القدس في كتابات الاسيرات والأسرى5

محمود شقير
2024 / 2 / 23

أما القدس في اليوميات التي كتبها ابراهيم جوهر الذي اعتقل لمدة ثلاثة أشهر عام 1979 حين كان طالبًا في جامعة بيت لحم، فهي تتجلى بوضوح في كتابه "أقحوانة الروح" التي منحها الكاتب كثيرًا من انتباهه، ليس لأنّه يحيا على تخومها ويتحرّك في فضائها الثقافي والاجتماعي كل يوم، ويعاني من حواجز المحتلين المنصوبة حولها، ومن ممارساتهم العنصرية، معرّضين بذلك كرامته وكرامة أبناء شعبه للامتهان، وإنما كذلك لما للقدس من مكانة في نفسه وفي نفوس الملايين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين.
ولا يكتب ابراهيم جوهر يوميّاته بعيدًا من تجربته المشخّصة. لا يكتب بوصفه مراقبًا محايدًا، أو مثقّفًا متعاليًا، بل هو يكتب من داخل التجربة، وثمة مكان أثير للقدس التي تتعرّض للتهويد المستمرّ وللعدوان، ولتفاصيلها ولكلّ ما يمتّ بصلة إليها في كثير من تفاصيل هذه اليوميّات، بحيث يصبح وصفها بأنّها يوميّات مقدسيّة أمرًا في مكانه الصحيح وفي زمانه الصحيح.
يكتب إبراهيم: "...بعد الظهر تواردت أنباء اقتحام الشرطة الاحتلالية للمسجد الأقصى ، ومنعها سيارات الإسعاف من الوصول .
المسجد الأقصى في طريق محفوف بالمخاطر
القدس على مرمى حجر من التهويد الكامل
الناس في القدس حيارى، مغبونون . حزانى ضائعون ، متروكون لمصيرهم المنظور في وحشته ووحشيته .يدي على قلبي . في الآونة الأخيرة صرت كثيرًا ما أضعها على قلبي .
لساني عاجز ، وتوقعاتي موغلة في التشاؤم .
مطر خفيف يرهم في الخارج . الحرارة توالي انخفاضها .
الارض اشتاقت للمطر ، وكذا الناس .
سأذهب مساء لزيارة طبيب العائلة بهدف تجديد القطرة والدهون لعيني اليسرى.
عيني ...هل يعود السبب لتلك الليلة التي أوقفني فيها عدد من جنود حرس الحدود في أعلى الجبل حين سلّط أحدهم ضوء مصباحه اليدوي على مقربة سنتمترات منها ؟؟
صلبني على الجدار الحجري وسلّط ضوءه المبهر على العين اليسرى حين وجد بقايا لاصق مما يستعمله النجارون (آجو) في صندوق السيارة .
كنت اقترضت كمية من تلك المادة من جارنا النجار وأنا أعمل في مكتب العرب للصحافة بإدارة رضوان أبو عياش ، ولم أكن أدري وقتها (عام 1991 م.) أن المادة تستعمل في حرق السيارات !!
صباح الجمعة ؛ مطر خفيف همى فبلل الطرقات والمصاطب ورؤوس الأشجار وأسطح المنازل .
مطر بلل قلبي .
ليت المطر يواصل الهطول" ص12 .
القدس هنا مدينة قابلة لتبادل الهموم اليومية مع ابنها وكاتبها ومع أبنائها الصامدين فيها المضحّين من أجلها.
***
وفي "عسل الملكات" لماجد أبو غوش الذي اعتقلته سلطات الاحتلال أربع مرات، أطولها اعتقاله لستة أشهر عام 1978، لا يكتفي الكاتب بتخصيص حيز ملائم في روايته لرام الله أثناء الانتفاضة الثانية، بل إنه يجعل بطل الرواية متيمًا بفتاة مقدسية، يلتقيها ويبحث عنها في أماكن عدة في مدينة القدس، بحيث تبدو المدينة بكل هذه الأوصاف التي يغدقها عليها الكاتب كما لو أنها هي الحبيبة الثانية إن لم نقل الأولى.
جاء في الرواية: "في المدينة القديمة، داخل السور، هبطتُ درجات باب العامود إلى باب خان الزيت، دخلتُ إلى مطعم (أبو شكري)طلبت طبقي المعتاد،(حمص مع فول مع رشّة بقدونس وتتبيلة حارة وغارقًا بالزيت) (من لم يأكل من حمص أبو شكري في القدس القديمة لا يعرف الحمص) خرجت من المطعم، هبطت الدرجات القليلة وإنعطفت ناحية اليمين باتجاه كنيسة القيامة، في الساحة الحجرية أمام الكنيسة كانت تقف بدلال في ظل حائط الكنيسة."ص63
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت