القدس في كتابات الأسيرات والأسرى7

محمود شقير
2024 / 2 / 28

ا
وفي كتاب السيرة "ظل آخر للمدينة" الصادر عام 1998 وصفت اعتقالي مرتين، الأولى بتاريخ 27 تموز 1969 والثانية في 19/ نيسان 1974وأودعت سجن المسكوبية ثم سجن صرفند العسكري وبعد ذلك سجنا الرملة الدامون، ثم سجن رام الله، وسجنا الجلمة وبيت ليد، وقد أبعدت من هذا السجن الأخير إلى لبنان عام 1975، ولم أعد إلى القدس إلا عام 1993.
وكنت وصفت الساعات الأولى لاعتقالي عام 1969 واقتيادي ليلًا من بيتي في جبل المكبر إلى سجن المسكوبية على النحو التالي: "عند اقتراب الفجر، جاء ضابط المخابرات الذي اعتقلني، وقد أرهقني الوقوف طوال ساعات في مواجهة السور. طلب مني أن أتبعه، (...) مضيت إلى جانبه، لا أسمع سوى طرقات أحذيتنا على إسفلت الشارع الصاعد من مكاتب التحقيق إلى الساحة الخارجية لسجن المسكوبية، الذي يقع على تخوم الجزء الشرقي من القدس. (...) والقدس تنام الآن في سكون الفجر، وستصحو بعد قليل من نومها، فتعرف أنني لم أعد قادراً على التجوال في شوارعها وأزقتها، فتضيف إلى أحزانها المتراكمة حزناً جديداً. أسير صامتاً، متهيباً مما تبيته لي الأيام القادمة، ويسير الضابط صامتاً. نقترب من ساحة المسكوبية، التي لم تكن سجناً في الأصل، بل: "مؤسسة معدّة لاستقبال الزوار الروس في الأعياد والمواسم، يديرها رهبان وراهبات من الروس أنفسهم، يحيط ببنائها الفخم وكنيستها الكبرى حدائق وكروم زيتون على التلال والأودية، يتألف من مجموع ذلك مناظر رائعة يُرى منها جبل الطور والأبنية التاريخية البارزة بقببها ومآذنها وقواعد أجراسها، مما يضمن لكل زائر راحته وانشراحه مهما كان مثقلاً بالأتعاب فكراً وجسماً" وذلك كما يصفها مصطفى مراد الدباغ في كتابه "بلادنا فلسطين". الآن لا وجود لحدائق حول المكان. ولم أر سوى بناية قديمة متجهمة، تعلو السور المحيط بها شبكة من الأسلاك الشائكة" ص116.
من داخل السجون
ثمة عدد غير قليل من الروايات والسير والشهادات التي كتبها الأسرى الفلسطينيون وهم في الأسر.
في كتاب "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي" للأسير مروان البرغوثي يتطرق الكاتب إلى المعاناة الممتدة التي عاشها في الزنازين وفي التحقيق الذي استمر فترة طويلة مصحوبًا بالتعذيب.
ويرد ذكر القدس وسجن المسكوبية في عدد من صفحات الكتاب. فقد كتب مروان في إحدى رسائله للشاعر اللبناني زاهي وهبي الذي قدّم الكتاب: "سيكون لقاؤنا في القدس المحررة حيث ستحظى بمتعة الجلوس على أسوار القدس لتشعر أنك تتربع على عرش حضاري يمتد آلاف السنين، وحيث نحتسي فنجان قهوة في البلدة القديمة على أصداء أذان المسجد الأقصى وصوت أجراس كنيسة القيامة. حين ذلك البهاء تقدم برنامجًا بعنوان "خليك بالقدس" ص13 .
ويواصل الكاتب التطرق إلى وضع القدس تحت الاحتلال واصفًا إجراءات المحتلين الإسرائيليين ضدها: "استمروا في سياسة عزل القدس وتهويدها وبناء المستوطنات فيها وإغلاق المؤسسات على اختلاف أنواعها والتضييق على سكانها بهدف إجبارهم على الهجرة منها وتفريغها". ص198
ويتطرق إلى ذكر سجن المسكوبية وتعرضه للتحقيق وللتعذيب فيه غير مرة، ومن بين هذه المرات تعرُّض والدته للتحقيق في هذا السجن البغيض الذي أطلق عليه المعتقلون الفلسطينيون وصف "المسلخ" بسبب سمعته السيئة في تعذيب المعتقلين " ص170
***
وقد أنجز الأسير باسم خندقجي المحكوم ثلاثة مؤبدات في سجون الاحتلال كتابة ست روايات في السجن علاوة على ديوانيّ شعر.
في أحدث رواية له بعنوان "شياطين مريم المجدلية" تتبوأ القدس مكانة بارزة في السرد حيث بطل الرواية نور الشهدي الذي يخطط لكتابة رواية عن مريم المجدلية، ما يجعله مضطرًا إلى دخول المستوطنة المقامة على أنقاض بلدة اللجون الفلسطينية، تسنح له الفرصة حين عثر على هويةٍ شخصية ليهودي اسمه أور شابيرا. يستعين نور بالشيخ المقدسي ذي الأصول المغربية لكي يضع صورته على الهوية ليتمكن بعد ذلك من تحقيق غايته. لنتابعه وهو يخاطب صديقه المعتقل مراد ويعيش متهربًا في القدس كونه من مواطني رام الله الذين لا يستطيعون دخول القدس بسهولة:
"ها أنا الآن هنا في قلب القدس.. هل تصدق هذا؟
جئتها بالأمس قبل الفجر بقليل كعاشق، حيث تسلّلتُ عبر إحدى الثغرات في جدار الفصل العنصري المُقام ما بين ضواحي القدس وضاحية الرّام، أهو حقّاً جدار فصل عنصري يا مراد أم عتبة تفصل بين عالمْين متناقضيْن.. عالم المركز وعالم الهامش.. عالم أور شابيرا وعالم نور الشهدي؟
إن المفارقة الساخرة هي أنني أتسلّل إلى القدس بلا قناع.. أتسلّل نور الشهدي الشاب الفلسطيني اللاجئ.. وأما حين أتجول في شوارعها لا أكون سوى أور شابيرا.. أشعر الآن أنك ستنتفض في وجهي لتقول لي ألا يوجد لديك خيارات أخرى يا نور.. هل ستقلد الآخر الصهيوني من أجل عمل روائي.. ما الذي دهاك؟
كلا يا مراد.. اطمئن فأنا لم أزل أنا نور بيْد أنني نور الجواني.. وأما أور فهو أور البرّاني.. أنا الباطن وهو الظاهر.. الباطن يتجلّى والظاهر يُحجب.ص91
ينتقل السرد إلى السارد ويروقه أن ينقل مشاعر نور وهو يتجول في المدينة: "ثمة دكاكين في السوق ما زالت مغلقة وأخرى تثاءبت بكسل في طريقها إلى فتح أبوابها سعياً وراء الرزق، بلغ المنعطف المؤدي إلى شارع الواد شمالاً، فسلكه بتؤدة وثبات. شعر بأن القدس بكامل أبهتها ترافقه متأبطة ذراعه، أحس بأنه يتجول في قصائد كُتبت عنها وإليها، هكذا هو عهده معها. إنه يتخيّلها لكي يعتنقها ويعشقها. أعجبه هذا الصفاء الصباحي الهادئ الخارج من صخب الليلة الماضية برصاصها وقنابلها الصوتية والخانقة.
انعطف مرة أخرى يميناً باتجاه الشرق هذه المرة، سالكاً طريق الآلام، هذا الطريق الذي سار فيه يسوع وتوقف منهاراً عدة مرّات من أثر التعذيب وعبء صليبه الثقيل. لطالما سار نور في هذا الطريق دليلاً سياحياً للعديد من مجموعات الحجاج والسيّاح الأجانب، وأما الآن فهو يسير فيه حاملاً قناعه لا صليبه، متسائلاً في سرّه أليست كل طرق ودروب القدس مزدحمة بالآلام؟
تجاوز أكثر من نصف الطريق، ثم انعطف يساراً نحو الشمال حيث طريق باب الساهرة الذي غالباً ما يكون هادئاً وخالياً من المارة والعابرين، في مثل هذا الوقت بعكس باب العامود المدجّج بقوّات الشرطة وحرس الحدود في معظم الأوقات".ص104
ونتابع:
"عزيزي مراد..
ما زلت هنا في القدس داخل حجرة عتيقة كانت قبل قليل تعبق بكرم الشيخ مرسي وصداقته الوفية، في لقاء أخير قبل الرحيل إلى "مشمار هعيمق"..
.ص142
ما يلفت النظر في هذه الرواية مواكبتها لحدث يومي معروف واستثماره في بناء النص الروائي على نحو يخدم هدف تقويض المفاهيم الاستعمارية الصهيونية. هنا تتحدث الفتاة الصهيونية أيالا مع نور المتخفي في شخصية أور اليهودي، وهي التي تعلن نقمتها على الفلسطينية سماء إسماعيل ابنة حيفا الملتحقة بفريق الآثار التي ترفض بشكل علني كل حجج أيالا في مشاهد متقنة إلى حد بعيد لا يتسع الحيز لذكرها هنا.
وتنتهي الرواية بأن يحقق نور هدفه من الوصول إلى المستوطنة التي أقيمت على أنقاض البلدة الفلسطينية، ثم يقوم بكشف حقيقة شخصيته لسماء إسماعيل ابنة حيفا، وحين يتم الإعلان عن إنهاء مهمة التنقيب عن الآثار بسبب توتر الأوضاع في فلسطين، يغادر نور المستوطنة وتغادرها سماء التي تحمله في سيارتها في طريق العودة إلى حيفا.
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت