المفاوضات بين الكيان الصهيوني والمقاومة لكل حساباته من أجل تحسين شروط التفاوض

جيلاني الهمامي
2024 / 2 / 28

فيما يتواصل العدوان العسكري الغاشم على غزة مخلفا يوميا مئات من الشهداء والمصابين وكثيرا من الخراب >المادي في مستوى البنية الأساسية والمباني والمرافق العامة عاد الحديث من جديد عن المفاوضات بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية بوساطة أمريكية مصرية قطرية ويأخذ حيزا أكبر فأكبر ليشد اليه هذه الايام اهتمام الرأي العام العربي والعالمي.
الحرب والمفاوضات وجهان لمعركة واحدة
تدخل الحرب عما قريب شهرها السادس مخلفة حصيلة ثقيلة في الأرواح والبنى الأساسية والبنايات. وهي حصيلة غير متكافئة من الجانبين. ففي الجانب الفلسطيني أكثر من 100 ألف مدني فلسطيني ذهبوا ضحية هذا العدوان إما شهداء (حوالي 30 ألف) أو مصابين عدا المفقودين الذين قضوا تحت الأنقاض. أما في الجانب الصهيوني فإن عدد القتلى يرتفع الى أكثر من الفين عسكري بين جنود وضباط والى أكثر من ستة الاف جريح. ومن المرجح ان يكون العدد أكبر بالنظر للتكتّم الذي يمارسه الكيان الصهيوني على حقيقة خسائره العسكرية في هذه المعركة. ومع ذلك مازال الوحش الصهيوني متعطشا لمزيد من الدم تحركه روح الانتقام من الإهانة التي الحقتها به المقاومة يوم 7 أكتوبر الماضي. لذلك يصر جانب من قادة الكيان على المضي في الحرب التي رغم مضي أكثر من أربعة أشهر ولم يتحقق من أهدافها شيء. فلا هم تمكنوا من القضاء على حماس ولا من ازاحتها من السلطة في القطاع ولا استطاعوا تحرير الأسرى وباءت كل محاولاتهم بالفشل حتى بات من باب المسلم به أن لا تحرير للأسرى الا عبر صفقة مع المقاومة.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة متفاوت في صفوف القادة السياسيين – سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة – والعسكريين الصهاينة. لقد حصلت القناعة لدى جناح منهم أن سقف الأهداف المرفوع قد بات في ضوء حقائق الميدان مستحيل التحقق وعليه بات من الضروري إيلاء الأولوية لعقد صفقة تبادل الاسرى والقبول بالتنازلات التي يستوجبها الامر ومراجعة استراتيجية التعاطي مع المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بالتحديد وذلك باستبدال شعار القضاء عليها عبر الحرب باحتوائها بأشكال أخرى.

من الجهة المقابلة يستمر الجناح الآخر، وهو الجناح اليميني المتطرف بزعامة نتنياهو، الماسك بمقاليد النفوذ في الحكومة والجيش الصهيونيين، في التعويل على المضي في الحرب ما لم تتحقق الأهداف المرفوعة رغم الكلفة المادية والعسكرية الباهظة التي يتكبّدها كل يوم.

ما انفكت الفجوة بين المقاربتين تتسع حتى دب الخلاف إلى صفوف الكيان الصهيوني، دولة ومجتمعا ومؤسسات، بل وإلى صفوف الائتلاف الحزبي الحاكم وبين الكيان والامبريالية الامريكية التي تتصرف في هذه المعركة، كما في الصراع الفلسطيني الصهيوني عامة، كطرف مباشر.

في الاثناء دخلت عوامل أخرى لتمارس ضغوطا كبيرة على الجناح الصهيوني الدموي يستغلها الجناح الخصم في محاولته منه لفرض رأيه ومقاربته. تتلخص هذه العوامل في الازمة الاقتصادية والمالية (آخر مظاهرها التصنيفات الدولية للاقتصاد الصهيوني وأهم مؤسساته) من ناحية والأوضاع الاجتماعية الناجمة عن إجلاء مئات الالاف من سكان مستوطنات الشمال المحاذية للحدود مع لبنان وسكان مستوطنات غلاف غزة من ناحية أخرى واحتجاجات عائلات الاسرى الذين حولوا مطلب التعجيل بعقد صفقة تبادل أسرى مع حماس إلى مطلب رائج جدا في المجتمع الصهيوني. في المقابل من ذلك يتأكد كل يوم أكثر أن أفق "تحقيق النصر" من وجهة نظر نتنياهو ومن معه ليس بالأمر القريب، وإن له كتب له أن يحصل فسيتطلب ذلك وقتا طويلا جدا وخسائر من غير المتأكد أن يقبل بها المجتمع الصهيوني ولا الراي العام الدولي ولا حلفاؤه وداعموه. وعلى العكس من ذلك اتضح وأن المقاومة مازالت تمتلك العديد من الأوراق السياسية والميدانية التي من شأنها أن تتحكم في عامل الزمن وأن تنقل الازمة النفسية الى صفوف العدو.

في مثل هذه المناخات يتخذ مخرج المفاوضات لدى كل الأطراف، الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية وعموم خط المقاومة في المنطقة والرجعيات العربية بما فيها سلطة عباس على حد السواء أهمية بالغة في الظرف الراهن، كل في إطار مقاربته الخاصة وفي علاقة بمصالحه.

نتنياهو: التصعيد لتحسين شروط التفاوض
لا يمانع نتنياهو في المشاركة في المفاوضات الجارية الان برعاية أمريكية وبوساطة مصر وقطر، وقد كلف لهذا الغرض رؤساء الموساد والشاباك وممثل عن المؤسسة العسكرية الصهيونية لتمثيل الكيان ومستشاره السياسي كعين رقيب عما يمكن أن يحصل في المفاوضات. بصورة موازية لذلك أعلن مرارا وتكرارا أن لا حل لتحرير الاسرى الا عبر العملية العسكرية التي يتباهى كذبا بأنها تتقدم بنجاح. ويلتقي في هذا الموقف مع وزير الدفاع في حكومته "غالنت" ومع حلفائه من أقصى اليمين الصهيوني الديني سموتريتش وبن غفير. وقام في الأيام الأخيرة بحملة دعائية للحملة العسكرية على مدينة رفح جنوب القطاع حيت يتكدس أكثر من مليون ونصف نازح فلسطيني. بل وذهب الى المصادقة على خطة احتياطية لإجلاء المدنيين تمهيدا لعملية عسكرية وشيكة في حال ما لم تتقدم المفاوضات.

يدرك نتنياهو حقيقة المصاعب الاقتصادية التي ستعصف بحكومته كما يدرك خطورة مأزق الحرب في غزة وتبعاته السلبية على الكيان الصهيوني وأيضا تراجع شعبيته واتساع رقعة المعارضة لسياساته وطريقته في إدارة المعركة كما يدرك حالة الانهاك التي بات عليها الجيش علاوة على المصاعب التي تعترضه في التزود بالأسلحة وقطع الغيار (قرارات المانيا وإيطاليا وفرنسا ومقاطعة كاتالونيا في اسبانيا ومقاطعة والوني في بلجيكا الخ...) إلى جانب عزلة الكيان على المستوى الدولي ولكنه ومع ذلك يجد نفسه مجبرا على المكابرة والاستمرار في التصعيد فذلك هو سبيله الوحيد للخلاص. فأي تنازل من جانبه سيكلفه تفكك تحالفه الحكومة وبالتالي سقوط حكومته والذهاب الى انتخابات مبكرة بات جزء هام من الراي العام داخل الكيان ينادي بها. وهو مدرك أيضا أن حظوظه في الانتخابات القادمة ضعيفة وبالتالي عليه مواجهة ملفات الفساد المرفوعة في وجهه والتي ستودي به الى السجن. فقضية الاستمرار في الحرب تحكمها مصالح شخصية بحتة يحاول نتنياهو أن يحمّلها شحنة سياسية ومعنوية لتعبئة الجيش والراي العام وراءه.

وفي باب المراوغة فإن نتنياهو إذ يقبل بالذهاب الى المفاوضات فإنه يمارس اشد الضغوط تحت عنوان "عدم الرضوخ لشروط حماس" لحصر عملية التفاوض في تبادل الاسرى فقط (3 أسري فلسطينيين مقابل كل اسير صهيوني في الجولة الماضية وقبوله بالترفيع في العدد الى 13 اسير فلسطيني مقابل اسير صهيوني في الجولة الحالية). وقد طور في الأيام الأخير مقولة "المفاوضات المسؤولة" والتي ضمنه بدأ بتقديم تنازلات من قبيل القبول بعودة النازحين لكن بشكل محدود ومتدرج فيما كان موقفه في الجولة الماضية ينص على "إعادة النظر" في عودتهم. صحيح أن نتنياهو مازال مصرا على عدم القبول بأحد شروط المقاومة وهو الاتفاق على "الانسحاب الكلي للجيش الصهيوني من القطاع" والاستمرار في التلويح باجتياح مدينة رفح رغم معارضة العالم كله تقريبا بما في ذلك الامبرياليات الغربية أمريكا وألمانيا وفرنسا وغيرهم. والواضح ان ربط المفاوضات باستمرار العدوان (خاصة على رفح) الغاية منه هو الضغط على حماس للقبول برؤيته وبالتالي تحسين شروط التفاوض لتحقيق مكاسب لم يقدر على تحقيقها بالعدوان العسكري الوحشي.

ولكن وبالنظر لجملة الاكراهات التي يعيشها الكيان الصهيوني والتي ستتخذ أبعادا اقوى واشد مع استمرار الحرب في غزة لأشهر أخرى ومع اقتراب شهر رمضان فإن نتنياهو الذي يناور مستعملا ورقة "رفح" أميل الى اللجوء الى التفاوض أكثر منه لمواصلة الحرب. وهو مجبر على ترويض حلفائه في الائتلاف الحكومي (غالنت وسموتريتش وبن غفير) لحماية هذا التحالف من السقوط وحماية نفسه ومصيره السياسي ومجبر أيضا على توخي التدرج من حيث الوقت وفي مراجعة سقف أهدافه لملائمة الموقف مع معطيات الميدان.

الجناح الصهيوني الاخر: مزيدا من الضغط على أمل
مازالت المعارضة (من خارج الحكومة بقيادة لبيد) مثلها مثل حركة عائلات الاسرى لم تتوصل بعد الى ترجيح موازين القوى لصالحها رغم النقاط الهامة التي سجلتها على حساب نتنياهو وحكومة في علاقة بملف الاسرى خاصة. ومرد ذلك هو فشلها في خلق حركة قوية قادرة على اجبار نتنياهو على القبول بمقاربتها في التعاطي مع الحرب ومع حماس والعلاقة بغزة. كما يتأتى ذلك أيضا من فشل الضغط الذي مورس على الحكومة في خلق تصدع داخلها وتفجير التحالف اليميني المتطرف الذي تقوم عليه. حتى ما يمكن اعتباره معارضة داخل حكومة الحرب، أي "بني غانتس" و"غادي ايزنكوت"، فقد بدت في المدة الأخيرة كأنما سلمت امرها لنتنياهو الذي لا يتوانى عن تغييبهما في أخذ القرارات سواء المتصلة بالحرب أو بالمفاوضات. وتمثل حركة عائلات الاسرى أهم فعالية ميدانية للضغط على حكومة الحرب وتحاول المعارضة من خارج الحكومة ومن داخلها الاستفادة من الطاقة التعبوية لهذه الحركة خصوصا بعد قرارها بتنظيم مسيرة لمدة اربع أيام من غزة الى القدس.

ولئن لم تجن المعارضة الان مكاسب ذات بال فإنها في الحقيقة بصدد المراكمة لتحقيق انتصارات على نتنياهو على المدى المتوسط وربما حتى مباشرة بعد انتهاء الحرب. وقد جاء في استطلاعات الراي في الكيان الصهيوني أن المعارضة بشكل عام وبني غانتس قد كسبا نقاط مهمة على حساب تحالف اليمين وعلى نتنياهو شخصيا. والأكيد أن المعارضة ستستمر في الضغط من أجل فرض رؤيتها. وسواء حققت هذا الهدف أم لا فإنها في كل الأحوال ستلعب دورا مهما في الإطاحة بنتنياهو وتحالف اليمين. ولا يجب أن ننسى الدور الذي ستلعبه الإدارة الامريكية والحزب الديمقراطي الأمريكي تحديدا في دعم مساعي هذا الجناح للتخلص من نتنياهو الذي لا يحظى بمطلق الرضا من جهة إدارة بايدن.

الولايات المتحدة الامريكية: خطوة الى الامام وخطوة الى الوراء
وقفت الولايات المتحدة الامريكية الى جانب حرب الإبادة الجماعية بشكل مفضوح. بل تصرفت منذ الأيام الأولى للحرب كشريك سياسي وعسكري ميداني وإعلامي واقتصادي ومالي. وقد جلب لها هذا الموقف سخط أوساط واسعة من الشباب الأمريكي على المستوى المحلي وانتقادات شديدة في المحافل الدولية. وخسرت إدارة بايدن حوالي نصف حظوظها من نوايا التصويت خاصة في أوساط الشباب. وشعر بايدن مرشح الرئاسة الامريكية موفي العام الجاري بالخطر خصوصا بعد صعود أسهم خصمه الأساسي دونالد ترمب العائد بقوة. لذلك حاول بايدن في المدة الأخيرة إجراء بعض "الروتوش" على سياسته الخارجية في الشرق الأوسط وفي الحرب على غزة تحديدا.

إن تركيز بايدن على الزيادة في حجم المساعدات الإنسانية والتكثيف منها وإحياء "حل الدولتين" والذهاب الى التلويح بالاعتراف بدولة فلسطينية (دولة منزوعة السلاح والسيادة) وإعلان هدنة إنسانية لفترة زمنية طويلة نسبيا كلها عناصر من مناورة كبرى تستهدف قضية الشعب الفلسطيني. فهذه المواقف التي قد تظهر مغرية في ظاهرها لا تمس في شيء حقيقة الموقف الأمريكي من فلسطين و"إسرائيل". إن ثوابت الموقف الأمريكي واساسا ان لا دولة من البحر الى النهر غير دولة "إسرائيل" وأن لا تراجع عن الاستيطان ولا سبيل لعودة المهجرين ولا مجال للمساس بأمن الكيان الصهيوني، كل هذه الثوابت لم يتزحزح عنها بايدن قيد أنملة بل أكثر من ذلك مازالت إدارته تعارض وقف إطلاق النار رغم ما حصل من جرائم إبادة ومن دمار ورغم كل المساعي الدولية لإيقاف المجزرة (قرار محكمة العدل الدولية الخ...). على العكس من ذلك مازال يصر على استصدار قرار من مجلس النواب والشيوخ يقضي بالموافقة على مساعدات جديدة للكيان الصهيوني وآلته الحربية

لكن تكثيف بايدن ووزير خارجيته من الدعاية لمناورتهم وللطبخة التي هم بصدد إعدادها لـ “غزة في اليوم التالي" أثارت حفيظة قادة الكيان الصهيوني الذين مارسوا على بلينكن في زيارته الأخيرة الى المنطقة ضغوطات كبيرة لحمله على مراجعة موقفه وتعديل أوتار فريق بايدن. وقد نجحوا في ذلك حيث بدا واضحا أن الخطاب الأمريكي قد عاد من جديد الى التمسك بالاستمرار في الحرب "حتى القضاء على حماس" والتمسك بعدم وقف إطلاق النار.

في كلمة يواجه بايدن ضغوطات مزدوجة وفي اتجاهات متناقضة فهو من جهة مطالب بمسايرة المزاج الشعبي أو قل المزاج الانتخابي الأمريكي وخاصة في أوساط الشباب والجاليات العربية والإسلامية لتحسين حظوظه الانتخابية قبل أقل من عشرة أشهر على الانتخابات الرئاسية. ومن جهة أخرى مطالب بمسايرة اليمين الصهيوني وحربه الاجرامية على غزة والعمل كل العمل من أجل ضمان دعم اللوبي الصهيوني المتنفذ في أوساط المال والاعمال في أمريكا ويحظى بقوة عظمى في توجيه الراي العام الانتخابي في أمريكا. ويمكن القول إنه، أي بايدن، قد نجح حتى الان في التوفيق بين هذه المتناقضات ولكنه يخشى مع تقدم الزمن واقتراب تاريخ الاقتراع في أمريكا من أن تدور عجلة الأمور في الاتجاه الذي لا يشتهيه. لذلك نراه يحاول الاستعانة بالأنظمة لرجعية العربية لتمرير صفقة هدنة بين المقاومة والكيان الصهيوني المحتل يجني منها هذا الأخير أكثر ما يمكن من المكاسب للتعويض عما لحقه من خسائر سياسية وعسكرية ومعنوية لم يسبق له ان خسرها.

الرجعيات العربية: أخلاق الخدم
يمثل الخذلان العربي لشعب غزة واحدا من الأسباب التي شجعت وتشجع العدو على التصرف بكل هذه البربرية والوحشية. الأدهى وأمر هو أن الأنظمة العربية المطبعة مع الكيان لم تتخذ مواقف ترقى للموقف جنوب افريقي أو بوليفيا واقتصر موقفها على دعوة السفير الصهيوني وما الى ذلك من الإجراءات الديبلوماسية التي لا تلبي الحد الأدنى مما يمليه الموقف والوضع. ويتجسد التطبيع في الاتصالات الحثيثة مع رموز الكيان الصهيوني ومسؤولي أجهزة الاستعلامات الصهيونية (الموساد والشاباك) في القاهرة والدوحة وباريس وبرلين وغيرها والتنسيق من أجل صياغة صفقات تبادل الاسرى وأحيانا ممارسة ذات الضغوط من أجل تليين مطالب واقتراحات المقاومة. وقد كشفت الاخبار عن بعض الاتصالات السرية التي جرت أحيانا من أجل إعداد طبخة ما لصالح الكيان الصهيوني وكشف بعض قادة الكيان عن ذلك وعن بعض المفاهمات السرية مثل الاتفاق الحاصل على ضرورة تصفية حركة حماس باعتبارها خطر لا فقط على الكيان المحتل بل وكذلك على الأنظمة الرجعية في البلدان العربية المحيطة بفلسطين المحتلة.

إلى جانب ذلك فتحت السعودية أراضيها لتكون معبرا لعبور السلع من الامارات العربية باتجاه مواني جنوب فلسطين المحتلة وذلك بعد أن عطلت صواريخ الحوثيين في اليمن مرور البواخر الى ميناء ام الرشراش (ايلات) جنوب الكيان الصهيوني. وعادت الاتصالات السرية من جديد بين الكيان الصهيوني والسعودية آخرها لقاء وزير الصناعة الصهيوني بنظيره السعودي على هامش مؤتمر تستضيفه أبو ظبي. ولا يمكن أن ننسى مشاركة الامارات والبحرين في الهجمات الجوية للولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا على اليمن.

وجرت اتصالات معلنة وسرية كثيرة للتشاور حول وضع غزة "في اليوم التالي للحرب" وفي هذا الصدد نشط رئيس السلطة الفلسطينية عباس وقام ببعض الزيارات في المنطقة الى جانب لقاءاته مع المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين الذين زاروا المنطقة للمساهمة في بلورة تصور مستقبل قطاع غزة بعد الحرب. وكان عبر منذ البداية عن استعداده للقيام بالمهمة التي سيطلبها منه الامريكان والصهاينة وهي تولي السلطة في قطاع غزة خلفا لحماس وفق المخطط الأمريكي الصهيوني. وفي إطار مفاهماته مع أمريكا وشيوخ الخليج وكتمهيد لما يسمى خطة "إصلاح السلطة الفلسطينية" قدمت حكومة الضفة استقالتها في انتظار تعليمات جديدة.

ومن جهة أخرى شاركت مصر والأردن في الحصار المضروب على غزة وعموم فلسطين المحتلة وأغلقت المعابر في وجه البضائع والسلع والمؤن في وقت كان الشعب الفلسطيني يعيش في العراء وفي حاجة أكثر من ماسة لأبسط مواد التغذية وللماء الصالح للشرب والأدوية. ومازالت هذه المعابر تحت رقابة الصهاينة، الجيش ومجموعات المستوطنين، الذين يتحكمون في تدفق شحنات المساعدات ويمنعونها تماما عن شمال القطاع.

وفي الأوضاع الحالية والحرب جارية على جنوب القطاع بالتركيز على مدينة خان يونس وفيما يجري الاعداد لهجوم محتمل على مدينة رفح حيث يتجمع أكثر من مليون ونصف من النازحين تجري في الكواليس اتصالات ومشاورات حول كيفية تصفية المقاومة وسبل القضاء على حماس تماما كما يطلب بايدن ونتنياهو. كما تجري الضغوط على حماس من أجل التخفيف من شروطها ومراجعة مدة الهدنة والتقليص من عدد الاسرى الفلسطينيين لدى الكيان مقابل الاسرى الصهاينة وذلك بدعوى تقريب وجهات النظر والاقتراب أكثر من حل قبل حلول شهر رمضان.

لقد بينت عملية "طوفان الاقصى" أن الكيان الصهيوني الذي يملك أقوى آلة حربية في المنطقة ويحوز على آخر مبتدعات العلم في المجال الصناعي والتكنولوجي والعسكري بعيد كل البعد عن الصورة التي روجها عن نفسه وأقنع بها العالم، صورة الجيش الذي يصعب مباغتته او الذي لا يهزم وأن قدرته على خوض حرب شاملة وعلى جميع الواجهات، فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وغيرها، تتأتى أساسا من أمرين اثنين هما أولا الدعم الأمريكي وثانيا تواطؤ الأنظمة العربية العميلة والخونة. فلو لا هذين العاملين ما كتب له أن يصمد ولو لبضعة سنوات فقط. ولقد تأكد في الحرب الأخيرة أن مستقبل هذا الكيان حتى في ظل الدعم اللامتناهي الأمريكي والخيانة اللامتناهية للأنظمة الرجعية العربية سيظل محفوفا بالمخاطر لمجرد أن تمكنت المقاومة من تحسين قدراتها العسكرية وأن مستقبله سيكون حتما الفناء لو تتمكن المقاومة من اكتساب أسلحة جوية وقدرات أقوى في مجال اعتراض الصواريخ واسلحة التدمير.

المقاومة: حبذا لو ولكن
ما من شك أن المقاومة تمر بصعوبات بعد أكثر من 140 يوم من الحرب المدمرة التي كبدت الشعب الفلسطيني في غزة خسائر وتضحيات تفوق الخيال. صعوبات هائلة ومتنوعة تشمل جميع جوانب الحياة من أبسط حاجياتها إلى متطلبات العيش بالنسبة للمجتمع. وبطبيعة الحال ترى المقاومة نفسها مسؤولة عن ذلك بل أول من يتعين عليه التفكير في سبل حل هذه المشاكل وتوفير الحلول والاستجابة لطلبات الشعب الفلسطيني في غزة. إن الشعب الذي مثل الحاضنة الواقية للمقاومة وأعطاها من ثباته وصبره وتضحياته بلا حدود يستحق أن تعطيه المقاومة كل ما هي قادرة عليه وأكثر من أجل التخفيف من أتعابه وآلامه. وبقدر ما هي مطالبة بأن تبلي البلاء الحسن في ساحة المعركة المسلحة لتذود عن أبناء الشعب وتتصدى للاقتحامات العسكرية الصهيونية وتحقق عليها انتصارات بذات القدر هي مطالبة بالبحث عن حلول تفاوضية لوقف العدوان وتمكين المدنيين من فاصل زمني – يطول أو يقصر-لاسترداد أنفاسه ولملمة جراحه. وهي في ذات الوقت المسؤولة الأولى عن أي هفوة يمكن ان تشوب الصفقة التي يمكن عقدها مع العدو بغاية الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية التي تستوجبها أوضاع المعركة.

تمسك المقاومة بأوراق مهمة لها أثر كبير لا فقط في المواجهة وإنما أيضا في المفاوضات من أجل وقف إطلاق النار وتبادل الاسراء وإدخال المؤن والبضائع. من هذه الأوراق ذات الأثر صمود الشعب الفلسطيني واستمراره في احتضان المقاومة وقد فشل العدو فشلا ذريعا في تحييد هذا العامل الاستراتيجي الكبير في معركة غزة. ومن الأوراق أيضا القدرة القتالية التي أبرزتها المقاومة على أكثر من صعيد، سواء في مستوى إدارة المعركة الميدانية ككل وتدبير الهجوم والدفاع وحسن الربط بينهما بالاعتماد خاصة على الأسلحة الذاتية التي طورتها المقاومة وباغتت العدوة بفعاليتها وقوتها القتالية وأيضا بالاعتماد على سلاح الانفاق الذي يمثل عنصر تفوق في يد المقاومة يسمح لها بالحفاظ على المبادرة في إدارة المواجهة العسكرية. أما الورقة الأخرى والتي لا تقل أهمية عن البقية بل لعل تفوقها من حيث قدرتها على ممارسة الضغط على العدو في اتجاهات متعددة وهي ورقة الاسرى الذين مع تقدم الزمن تحولوا ويتحولون كل يوم الى عنصر داعم لصف المقاومة في المعركة وعنصر ضغط على قادة العدو وجيشه.

لقد أحسنت المقاومة حتى الآن استخدام هذه الأوراق في المعركة رغم تفوق العدو من الناحية العسكرية (عدد الجنود والضباط والخبرات القتالية ونوعية الأسلحة الجوية والذكية وذات الطاقة التدميرية الكبيرة). وهي تجد نفسها اليوم في موقع يسمح لها بهامش مهم نسبيا من المناورة في العملية التفاوضية غير المباشرة الجارية الان. وهي ايضا مستمرة في استغلال كثير من المعطيات المتعلقة بالداخل الصهيوني وبالأوضاع الدولية لتتحكم في جانب مهم من المفاوضات. لقد رسمت المقاومة سقفا عاليا نسبيا لجولة المفاوضات الجديدة لعل أبرز عناصرها هو انسحاب الجيش الصهيوني كليا من غزة وتمديد فترة الهدنة لعدة أشهر متجددة وتحديد عدد مرتفع من الاسرى الفلسطينيين لدى العدو مقابل الاسرى الصهاينة. وحتة إن قبلت بمراجعة بعض هذه الشروط (عدد الاسرى) فذلك في أفق تحقيق العديد من المكاسب التي تحتاجها المعركة اليوم.

صحيح أن العدو الصهيوني "لم يجد الشجاعة" للقبول بذلك لأنه يدرك، كما أعلن نتنياهو، ان القبول بهذه الشروط يعني "انتصار حماس" و"هزيمة إسرائيل" ولكنه إذ يناور هو الاخر فإنه يستمر في قصف كل مناطق القطاع ويهدد باقتحام مدينة رفح و"تكثيف النار على جنوب لبنان" كما قال وزير الحرب الصهيوني حتى في صورة حصول اتفاق مع المقاومة ويلوح بعدم الرضوخ لطلبات المجتمع الدولي وطلبات أمريكا. ومفهوم أنه في ضوء كل المعطيات المحيطة بالحرب على غزة، معطيات الداخل وميدان المعركة المسلحة ومعطيات الساحات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم ودينامية حركة المساندة الدولية وتحرك المؤسسات الدولية (محكمة العدل ومجلس الامن الخ...) ان كل تهديدات نتنياهو ووعيده هي مجرد رسائل للداخل لتخفيف من حالة الانقسام التي تزداد كل يوم عمقا وهي أيضا أسلوب للضغط من أجل تحسين شروط التفاوض. لكن الأكيد أنه سيخضع إن عاجلا أو آجلا لمنطق المفاوضات واللجوء الى حل وليد مائدة الحوار.

بدأت الصورة في الاكتمال. والأمور تتجه عموما نحو حل متفاوض في شأنه، حتى وإن استمرت الاعمال العسكرية لفترة أخرى. ومما لا شك فيه أن كل من الطرفين سيحشد لصالحه أكثر ما يمكن من عوامل كسب هذه الجولة تماما كما فعل في جولة المواجهة الحربية. وبطبيعة الحال ستتضمن جولة الحوار كل اشكال المناورات من أجل مساعدة "إسرائيل" على التخلص من كابوس 7 أكتوبر ولا شك أن أمريكا ستضغط بأقصى ما لديها من إمكانيات في هذا الاتجاه وهو ما سيفعله الوسطاء العملاء ايضا. فلا حياد في هذه المعركة. ومما شك فيه أيضا أنه يراد لهذه المفاوضات ان تتضمن أسس الحل المستقبلي لغزة ولمجمل القضية الفلسطينية.

ومع ذلك فقد بات واضحا وبشكل جلي أن حالة ما قبل 7 أكتوبر قد انتهت وأنت حالة جديدة قد ولدت وفيها الكثير من عوامل النصر ستظل مرهونة بالتطورات القادمة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت