الإذاعة البريطانية، شأن أمبريالية الميديا، صوت آخر لإسرائيل

سعيد مضيه
2024 / 2 / 29

صحفي الاستقصاء جوناثان كوك ، الذي رحل من إسرائيل ليقيم في بريطانيا، اجرى تحليلا لبرانامج بانوراما بثته هيئة الإذاعة البريطانية كشف ما تضمنه من تلفيقات واكاذيب وأنصاف حقائق تقلب الوقائع رأسا على عقب. " برنامج بانوراما، هو إعادة كتابة التاريخ – كي ننتزع منه عقودا من جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين وضد رغبتهم المشروعة في النضال ضد هذا الاضطهاد."
البرنامج "اجترار مزاعم إسرائيل بدون تفكير" :

تمت في الشهر الماضي من قبل قضاة محكمة العدل الدولية محاكمة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في غزة.
وحتى الآن، لم تكتف الحكومات الغربية بعدم التدخل، بل ساعدت بنشاط في تلك المجزرة؛ زودت إسرائيل بالأسلحة وغضت الطرف عن منع إسرائيل المساعدات الإنسانية.
يكابد سكان غزة الجوع يقربهم ببطء الى الموت.
غير انه حدث في هذه الفترة، والعالم يراقب برعب، اختار برنامج التحقيقات الإخبارية الرئيس في هيئة الإذاعة البريطانية، بانوراما، عدم التدقيق في المجزرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وفضل تسليم الميكروفون إلى المؤسسة العسكرية ذاتها التي قامت بعملية القتل.
بثت هيئة الإذاعة البريطانية هذا الأسبوع برنامجا بعنوان "إمبراطورية حماس المالية السرية"، برئاسة الصحفي جون وير.
واعتمدت بشكل كبير على المتحدث العسكري الإسرائيلي، وعلى وثائق من المؤكد انها من تزويد المخابرات العسكرية الإسرائيلية ، وعلى لقطات فيديو من الجيش الإسرائيلي وأحد الناجين الإسرائيليين من هجوم حماس في 7 أكتوبر.
عمل وير وبرناج بانوراما معًا من قبل، أبرزها طبعة خاصة لمدة ساعة والتي بلا شك أسعدت إسرائيل بنفس القدر.
تم بث البرنامج قبل وقت قصير من الانتخابات العامة لعام 2019، وكان اكثر قليلا من تعريض لابدمنه بجيريمي كوربين، إذ زعم أن قائد حزب العمال آنذاك سمح لمعاداة السامية بالانتشار دون كابح داخل حزبه.
تم الكشف عن سلسلة إخفاقات في البرنامج، بما في ذلك ما قمت به في حينه .
تم تحرير الاقتباسات والمقابلات بشكل مضلل، بما في ذلك تلك التي تشير ضمنًا إلى وقوع حادثة معادية للسامية داخل حزب العمال بينما لم يحدث شيء من هذا القبيل .
ولم يتم إجراء تدقيق أساسي في الوقائع، ما أدى إلى تحريف كامل لحادثة رئيسية ادعى البرنامج بدون وجه حق أنها معادية للسامية.
أخفى البرنامج هويات أولئك الذين يزعمون أنهم عانوا من معاداة السامية داخل حزب العمال، في حين أن معظمهم كانوا في الواقع أعضاء مجموعة حزبية مؤيدة لإسرائيل وملتزمة علناً بإطاحة كوربين كقائد بسبب آرائه المؤيدة للفلسطينيين. وقد تدرب أحدهم في الجيش الإسرائيلي.
إيلا روز هي الأخرى أجريت معها مقابلة أخرى، لم تذكر اسمها، عملت سابقًا في السفارة الإسرائيلية، على الرغم من عدم إخبار الجمهور؛ ولم يشر البرنامج أيضًا إلى حقيقة أنها اعترفت بكونها صديقة مقربة للعميل السري الإسرائيلي شاي ماسوت، الذي تم الكشف عنه لاحقًا أثناء محاولته إسقاط وزير في الحكومة البريطانية بسبب آرائه المنتقدة لإسرائيل. وجهات نظر أقل أهمية من وجهات نظركوربين.

فرضية غير معقولة
ربما أمكن الافتراض أنه، في ضوء هذه الرحلة الكارثية لبانوراما من قبل وير ومنتجيه، كانت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستعتبرهم اختيارًا غير موفق حقا لمتابعة التحقيق في قضية أخرى عزيزة جدًا على إسرائيل. لكن فرضية كهذه خاطئة.
بقدر ما قدم «تحقيق» كوربين صورة مشوهة عما كان يجري في حزب العمل، فإن «تحقيق» بانوراما الأخير حجب كليا حقيقة ما يجري في غزة.
ليس أقل الصور المشوهة أن الجمهور بالكاد عرف أن إسرائيل تخضع حالياً للتحقيق من قبل المحكمة الدولية بعد أن قبلت لجنتها المؤلفة من 17 قاضياً أن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة جماعية في غزة
بدلاً من ذلك، أشارت سردئة البانوراما، التي تتبع النصوص المعتادة لهيئة الإذاعة البريطانية، إلى أن هذه مجرد جولة أخرى من القتال في "صراع" طويل الأمد يعاني فيه الجانبان، كما ا قر البرنامج بإشارة عابرة .
الشخص غير الرسمي الوحيد الذي تمت مقابلته هو إحدى الناجيات الإسرائيليات من هجوم حماس في 7 أكتوبر، وهي شابة حضرت مهرجان نوفا. وشعرت بالخيانة لأن “الناس ينظرون فقط إلى جانب حماس. نحن غير مرئيين بالنسبة لهم”.
والأغرب أن فريق بي بي سي اتخذ هذه النظرة المنافية بجلاء للعقل موضوعا مركزيا للبرنامج. قال وير إن هدف حماس الشنيع هو "إظهار نفسها حركة مقاومة وإسرائيل دولة إرهابية".
يبدو أن هيئة الإذاعة البريطانية قد نسيت أن المحكمة الدولية أيضاً، وليس حماس فقط، هي التي تتظر بجدية فكرة أن الجيش الإسرائيلي يتصرف بشكل صارخ خارج قوانين الحرب. إذا كانت حملة الإبادة الجماعية، في نظر هيئة الإذاعة البريطانية، لا تشكل إرهاب دولة ــ أو ما هو أسوأ من ذلك ــ يتعين على المرء أن يتساءل ما الذي يشكله ذلك.
برنامج بانوراما قدم الدور المركزي على المسرح للمسؤول السابق بوزارة الخارجية، سير جون جنكينز، ليزعم أن حماس هي التي تحرض على "نزع الشرعية عن إسرائيل"، ، وليس المذبحة الطويلة للأطفال في غزة.
كل هذا بمثابة مقدمة لجهود البرنامج الرامية إلى نزع شرعية حماس وأي من أنشطتها المتمثلة في إنشاء شبكة من الأنفاق لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والحصار الإسرائيلي في وقت غدت العواصم الغربية أكثر نشاطاً من أي وقت مضى لمساعدة إسرائيل على تدمير غزة.
وإذا لم تكن إسرائيل تشكل تهديداً حقيقياً لشعب غزة، كما أوحى البرنامج طوال الوقت، فمن الواضح أن حماس لم تكن بحاجة إلى تحصين القطاع للدفاع عنه ضد أي هجوم إسرائيلي. وكان من الممكن استخدام أموالها بشكل أفضل لصالح الفلسطينيين العاديين.
فيل بالغرفة
الفيل الموجود في الغرفة هو الإبادة الجماعية. كان على وير وبي بي سي الاستمرار في التعامل مع المذبحة الإسرائيلية التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 30 ألف فلسطيني خلال الأشهر الأربعة الماضية باعتبارها انحرافًا ؛ ليس إيغالا في انتهاكات إسرائيل للشعب الفلسطيني الموثقة جيدًا والممتدة على مدى عقود؛ إنما - رد فعل على الأحداث غير المسبوقة التي وقعت في 7 أكتوبر.
قصد بالإشارة إلى الإمبراطورية المالية "السرية" لحماس تقديمها عنصرشر؛ بينما ناضل صانعو البرنامج للاختباء، فما من سر في تمويل حماس.
بعد كل شيء، بنيامين نتنياهو بالذات ، رئيس حكومة إسرائيل ، هو الذي وافق على انسياب الأموال إلى حماس، رغبة منه في إبقاء المجموعة قوية بما يكفي لضمان قدرتها على منع السلطة الفلسطينية بالضفة من إعادة تأسيس نفسها. في غزة، وهي الأكثر توافقا .
كان هدف نتنياهو - وهو هدف لم يخفه قط - هو إبقاء التنظيمين الفلسطينيين المتنافسين في حالة نزاع دائم، والمنطقتين مجزأتين ، وبالتالي تقويض قضية إقامة نوع من الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية.
لكن وير أخبر المشاهدين أن "الإمبراطورية المالية" لحماس مستمدة من مصادر تمويل مختلفة: مباشرة من إيران وقطر، ولكن أيضًا من المساعدات الإنسانية المقدمة من الجهات المانحة الدولية؛ وخلص البرنامج إلى أن هؤلاء المانحين كانوا فعلاً "يدعمون آلة الحرب التابعة لحماس" من خلال تخفيف عبئها الاقتصادي - توفيرالضروريات مثل الغذاء والماء والكهرباء للمدنيين في غزة- بقدر ما كان ممكناً في ظل الحصار الإسرائيلي.
وكما كان متوقعاً، فقدعكست الصوه؛ كان ادعاء وير رجع صدى لأحد مزاعم رئيسية ساقتها إسرائيل في حملتها الحالية لتكثيف الإبادة الجماعية في غزة من خلال القضاء على منظمة الإغاثة التابعة لهيئة الأمم المتحدة للاجئين، الأونروا. وتعد وكالة الإغاثة بمثابة شريان الحياة الأخير لسكان يبلغ عددهم 2.3 مليون شخص وصلوا إلى حد المجاعة بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على المساعدات الإنسانية.
ألمح المسؤولون الإسرائيليون باستمرار إلى أن المبرر لموت السكان الفلسطينيين جوعا بالجملة في غزة ثمنا يتوجب دفعه لتجنب خطر وصول بعض هذه المساعدات إلى أيدي مقاتلي حماس. إن مثل هذا الحرمان من المساعدة ليس فقط غير أخلاقي بشكل واضح، لكنه يشكل جريمة حرب.
حجة وحشية، مقابل إضفاء مصداقية عليها من المؤكد ان وير وفريق هيئة الإذاعة البريطانية سوف يحجز لهم مكان في قفص الاتهام إذا قدر يوما إحضار صحفيين إلى لاهاي بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية الحالية.
تجريد السياق
مرة أخرى، كما كان متوقعًا، جرد البرنامج من سياقه الواضح.
اختارت حماس بناء هذه التحصينات، مثل شبكتها الواسعة من الأنفاق، لأن إسرائيل قوة احتلال هجومية تتمتع بسيطرة مطلقة على حدود غزة، فضلا عن مجالها الجوي والبحري. تستطيع إسرائيل أن تقصف وتغزو غزة في أي وقت تشاء. و بمقدورها جر الأفراد "لاعتقالهم" - أو احتجازهم كرهائن، كما سنطلق على الفعل لو انعكست الأدوار.
فهي بمقدورها أن تفعل هذه الأشياء ، فعلتها وسوف تفعلها بانتظام ، ومع الإفلات التام من العقاب.
ادعاء عدم وجود ما يبرر لحماس بناء شبكة أنفاق، كما بدرمن برنامج بانوراما، هو إعادة كتابة التاريخ – كي ننتزع منه عقودا من جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين وضد رغبتهم المشروعة في النضال ضد هذا الاضطهاد.
اجترار مزاعم إسرائيل بدون تفكير تكرار القول ان هذه مجرد "أنفاق إرهابية" وليست وسيلة حماس للبقاء على قيد الحياة كمنظمة مقاومة، كما يحق لها القيام بذلك بموجب القانون الدولي.
الرواية المركزية لبرنامج بانوراما استعانة حماس بجزء من عائداتها في بناء شبكة من تحصينات المقاومة مثل الأنفاق،أموال ظل وير ومن قابلهم يركزون على إمكانية إنفاقها على بناء المدارس والمنازل لمساعدة سكان غزة.
أغفل وير أن المدارس والمنازل في الأغلب كانت بحاجة إلى إعادة البناء، وليس البناء، لأن إسرائيل كانت تقصفها كل بضع سنوات بقنابلها.
وضعت حماس من أولوياتها بناء شبكة أنفاق لمقاومة جيش احتلال عنيف؛ ونظراً لمحدودية الموارد ومساحة المناورة - فغزة منطقة صغيرة وواحدة من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض - لم يكن أمام حماس خيار سوى التحرك تحت الأرض لتجنب تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية المتطورة، وحيث أمكنها بناء ترسانة من الأسلحة المرتجلة إلى حد كبير، أسلحة محلية الصنع.
إن شعبيتها التاريخية بين الفلسطينيين العاديين - على الأقل مقارنة بالسلطة الفلسطينية المذعنة والمتواطئة إلى ما لا نهاية بالضفة الغربية - تنبع على وجه التحديد من رفضها الخضوع للسيطرة الإسرائيلية. نسي برنامج بانوراما أن يشير لهذا أيضًا.
على النقيض من ذلك، وما يربك أطروحة بانوراما، ان اعتماد السلطة الفلسطينية الحصري على الدبلوماسية الدولية لم يفز بأي تنازلات ملموسة من إسرائيل - إلا إذا كان الفوزيتجسد في اعتبار إرجاء تنفيذ الإبادة الجماعية على الأقل حتى هذه اللحظة يعتبر تنازلا.
والمزعج أيضا لبانوراما ان موقف السلطة من الجمهور الفلسطيني لم يزل بائس

برهان "الخبث"
المستغرب ان وير بدا منزعجا لأن حماس رفعت الضرائب على السلع المحدودة التي سمحت إٍسرائيل بإدخالها الى غزة. الافتراض الضمني للبرنامج - والزائف تماما - هو أن غزة ليست تحت احتلال إسرائيلي عدائي. ولذلك اقترح ان على حماس أن تتصرف كدولة طبيعية.
ولكن زيادة الضرائب على الواردات من السلع هو على وجه التحديد ما تفعله الدول الطبيعية. لماذا يتوقع وير أن تتصرف حماس بشكل مغاير ؟
ولماذا يستغرب او يجرم استخدام بعض هذه الإيرادات لبناء دفاعات غزة، بأفضل ما تستطيع، ضد المحتل العدواني؟
ألا تنفق بريطانيا أيضًا الأموال التي تجمعها من الضرائب لشراء الأسلحة و"دعم آلتها الحربية؟" وهي تفعل ذلك، على الرغم من أن المملكة المتحدة ليست تحت احتلال عسكري ومن غير المرجح أن يتم غزوها في أي وقت قريب.
وبأسلوب درامي ، أعلن وير بمزاج متشائم: "لقد حصلنا على وثائق تقول المخابرات الإسرائيلية إنها من داخل حماس وتسلط الضوء على كيفية حصولها على بعض ملايينها".
يصعب أن لا نستنتج أن هذه الكلمات تعني أن برنامج بانوراما قد تم تغذيته بهذه الوثائق من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية. ومع ذلك، وبكل سذاجة، تعامل البرنامج مع الصحف وكأنها دليل لا يخطئ على الشر لدى حماس .
ما بينوه في الواقع، بافتراض أنه حقيقي، هو أن حماس حصلت على دخل متواضع متواصل من استثمارات في شركات ومشاريع شرق أوسطية. هل يحظر على حماس استثمار أموالها كي تزيد مداخيلها، مثلما تفعل الدول والصناديق في جميع أنحاء العالم؟ وإذا كان ذلك محظورا فلماذا ؟
يبدو أن نقل الأموال من غزة واستثمارها في الخارج منطقي جدا نظرا لأن إسرائيل دأبت على تدمير القطاع بشكل منتظم – و تعاد الكرّة حااليا على نطاق غير مسبوق.
وبسذاجة مماثلة، قبل وير دون مساءلة الزعم بأن قائد حماس في غزة، يحيى السنوار، معروف بأنه "يكره اليهود". على أي أساس؟ لأن ضابط أمن إسرائيلي سابق اعترف متباهيا أنه استجوب السنوار قبل سنوات "لمدة تتراوح بين 150 و180 ساعة"، قال ذلك؛ وعادة ما يتضمن استجواب الفلسطينيين من قبل إسرائيل فترات طويلة من التعذيب.
إساءة استخدام الأموال العامة
كل هذا مألوف بصورة محبطة ؛ نادراً ما تعمقت بي بي سي وبانوراما في القضايا التي قد تنعكس سلباً على إسرائيل وتخاطر برد فعل عنيف من الانتقادات، بما في ذلك من الحكومة البريطانية. انعدام الأسنان [بمعنى الوداعة] عندما تتكشف أحداث الإبادة الجماعية في غزة أمر فظيع بشكل خاص.
لكن بي بي سي لا تتغاضى عن تلك الجريمة المروعة فحسب، بل تستخدم مواردها ــ الأموال التي يقدمها دافعو الضرائب البريطانيون ــ للتعتيم على حملة الإبادة الجماعية الإسرائيلية وتعتبرها معقولة ضمنا لكونها مبررة.
المفارقة تكمن في برنامج أطروحته أن حماس أساءت استخدام الأموال العامة لأغراض شريرة، يفعل نفس الشيء الذي يدينه. لقد أساءت استخدام الضرائب البريطانية لتقديم قضية وهمية تماما توفر الغطاء لقتل وجرح عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت