المخابرات المركزية الأميركية للتجسس والتخريب

سعيد مضيه
2024 / 2 / 27

أنشطة سياسية وثقافية وعسكرية
يدعوالأكاديمي الأميركي ، جيفري ساخس لانتهاج الولايات المتحدة "سياسة شفافة، تخضع للمحاسبة ، وتلتزم بحكم القانون على المستويين المحلي والدولي، موجهة لمصلحة السلم العالمي، وليس لتخريب الأنظمة والحركات المفترض انها معادية". جيفري ساخس أستاذ جامعي ومديرمركز الىتنمية المستدامة بجامعة كولمبيا،حيث عمل مديرا لمؤسسة الأرض خلال الفترة 2002-2016 .وهو أيضا رئيس شبكة حلول التنمية المستدامة ومفوض لجنة التنمية على نطاق واسع التابعة للأمم المتحدة. رصد بعض الأنشطة التخريبية للوكالة الأميركية في مجلة "أحلام مشتركة" النقدية الأميركية في 15 شباط الجاري:
ثلاث معالم أساس تميز وكالة المخابرات المركزية تسبب المشاكل في العالم: أهدافها، أساليبها، وعدم خضوعها للمساءلة
أهدافها العملانية هي ما تحدده وكالة المخابرات المركزية، أو يحدده رئيس الولايات المتحدة في زمن محدد مصلحة الولايات المتحدة، بغض النظر عن القانون الدولي أو قانون الولايات المتحدة؛
أساليبها سرية ومخادعة ؛
عدم مساءلتها يعني أن وكالة المخابرات المركزية والرئيس يديران السياسة الخارجية بدون مراقبة عامة ؛ الكونغرس ممسحة أرجل، عرض جانبي.
بصفته مديرا لوكالة المخابرات المركزية قبل زمن قريب، قال مايك بومبيو عن الفترة التي قضاها في وكالة المخابرات المركزية:
"كنت مدير وكالة المخابرات المركزية. كذبنا، خدعنا، سرقنا؛ كان لدينا دورات تدريبية كاملة؛ تذكرك بمجد التجربة الأمريكية”.
تأسست وكالة المخابرات المركزية عام 1947 خلفا لمكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS). قام المكتبOSS بدورين متميزين أثناء الحرب العالمية الثانية، الاستخبارات والتخريب؛ تسلمت وكالة المخابرات المركزية الدورين كليهما.
من ناحية ، كان يفترض لوكالة المخابرات المركزية أن تزود الحكومة بمعلومات استخباراتية؛ ومن ناحية أخرى، كان على وكالة المخابرات المركزية، باستخدام طيف واسع من الإجراءات: اغتيالات، انقلابات، تننظيم اضطرابات، تسليح متمردين، ووسائل أخرى، تخريب "العدو"، أي كل من يركن عدوا من قبل الرئيس أو وكالة المخابرات المركزية.
الدور الأخيرهو الذي ثبت أنه مدمرلاستقرار العالم ولسيادة القانون بالولايات المتحدة. وهو دور تواصل وكالة المخابرات المركزية اتباعه في هذا الوقت. في الواقع، وكالة المخابرات المركزية جيش سري للولايات المتحدة، بمقدوره إشعال الفوضى في أرجاء العالم دون أي مساءلة على الإطلاق.
عندما قرر الرئيس دوايت أيزنهاور أن النجم السياسي الصاعد في أفريقيا، باتريس لومومبا من الكونغو، المنتخب ديمقراطيا، هو "العدو"، شاركت وكالة المخابرات المركزية في مؤامرة اغتياله عام 1961؛ بذا قوضت الأمال بالديمقراطية في أفريقيا. يصعب القول انه الرئيس الإفريقي الأخير الذي أطاحت به وكالة المخابرات المركزية.
طوال تاريخها الممتد 77 عامًا، أُخضعت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A) لمحاسبة جادة واحدة فقط؛ كان ذلك عام 1975. في ذلك العام، قاد سيناتور ولاية أيداهو، فرانك تشيرش، تحقيقًا في مجلس الشيوخ كشف عن تغول الوكالة في الاغتيالات والانقلابات وزعزعة الاستقرار والتجسس والتعذيب من طراز منجيل[عالم انثروبولوجيا جنده النازيون في التعذيب] و"التجارب" الطبية. "
[يتعلق بالموضوع: الصحافة الأمريكية، أشباح ولجنة تشيرش]
تم مؤخراً توثيق ما كشفته لجنة تشيرش عن المخالفات الصادمة التي ارتكبتها وكالة المخابرات المركزية في كتاب رائع من تأليف صحفي الاستقصاء، جيمس رايزن، بعنوان "آخر رجل صادق: وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والمافيا وعائلة كينيدي؟ وكفاح رجل واحد من مجلس الشيوخ لإنقاذ الديمقراطية."
حدثت ذلك الفصل الوحيد من الإشراف نتيجة التقاء نادر للأحداث.
في العام الذي سبق نشاط لجنة تشيرش أطاحت فضيحة ووترغيت بريتشارد نيكسون وأضعفت البيت الأبيض. لم ينتخب جيرالد فورد خليفة نيكسون؛ كان عضوا سابقا في الكونجرس ومتردد في معارضة صلاحيات الكونغرس في المراقبة .
فضيحة ووترغيت، التي حققت فيها لجنة إرفين بمجلس الشيوخ، أدت أيضًا إلى تمكين مجلس الشيوخ وأظهرت قيمة إشراف مجلس الشيوخ على انتهاكات السلطة التنفيذية للسلطة. والأهم من ذلك، أن وكالة المخابرات المركزية اسندت قيادتها قبل مدة وجيزة الى ويليام كولبي، الذي أراد تنظيف عمليات وكالة المخابرات المركزية؛ كما توفي عام 1072 إدغار هوفر، مديرمكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي كتب مخالفات قانونية واسعة الانتشار كشفتها أيضا لجنة تشيرش.
هيرش فضح عمليات وكالة المشخابرات المركزية ضد الحركة المناهضة للحرب
في ديسمبر/كانون الأول 1974، نُشر تقرير عن العمليات غير الشرعية لوكالة المخابرات المركزية ضد حركة مناهضة الحرب بالولايات المتحدة، أعده صحفي الاستقصاء، سيمور هيرش، وكان حينئذ مراسلًا عظيمًا وله مصادر داخل وكالة المخابرات المركزية .
ثم أقدم مايك مانسفيلد، زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ وذو شخصية قوية،على تعيين تشيرش للتحقيق في انشطة وكالة المخابرات المركزية. كان تشيرش نفسه سيناتورًا شجاعًا وصادقًا وذكيًا ومستقلًا في تفكيره، وهي سمات نادرة في السياسة الأمريكية.
لو وضعت العمليات المارقة لوكالة المخابرات المركزية في عهدة التاريخ نتيجة للجرائم التي كشفتها لجنة تشيرش، أو على الأقل اخضعت الوكالة للقانون والمساءلة العامة. ولكن ذلك لم يحدث .
أتيح لوكالة المخابرات المركزية الضحكة الأخيرة - أو بالأحرى، جعلت العالم يبكي - من خلال الاحتفاظ بدورها البارز في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بما في ذلك التخريب في الخارج.
منذ العام 1975، أدارت الوكالة العمليات السرية لدعم الجهاديين الإسلاميين في أفغانستان والتي دمرت أفغانستان بالكامل بينما أدت إلى ظهور تنظيم القاعدة.
يحتمل ان المخابرات المركزية قد نفذت عمليات سرية في البلقان ضد صربيا، وفي القوقاز ضد روسيا، وفي آسيا الوسطى استهدفت الصين، وفي جميعها نشرت جهاديين تدعمهم وكالة المخابرات المركزية.
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدارت الوكالة ونفذت عمليات دموية للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، مرة أخرى مع الجهاديين الإسلاميين.
طوال 20 عامًا على الأقل، والوكالة متورطة بعمق في تاجيج الكارثة المتفاقمة في أوكرانيا، بما في ذلك اشتخدام العنف للإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش في فبراير/شباط 2014، والتي أشعلت شرارة الحرب المدمرة التي تجتاح أوكرانيا الآن.
[ وكالة المخابرات المركزية متورطة منذ العام 1948 في أوكرانيا بعملية CARTEL، التي سُميت فيما بعد AERODYNAMIC. انظر: "حول نفوذ النازية الجديدة في أوكرانيا"]
ماذا نعرف عن هذه العمليات؟ فقط نتف كان يذيعها منذرون وقلة من صحفيي الاستقصاء الشجعان، وحفنة من العلماء الشجعان وبعض الحكومات الأجنبية، أبدوا الاستعداد إبلاغنا أو أمكنهم ذلك ، هؤلاء الشهود المحتملون على دراية انهم قد يواجهون قصاصا قاسيا من حكومة الولايات المتحدة.
بلا كوابح
لم تقدم الحكومة الأميركية إلا على قدر محدود جدا من المساءلة أو الرقابة أو الانضباط فرضها الكونجرس.على النقيض من ذلك، باتت الحكومة أكثر هوساً بالسرية، انتهجت مواقف هجومية مدعومة بقوانين صارمة ضد كشف المعلومات المصنفة ، حتى عندما،أو بصورة خاصة حين تكشف التصرفات غير القانونية التي ترتكبها الحكومة بالذات.
بين حين وآخر يتباهى مسئول سابق، مثلما حدث عندما كشف زبيغنيو بريجنسكي أنه حث جيمي كارتر على تكليف وكالة المخابرات المركزية تدريب الجهاديين الإسلاميين لزعزعة استقرار حكومة أفغانستان، بهدف استفزاز الاتحاد السوفيتي لغزو ذلك البلد.
في حالة سوريا، علمنا من بضع قصص نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عامي 2016 و2017 عن عمليات تخريب نفذتها وكالة المخابرات المركزية لزعزعة استقرار سوريا والإطاحة بالأسد، بناءًعلى أوامر الرئيس باراك أوباما.
تلك هي حالة وكالة المخابرات المركزية المضللة بشكل مخيف. العملية، التي تنتهك بشكل صارخ القانون الدولي، والتي أدت إلى عقود من الفوضى، وحروب إقليمية متصاعدة، ومئات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين؛ ومع ذلك لم يكن هناك اعتراف صادق واحد بهذه العملية أو تلك التي تقودها وكالة المخابرات المركزية؛ كارثة من قبل البيت الأبيض أو الكونجرس.
في أوكرانيا الدور السري الرئيس
في حالة أوكرانيا، نعلم أن الولايات المتحدة لعبت دورًا سريًا رئيسًا في الانقلاب العنيف الذي أسقط يانوكوفيتش والذي دفع أوكرانيا إلى عقد من إراقة الدماء، ولكن حتى يومنا هذا، لا نعرف التفاصيل.
فتحت روسيا للعالم نافذة على الانقلاب من خلال اعتراض مكالمة هاتفية بين فيكتوريا نولاند، مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك (وكيل وزارة الخارجية الآن) والسفير الأمريكي لدى أوكرانيا جيفري بيات (مساعد وزير الخارجية الآن)، ثم نشرتها كاشفة التآمرلتشكيل حكومة ما بعد الانقلاب.
في أعقاب الانقلاب، تم بالسر تدريب قوات العمليات الخاصة [تأكيد من الكاتب] لنظام ما بعد الانقلاب الذي اوصلته الولايات المتحدة للسلطة على أيدي المخابرات المركزية. حتى الوقت الراهن والحكومة الأمريكية تلتزم الصمت بصدد العمليات السرية التي تقوم بها وكالة المخابرات المركزية في أوكرانيا.
لدينا سبب وجيه للثقة بأن عمليات وكالة المخابرات المركزية هي التي نفذت تدمير خط أنابيب نورد ستريم، طبقا لتصريح سيمور هيرش، الذي يعمل حاليا مراسلا مستقلا. وخلافاً لما حدث عام 1975، عندما كان هيرش مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز، وكانت الصحيفة لم تزل تبذل الجهود لإثبات مسئولية الحكومة، لم تعن الصحيفة النفس حتى بالنظر في رواية هيرش.
[انظر: سيمور هيرش يتهم الولايات المتحدة بـ’التستر على‘ نورد ستريم].
إن إخضاع السي آي إيه(C.I.A) للمحاسبة هو بالطبع نضال شاق أشبه بصعود مرتفع شديد الانحدار؛ الرؤساء والكونغرس حتى لم يحاولوا ذلك؛ وميديا التيار الرئيس لا تتحرى انشطة الوكالة، تفضل بدلاً من ذلك النقل عن "كبار المسؤولين بدون ذكر الاسماء" والتستر الرسمي. هل هو كسل وسائل الإعلام الرئيسية، أم انها مرشية، أوالخوف على مداخيل إعلانات المجمع الصناعي العسكري، أو التعرض لتهديد ، ام هو اللجهل ، أم كل ما تقدم ؟ من يعرف.

يوجد بصيص امل؛ عام 1975 قاد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إصلاحي؛ واليوم، يقود ها ويليام بيرنز، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الأبرز لمدة طويلة؛ يعرف بيرنز الحقيقة حول أوكرانيا، نظرا لخدمته سفيراً في روسيا عام 2008 ؛ وأرسل برقية الى واشنطن ضمنها الخطأ الفادح المتمثل في توسع منظمة حلف شمال الأطلسي حتى أوكرانيا. نظراً لمكانة بيرنز وإنجازاته الدبلوماسية، فلربما يدعم المساءلة المطلوبة بإلحاح.
يبعث على الذهول مدى الفوضى المستمرة الناجمة عن انحراف عمليات وكالة المخابرات المركزية . في أفغانستان، وهاييتي، وسوريا، وفنزويلا، وكوسوفو، وأوكرانيا، وأبعد من ذلك بكثير؛ وفيات لا ضرورة لها، اضطرابات ودمار كل ذلك أطلقته وكالة المخابرات المركزية؛ والتخريب ماض حتى يومنا هذا. يتوجب على الميديا الرئيسة والمؤسسات الأكاديمية والكونغرس التحقيق في هذه العمليات بقدر المستطاع، والمطالبة بالإفراج عن الوثائق لتمكين المحاسبة الديمقراطية.
يصادف العام المقبل الذكرى الخمسين لجلسات استماع لجنة تشيرش؛ بعد انقضاء خمسين عامًا، بما سلف وبإلهام وتوجيه لجنة تشيرش بالذات، فقد حان الوقت للقيام على عجل بفتح الستائر وكشف الحقيقة عن الفوضى التي قادتها الولايات المتحدة وبدء حقبة جديدة تصبح فيها السياسة الخارجية الأمريكية للولايات المتحدة شفافة، تخضع للمساءلة ، وتخضع لحكم القانون على المستويين المحلي والدولي، موجهة لمصلحة السلم العالمي، وليس تخريب الأعداء المفترضين.














ة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت