل من أرادها بسوء. إذا اكترثت ودققت النظر قليلاً، سترى رأساً بشرية فوق جسد أسد. الرسالة: ملوك الفراعنة يتمتعون بقوى خارقة، شبه إلهية. لكن، هل معنى ذلك أن أُمَّ الفرعون قد ضاجعت أسداً حتى تأتينا بهذا المَسخ؟! هذا لم يحدث، ولا يمكن أبداً أن يحدث. إنها أسطورة من صناعة البشر أنفسهم، لخدمة أهداف وغايات بشرية محض. وهي، مثل كثير غيرها عبر الأزمان والأقوام المختلفة، رغم ذيوع الاعتقاد فيها وسط أهاليها لا تمت لحقائق الوجود وسُنَنه بصلة أو مضمون حقيقي.

الأسطورة بِدْعة عظيمة من خلق الإنسان، ملازمة له منذ نشأته البكر على وجه الأرض إلى اليوم. هي ابنة مَلَكة رائعة يتفرد بها البشر على كل ما عداهم من الكائنات الحية- القدرة على الخيال وبناء الصورة الذهنية من رموز مرئية أو مسموعة أو مكتوبة. هي نظرة الإنسان لبيئته وعالمه والكون المرئي وغير المرئي له، ولنفسه والآخرين من نوعه ومن الأنواع الأخرى. هي تفسيره الذاتي لكل ذلك، المبني على مدخلات من حواسه الذاتية، لإشباع وتلبية غرائزه واحتياجاته للبقاء في الوجود. بالتالي، منشأ الأسطورة ومنتهاها- ومعيار صدقيتها الوحيد- هو الإنسان ذاته. ليس من قرائن أو براهين لإثبات صحتها إلا الإنسان ذاته- حواسه وخياله وغرائزه وأمانيه الشخصية. وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام الأسطورة لكي تحلق عالياً في سماوات الأماني والأحلام والطموحات البشرية إلى أقصى ما يستطيع الخيال البشري الخصب أن يحملها.

لأن الأسطورة هي من بنات أفكار البشر أنفسهم، وهؤلاء لا تنفك أحوالهم تتبدل وتتغير وتتطور عبر العصور، كان لابد أن تواكبهم أيضاً أساطيرهم كسائر أحوالهم الأخرى. إلى أن حان الوقت الذي تمكنت عنده بدعة بشرية مستحدثة تُدعى "القوانين" العلمية من إلحاق هزيمة نكراء بالأساطير وطردها شر طرده من معاقل هيمنتها وتسلطها باعتبارها النظرة السائدة للوجود الكوني والإنساني، المحتكرة لتفسيرهما الصحيح. وكما فعلت "الأساطير" من قبلها، تنطلق "القوانين" من نفس المنشأ البشري- الحواس- وتنتهي إلى ذات المُنتهى- خدمة الأغراض البشرية؛ لكنها، عكس الأساطير، لا تأخذ صك مصداقيتها، ولا تطلبه، من أهواء البشر أنفسهم، لكن من حقائق الواقع موضع نظرها، من مدى تطابق فرضياتها مع "الحقائق" خارج الإنسان، لا مدى تطابقها مع "أماني" النفس البشرية وتطلعاتها. ومثلما كانت الأساطير بمثابة لبنات البناء الأساسية للأديان عبر الأزمان، أصبحت القوانين خلال العصور الحديثة حجر أساس العلوم التي قد شُيدت فوقها المجتمعات البشرية في كافة أوجهها الحياتية، ومن ضمنها الدينية. بذلك نجح التوجه العلمي من طرد الروح الأسطورية من المجتمع البشري وصولاً إلى موطنها الأصلي ذاته- الدين.

كونك شخصياً تستمتع بالدفيء وتستأنس بالضياء، لا يكفي لكي يصنع من الشمس الجسم الذي أردت وصدقت نفسك أنه هكذا بالفعل. في الحقيقة، الشمس لا تُدفئ ولا تُنير، ولا هي جسم ولا تجري كما خَيَّلت لك حواسك وأمانيك. ولو صادف كونك، بنفس حواسك تلك، في موقع آخر من الشمس داخل الكون الفسيح، لعرفت أنها قد تكون كائن آخر مغاير كليتاً لما تراه وتصدقه من موقعك الحالي، هذا لو كُتبت لك النجاة أصلاً حتى تعرف! وكونك مبصراً، ومن طبيعتك الجسمانية التبادل ما بين اليقظة والنوم، لا يعني أبداً وجود حقيقة كونية مقابلة لطبيعتك تدعي الليل والنهار لا يسبق أحدهما الآخر. إن غرائزنا وحواسنا وأغراضنا ومصالحنا الشخصية كثيراً ما تُضللنا للاعتقاد فيما لا وجود حقيقي له، خاصة عندما تكون هي ذاتها حَكَمنا ومعيارنا الوحيد للحقيقة. عندئذٍ يمكن أن نصدق بكل سهولة وسذاجة- لأننا بطبيعتنا نريد أن نُصدق- أن موسى كليم الله رغم أن الله لا يتكلم؛ وعيسى ابن الله رغم أن الله لا يُنجب؛ ومحمد عرج عبر السماوات رغم أن الإنسان لا يطير- حينذاك على الأقل. كل ذلك لا يمت بصلة لحقائق الواقع المستقلة عنا. أساطير. لكنها كانت ولا تزال تلبي أغراضاً بشرية معينة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت