نحو استراتيجية فلسطينية تدمج النضالات القانونية والعسكرية والشعبية –الحلقة الثانية والأخيرة

سعيد مضيه
2024 / 2 / 24

من يتصدى لإسرائيل عليه ان يعرف انها دولة صهيونية مرتبطة عضويا بالامبريالية والفاشية العالميتين. بايدن يعطل قرار وقف الحرب ، ويرسل مبعوثيه الى دول المنطقة كي يقدم معسول الكلام ويلهي بدولة فلسطينية غريبة عن مواطنيها، ويترك لنتنياهو تنفيذ خطة ذات ثلاث شعب. انبرى إيريك مان يفسر خطة نتنياهو؛ عرف بنفسه "يهودي من بروكلاين ينشط داخل حركة الحقوق المدنية منذ أكثر من خمسين عاما"، ويعتبر نضال شعب فلسطين " نصل السكين القاطع في الجبهة العالمية المناهضة للفاشية "؛ حسب تحليله يختزل خطة نتنياهو في " خطة واضحة لفرض شعب فلسطيني غير مسلح لايدافع عن نفسه خانع لكل أشكال البربرية الإسرائيلية دون أدنى أمل أوقدرة على الرد".فالخطة نرمي الى:
إنهاء حكم حماس للقطاع، حيث يقر بالدعم السياسي الشامل لحماس بين الشعب في غزة ؛ نزع سلاح المقاومة بالضفة والقطاع، بمعنى "ترك الشعب الفلسطيني بدون سلاح حيال همجية إسرائيل دون أمل أو قدرة على الرد"؛ وينهي نتنياهو مشروعه بعملية "تجريف الراديكالية" للجماهير الفلسطينية،أي حظر معارضة الفلسطينيين لإجراءات الفاشية الصهيونية ؛كل ذلك كشرط ل "إعادة بناء غزة ويغدو السلام بالشرق الأوسط حقيقة واقعة". تجريد الراديكالية يفسره إيريك مان " شيفرة لأسلوب أندونيسيا[ انقلاب سوهارتو عام 1965 ]، حيث ارتكبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الاغتيالات الجماعية لمئات الآلاف" بمن فيهم مثقفين ومدرسين وأساتذة جامعات لمجرد كونهم حملة التنوير، اجتثت من البلاد ليس فقط ثقافة التقدم، بل سادها ظلام دامس لعدة عقود.
يستدرك إيريك مان: "قادة الولايات المتحدة لم يستعملوا أبدا كلمة ’تدمير‘ ؛ حقا اكتسحت الألمان واليابانيين حماسة عارمة للنازييين والفاشيين، وضعت الولايات المتحدة الخطط ل "إعادة دمجهم" و"إعادة تأهيلهم" بعد الحرب العالمية الثانية. لهذا الغرض فبركت البروباغاندا الأميركية خرافة تدعي ان عددا قليلا فقط من قادة النازيين والفاشيين ارغموا شعبيهما من خلال جرائم لا تحتمل . ومع النصر، استطاعت الولايات المتحدة "انسنة" النازيين والفاشيين ممن رغبوا في التجند في خطتها الامبريالية المعادية للشيوعية من أجل الهيمنة على العالم" .
خطة نتنياهو تطرح على الجميع استنفار جميع الجهود الوطنية والإقليمية والعالمية، السياسية والثقافية والقانونية ، وبالدرجة لاالأولى استنفار الجماهير الشغبية كياصد وتردع . الجماهير الشعبية هي القوة الضاربة في معركة التصدي. في ضوء منطويات خطة نتنياهو هل أجاب الأستاذ بقعوني على تحدياتها؟
لنمعن النظر في الحوار مع الأستاذ طارق بقعوني :

فلسطين قضية إقليمية وعالمية

+ ماذا ترك السابع من أكتوبر والحرب على الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري؟ من ناحية، تبدو أشبه بهزيمة ثانية، نكبة أخرى؛ ومن ناحية أخرى، فنحن في خضم موجة تاريخية من التضامن مع فلسطين على المستويين الإقليمي والعالمي. كيف تقيم الوضعية؟
أعتقد أن الناحيتين صحيحتان. من المهم أن نفهم ما يحدث اليوم جزءًا من نكبة، بدأت عام 1948 مع الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وما زالت مستمرة.
تاريخ نزع الملكية تخللته لحظات من العنف الصهيوني المذهل؛ ونحن نعيش إحدى لحظاته الأشد تغولا في غزة.
غير ان الهجوم الصهيوني لا يقتصر على الفلسطينيين في غزة؛ إذ تنفّذ إسرائيل ومستوطنوها بالضفة الغربية هجمات وطرد واستيلاء على الأراضي ؛ وتمارس دولة إسرائيل أيضًا اضطهاد الفلسطينيين داخل إسرائيل.
من الواضح أن لا شيء يبلغ مستوى الإبادة الجماعية الجارية في غزة. إسرائيل تسوي المدن بالأرض، وتقتل أعداداً هائلة من الناس، وتقتل الأطفال، ما يهدد وجود الجيل الحالي والقادم من الفلسطينيين هناك.
في غزة تقتصر مقاومة حماس العسكرية على إطلاق الصواريخ على إسرائيل للضغط عليها وحملها على تخفيف الحصار، والسماح بدخول الإمدادات، وتحسين أوضاع شعبها المفقر. باعتبارها سلطة حكم، تحولت من مجرد حركة عسكرية ملتزمة بالمقاومة المسلحة، وباتت حزبًا حاكمًا مسؤولاً عن 2.3 مليون فلسطيني خاضعين لسلطتها .
وقد ساهم هذا الموقف الجديد في تشكيل أولوياتها وتغيير استراتيجيتها العسكرية. في هذه الفترة شرعت الحديث عن قبول إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
غير أنها على النقيض من منظمة التحرير الفلسطينية، لم تتنازل قط لقبول التقسيم؛ ولم تضع سلاحها قط ولم تعترف بدولة إسرائيل ، ولم تتنازل عن حق الفلسطينيين في كامل الأرض. ربما تم احتواؤها بحكمها لغزة، وكما أكد قادتها مراراً وتكراراً، فقد أبقت إصبعها على الزناد.
أيقنت حماس على المدى الطويل، وكما أشرت في الكتاب، حتى الاحتواء المانع للحركة و قمعها من المرجح أن يكونا مؤقتًين. احتفظت دائماً بحق المقاومة الكاملة من أجل التحرير الكامل لفلسطين التاريخية.
وهذا ما دفعني للتساؤل، إلى أي مدى كان احتواؤها مؤقتًا؟ هل ان قمعها يمضي على مدى متوسط اوطويل؟ هل ستتمرد على الاحتواء؟
أجاب 7 أكتوبر على هذه التساؤلات؛ قررت اختراق حصارها؛ وبذا، فقد انجزت هدفا طالما تاقت إليه، وهو أمر غير متوقع لحد ما، تخلت عن الحكم السياسي لصالح المقاومة العسكرية.
لم يكن متوقعا بالنظر لأنها اشتركت في انتخابات 2006 سعيا لقيادة السلطة الفلسطينية، الأمر الذي انطوى على رغبة في الحكم ضمن إطار السلطة الفلسطينية. غير أنه بالنسبة للحركة، لم تقتصر طموحاتها السياسية على الحكم؛ انما اعتقدت أن بمقدورها تثوير السلطة الفلسطينية، تحويلها إلى حكومة مقاومة، واستخدامها للقيام بمقاومة واسعة النطاق ضد نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وإذ فشلت في تحقيق ذلك مع السلطة الفلسطينية ككل، فقد وظفت سلطتها في غزة للقيام بهجمةعسكرية غير مسبوقة ضد إسرائيل في 7 أكتوبر.[ ولكن هذا يتحقق بعد نجاح الثصمود بوجه خطة الإبادة والتجريف].
والآن أنجزت حماس هدفها المتمثل في تهشيم الوهم أن بمقدور إسرائيل الحفاظ على أمن حكمها الاستعماري العنيف . في أعقاب ذلك، تستجيب حماس للتطورات حال حدوثها.
وهي منخرطة في مفاوضات بشأن تبادل الأسرى ووقف محتمل لإطلاق النار[مفاوضات عقيمة]. علاوة على ذلك، أعتقد أن الهدف الرئيس لحماس يظل الطموح على المدى البعيد للانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها من الداخل لانتشال النضال الفلسطيني من تحت أنقاض أوسلو.

إعادة هيكلة منظمة التحرير وفق برنامج كفاحي

+يبدو أن النضال الفلسطيني يراوح أمام مأزق استراتيجي؛ المقاربة الدبلوماسية التي انتهجتها منظمة التحرير الفلسطينية أفضت الى تسويات مدمرة وسلطة فلسطينية فاسدة فقدت مصداقيتها تمامًا في نظر معظم الفلسطينيين. يبدو أيضا من غير المحتمل نجاح حماس باتباعها استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية القديمة المتمثلة في المقاومة العسكرية على أمل الحصول على دعم من دول عربية، وذلك بالنظر ً لميزان القوى العسكرية الذي يميل بشدة لصالح إسرائيل، مع وقوف الولايات المتحدة خلفها. هل هناك بدائل أخرى؟ ماذا عن استراتيجية رؤية التحرر الفلسطيني مرتبطًا بالنضال الشعبي عبر الشرق الأوسط لقلب بنى جميع الدول المتشابكة والقمعية ؟ ما هي حالة النقاش والحوار بصدد الطريق إلى الأمام في الوقت الراهن؟
أعتقد أنه كان من المستحيل على الدوام فصل الدبلوماسي عن العسكري والقانوني والفلسطيني وكذلك النضال الشعبي الإقليمي[ علما ان إسرائيل تدمر فرص النضال الشعبي أثناء الصدام المسلح-المترجم] ؛ أعتقد أن هذه جميعا وسائل ناجعة للدفع قدما بعملية إنهاء الاستعمار بفلسطين.
والآن، أتفق حقا معك أننا نجتاز لحظة تناقضات محتدمة ؛ ألحقت الدبلوماسية حتى الآن هزيمة بالفلسطينيين، ولا تبدو آفاق النجاح على هذه الجبهة أفضل اليوم. ويريد صناع السياسة الغربيون إعادة الفلسطينيين إلى مصيدة دولة مبتورة بلا سيادة حقيقية.
في ذات الوقت، يحرز الفلسطينيون انتصارات استراتيجية على الجبهة العسكرية، بينما يتكبدون خسائر فادحة في غزة. وحتى هذه اللحظة، لم نشهد بالضفة الغربية انتفاضة شعبية ضد الدولة وإرهاب المستوطنين ولا داخل 1948(إسرائيل بالذات) . لذا، يجب التعامل مع هذه التناقضات بحذر شديد.
في نظري، نقطة الضعف الأعظم في اللحظة الراهنة تكمن في غياب مشروع سياسي فلسطيني يجمع النضالات كافة، القانونية والدبلوماسية والعسكرية والشعبية في استراتيجية مشتركة. وبدون ذلك، قد يوصل فعل هذه الصراعات أحيانًا الى أهداف متعارضة مع بعضها البعض.
لا توجد هيئة تشبه ما كانت عليه منظمة التحرير الفلسطينية ذات يوم. لكن حتى منظمة التحرير الفلسطينية القديمة لم تكن تمثل نضالنا برمته، لأنها لم تضم الفلسطينيين داخل إسرائيل. لذا، ليس لدينا المشروع السياسي الكفيل باتخاذ قرارات استراتيجية لقيادة مقاومة منسجمة، حتى مع وجود حركة شعبية عالمية نشطة وفعالة للغاية.
أعتقد أن لدينا مهمتين: باعتقادي علينا أولا، أن نشجع ظهور هيئة سياسية تمثيلية؛ فذلك من شأنه ان يمكننا من تقييم النضال الفلسطيني برمته، وتمثيل مختلف قواعده الجماهيرية المختلفة، وصياغة استراتيجية، وتنفيذها من خلال تنوع القواعد الشعبية للحركة. فيما يتعلق بالزمن الراهن ، يعني هذا التصدي للجهود الرامية لتوظيف ساسة ليس لهم صفة تمثيلية، تتولاهم الرغبة للعودة الى وضعية حكومات البانتوستات، ترعى مصلحتهم الشخصية.

تشبيك إقليمي ودولي

وثانياً، علينا النظر إلى النضال الفلسطيني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالنضال الإقليمي. ترتبط إسرائيل، بوصفها كولونيالية استيطانية، ارتباطًا وثيقًا بالأطماع الامبريالية في المنطقة (دشنها وجود الإمبراطورية البريطانية وتدعمت بعد ذلك بامبراطورية الولايات المتحدة ).
غير ان جذورها العميقة متصلة بجذور الأنظمة السلطوية في المنطقة. يؤكد ذلك صفقات التطبيع المختلفة التي أجرتها الولايات المتحدة ودول أخرى بين الأنظمة الاستبدادية وإسرائيل خلال العقود القليلة الماضية .
لهذا يكتسب تحرير فلسطين عمقه الإقليمي ويرتبط ارتباطا وثيقا بالدعم المقدم من شعوب المنطقة، دعم غالبا ما يتعارض مع مصالح أنظمتها الاستبدادية. وفلسطين، بهذا المعنى، قضية إقليمية وعالمية كذلك؛ تغدو، في ذهني، ورقة الاختبار (ليتموس) لتصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين. ولذلك، ونحن نواصل تشييد مشروع تحرري نموذجي لعموم الشعب ، يتعين علينا كفلسطينيين أن نشكل تحالفات إقليمية وعالمية من أجل تحررنا الجماعي.
ولهذا السبب تكتسب أهميتها قضية جنوب أفريقيا المرفوعة لمحكمة العدل الدولية؛ فهي تظهر ان اضطهادنا وتحررنا ليستا قضيتنا وحدنا ؛ إنما هي قضية العالم ومؤسساته. لو لم تنبر محكمة العدل الدولية منتدى يتصدى لجرائم الحرب والإبادة الجماعية في فلسطين، لفشلت باعتبارها مؤسسة حكم عالمية، ولباتت إحدى المؤسسات التي تتلاعب بها بسهولة مصالح الغرب.
+ يبدو أن المنطقة تقف على حد السكين، بين انفجار إقليمي واستيطان من نوع ما. وباستثناء الحوثيين، الذين هددوا التجارة العالمية بهجمات صاروخية على حاويات في البحر الأحمر، فإن دول المنطقة لم تفعل الكثير لمساعدة غزة أو المقاومة الفلسطينية. في بعض الأحيان، تبدو إسرائيل على وجه الخصوص، وكذلك الولايات المتحدة، على وشك إشعال حرب إقليمية. وفي أحيان أخرى، تبدو الولايات المتحدة والأنظمة العربية المتحالفة معها ملتزمة بإبرام صفقة واستئناف التطبيع، وتهدئة المقاومة الفلسطينية، وفرض نوع من تسوية الدولتين مع سلطة فلسطينية يتم إصلاحها تسيطر على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن إسرائيل، على الأقل في عهد نتنياهو، تعارض بشكل قاطع أي نوع من حل الدولتين. إلى أين يتجه هذا الوضع برمته؟
علينا أن ننظر إلى المنطقة، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وفلسطين باعتبارها حالة جد مركبة تضم الكثير من المصالح المتصارعة والأولويات المختلفة؛ وهي أيضًا حالة دينامية؛ لذا فمهما كان حديثنا عنها الآن فإنه ليس إلا قدرا من تبسيط .
إذا سلمنا بذلك، فإن الأنظمة الاستبدادية بالمنطقة وإسرائيل لديها هدف مشترك يتمثل في الاحتفاظ بالتحالفات العسكرية التي هي في أساسها مناهضة للديمقراطية؛ جميعها تحالفات مناهضة للثورة ضد الانتفاضات التي بدأت عامي 2010 و2011.
تريد الأنظمة السلطوية وإسرائيل منع ثورات مثيلة من تعريض احكامها ثانية للسقوط ؛ تشاركها الولايات المتحدة وجهة النظر؛ فهي تريد الحفاظ على الأنظمة وتطبيع العلاقات فيما بينها لحماية مصالحها وضمان الاستقرار بالمنطقة ــ كما لو ان الاستقرار والعدالة متعارضان.
هناك دول تتطلع إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل مثل السعودية، ودول أخرى طبعت فعلا، مثل الإمارات والبحرين والمغرب. بعض الدول، مثل نظام السيسي في مصر، لا تكتفي برفض دعم المقاومة، بل تدعم بنشاط الإبادة الجماعية الإسرائيلية. هذه الأنظمة لا تمثل مصالح شعوبها ولا تعكس تضامن شعبها مع الفلسطينيين.
ثم هناك الأنظمة التي يتولاها الخوف على سلامتها واستقرارها، بما في ذلك الأردن، على سبيل المثال؛ لذا، شأنها في الماضي ترسل المقاومة الفلسطينية موجات صادمة عبر المنطقة، تتحدى نظام الدولة. كم هو حجم التغيير المترتب- وهل يتم للأفضل أم للأسوأ – يظل في حكم المستقبل.
من ثم فالمنطقة على حد سكين؛ من ناحية، تريد الولايات المتحدة ودول المنطقة احتواء المقاومة وإعادة كل شيء داخل الصندوق؛ يريدون فرض السلطة الفلسطينية على غزة، واستئناف النقاش حول حل الدولتين، والعودة إلى التطبيع.

نتياهو يريدها حربا إقليمية

تعيش دول المنطقة حالة إنكارلمدى التدمير الذي أحدثه 7 أكتوبر لنظامهم الإمبراطوري والإقليمي. لذلك فإنهم يعودون إلى مشاريع مثل حل الدولتين، الذي ببساطة لا يتوافق مع الواقع. إنهم بحاجة ماسة إلى استقرار ربما ليس بمتناول الأيدي.
ومن ناحية أخرى، نرى احتمال التصعيد الإقليمي في كل مكان؛ تشتعل بالفعل حرب منخفضة الحدة تضرمها الولايات المتحدة وإسرائيل مع العديد من الدول. هجمات واشنطن على اليمن بسبب ضربات الحوثيين للسفن، وكذلك هجمات واشنطن على الميليشيات العراقية المدعومة من إيران بسبب غاراتها بالمسيرات على القاعدة الأمريكية في الأردن، تهدد باندلاع صراع إقليمي.
ومن جانبها، تؤمن حكومة نتنياهو في إسرائيل أن نشوب حرب إقليمية خارج قطاع غزة سيكون بمثابة هبة من السماء؛ تتيح لإسرائيل تغيير الرواية الجيوسياسية بأكملها بصدد ارتكابها الإبادة الجماعية. قد تستنثمر الحرب الإقليمية كي تقول إنها من جديد الضحية المحاصرة، داوود الذي يقف بوجه جالوت الإقليمي.
ضمن هذا السياق، من المثير للاهتمام أن نلاحظ مدى حرص جهات فاعلة مثل حزب الله على عدم ابتلاع الطعم، والدخول في حرب، والرد على الاستفزازات الإسرائيلية. يوجد منطق لضبط النفس من جانب حزب الله؛ فإذا كنت بعيد النظر، ترى ما تفعله إسرائيل في غزة يستنزف معنوياتها، ويضعف اقتصادها، ويلحق الضرر بجيشها .
لذا، ربما تعارض الولايات المتحدة إشعال حرب أوسع نطاقاً، وإسرائيل تريدها ً. وإذا حدث ذلك، يظل قائما خطر احتمال انضمام الولايات المتحدة إليها ، مما يؤدي إلى تفجير حريق إقليمي ودولي.
+سؤال أخير: كما تلاحظ، كانت المقاومة الفلسطينية على الدوام الزناد الذي يطلق الانتفاضات الشعبية في أرجاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سواء تضامنًا مع النضال التحرري أو ضد استبداد أنظمة المنطقة. كيف تتم هذه المعادلة في الوقت الراهن؟ وهل يمكن للنضال الفلسطيني في مرحلته الجديدة ان يحرك مرحلة جديدة من نضال القواعد الشعبية من أجل إجراء تحولات بالمنطقة وتحرير فلسطين؟
لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث. فقد سحقت الثورة المضادة جميع الانتفاضات بدول المنطقة؛ أثبتت الأنظمة قدرة البقاء على حساب شعوبها.
ونتيجة لذلك، هناك درجة فائقة من الخوف، وربما حتى اللامبالاة والاستسلام بين الناس في المنطقة؛ رأوا الثورة المضادة في البحرين ومصر والعديد من البلدان الأخرى.
أدى نجاح الثورة المضادة إلى ترويع الناس من المجازفة بجولة أخرى من الثورة؛ ولا تحدوهم القناعة أنها لن تسفرعن الحصيلة الكارثية للانتفاضات السابقة.
لا ينبغي لأحد أن يتفاءل بسذاجة؛ في ذات الوقت فالأعطاب التي ألمت بالنطقة عام 2010 لا تزال قائمة حتى اليوم، وربما تفاقمت. وفلسطين هي الزناد، كما كانت دوما، للمنطقة وشعوبها المضطهدة. واليوم يمكنك أن ترى ذلك في مظاهرات التضامن مع فلسطين، وخاصة الحشود باليمن .
هذه التحركات كلها، كبيرة كانت ام صغيرة، ليست خالصة لفلسطين فقط ؛ إنما هي تعبير عن تظلمات الشعوب من اوضاعها المادية واستيائها من دولها الاستبدادية.
ومصر هي المكان الذي تحتد فيه تلك الدينامية أكثر من غيرها؛ شعبها يكابد أوضاعا بمثل سوء عام 2010 إن لم تكن أسوأ؛ شعبها يدعم النضال الفلسطيني، ويواجه نظاماً يقف حائلا دون وصول المساعدات الإنسانية للفلسطينيين؛ إنه صندوق مواد قابلة للاشتعال .
نعيش لحظة مضطربة؛ هناك أسباب للتفاؤل، غير أننا بحاجة أيضا الى التعقل بشأن التحديات المقبلة. تعلمنا أن هذه الأنظمة جد قوية وشرسة للغاية؛ لكننا بالتأكيد في خضم تحول نمطي هام، رغم أن النصر ليس حتميا، فإن الهزيمة ليست حتمية كذلك.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت