نحو استراتيجية فلسطينية توحد النضالات القانونية والدبلوماسية والعسكرية والشعبية

سعيد مضيه
2024 / 2 / 21

]

توشك على الانتهاء مرحلة للنضال الفلسطيني تخللتها الأخطاء والخطايا. فكل فصيل يستأثر بالقيادة يتوهم ان النصر يقبع خلف ضربة محكمة، ليتلقى الصفعة توقظه من أوهامه . النضال من أجل تحرير فلسطين طويل الأمد مرتبط بكسر الهيمنة الامبريالية للولايات المتحدة بالمنطقة، والتي لن تنجز بدون النضالات الموحدة لشعوب المنطقة، وبالطبع التخلص من الأنظمة الأبوية القمعية . النضال الشعبي المشترك يراوح في الوقت الراهن عند نقطة تحول؛ قوضت هجمة حماس في 7 كتوبر وضعا كان قائما، أطلق العنان لكل من حرب الإبادة الجماعية ضد غزة وتدفق التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل التحرر.
تحدث آشلي سميث، مراسل مجلة سبكتر، مع الكاتب الفلسطيني، طارق بقعوني، مؤلف كتاب “احتواء حماس”، عن 7 أكتوبر، والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، وحالة المقاومة الفلسطينية وتبعاتها على المنطقة والعالم. "في 7 أكتوبر، تهشمت إحدى ركائز الصهيونية الأساس - قدرة دولة إسرائيل على ضمان سلامة اليهود داخل حدودها بينما تحتفظ بنظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين".ولكن السيد بقعوني لم يمض حتى آخر المشروع الإسرائيلي – الأميركي، لعله تعليق الآمال على حماس.
طارق بقعوني مؤلف كتاب "احتواء حماس: صعود المقاومة الفلسطينية وتدجينها" (مطبعة جامعة ستانفورد، 2018). ظهرت كتاباته في صحف عدة ، منها مجلة لندن ريفيو أوف بوكس، ونيويورك ريفيو أوف بوكس، وواشنطن بوست، وغيرها. تظهر تعليقااته مرارا في وسائل إعلام إقليمية ودولية. وهو يقدم عرض كتاب في مجلة الدراسات الفلسطينية.
آشلي سميث كاتب وناشط اشتراكي في برلنغتون، فيرمونت. ينشر كتاباته في صحف نقدية مثل Harper s وTruthout وJacobin وNew Politics.
المقابلة نشرتها مجلة كاونتر بانش في 16 شباط فبراير الجاري نقلا عن مجلة سبيكتر. نظرا لشمولية المقابلة ارتأى المترجم عرضها في حلقتين
* * *
النضال الفلسطيني طويل الأمد

+أصدرت محكمة العدل الدولية للتو حكمها الأولي. ما هو تقييمك له ولتأثيره على الحرب والجغرافيا السياسية والرأي الشعبي العالمي؟ ما هو تحليلك لرد القوى الغربية، وخاصة قرار الولايات المتحدة بقطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)؟
يعتبر قرار محكمة العدل الدولية منعطفا هاما بالنسبة لفلسطين، وعلى نطاق أوسع بالنسبة للقانون الدولي والحوكمة العالمية. قررت المحكمة أن تهمة الإبادة الجماعية التي وجهتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل معقولة وقبلت النظر بالقضية. لكن حكم محكمة العدل الدولية كان أيضًا مؤلمًا للفلسطينيين لأنه فشل في الدعوة إلوقف إطلاق النار.
غير أن القرار هام من حيث منطوياته من المعاني السياسية؛ فلم يسبق أن أصدرت المحكمة قرارا يقضي بأن تلتزم إسرائيل بميثاق منع الإبادة الجماعية وبأن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. إنه يوضح كيف يمكن للقانون الدولي أن يصبح مجالا للمعركة المناهضة لإسرائيل، والمكان الذي يمكن فيه تحقيق العدالة للمضطَهدين، علاوة على النشاط السياسي خلف الكواليس.
بالطبع، كما يقول الكثيرون، هناك قيود صارمة على ما يمكن كسبه من خلال القانون الدولي؛ من المؤكد أنه لن يحقق العدالة الكاملة والتحرير للفلسطينيين؛ ومع ذلك، أظهر الحكم تراجعا على صعيد العالم لهيمنة قوى الغرب، وبالتحديد، في هذه الحالة، الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك دول أخرى مثل ألمانيا التي عارضت شكوى جنوب أفريقيا.
يجب رؤية التراجع في سياق إعادة الاصطفاف الجيوسياسي، حيث تواجَه هيمنة الغرب على المسرح الدولي، بتحدي المزيد من الدول، مثل جنوب أفريقيا وغيرها من دول البريكس. أرى في هذا الحكم البداية لتصحيح يمكن أن يفضي إلى بنية للحوكمة العالمية اكثر مساواة.
وعامل آخريكتسب أهمية هائلة مضمر في الحكم ، إذ فتح أمام دول اخرى كي تتدخل مطالبة بوقف إطلاق النار وتحمّل إسرائيل مسئولية الإبادة الجماعية الجارية في غزة. في السابق كان العديد من دول الجنوب العالمي مرعوبة من دول الغرب وسيطرتها وتلاعبها بهذه المؤسسات الدولية.
الولايات المتحدة والدول الأوروبية حولت هذه المؤسسات وسيلة لتحقيق مصالحها الإمبريالية. والآن، نأمل أن تستخدم المزيد من الدول في الجنوب العالمي هذه المؤسسات لإحلال العدالة للمضطهدين والتصدي لهيمنة الغرب.
ولإظهار المعارضة لهذا الاستخدام للهيئات الدولية، أقدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها على قطع التمويل عن الأونروا؛ استندت ظاهريا الى مزاعم إسرائيل بأن 12 من موظفي الوكالة البالغ عددهم 30 ألفا شاركوا في هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل.
إن قطع التمويل في هذا الوقت، في خضم الإبادة الجماعية يدخل في باب العقاب الجماعي للفلسطينيين، ممن يعتمدون على الأونروا لتلبية احتياجاتهم اليومية. وقد تتسبب في مجاعة شاملة بقطاع غزة .
سعت إسرائيل منذ زمن بعيد لتفكيك الأونروا، إنكار وضع الفلسطينيين كلاجئين من نكبة عام 1948، وحرمانهم من حقهم الذي منحته لهم الأمم المتحدة في العودة إلى منازلهم وأراضيهم المسروقة. ويظهر قرار القوى الغربية بقطع التمويل عن الأونروا أنها متحالفة بشكل واضح مع هذا المشروع.
+ يبدو أن إسرائيل تفشل في تحقيق الهدفين المعلنين لحربها على غزة: تدمير حماس وإطلاق سراح الرهائن؛ يبدو أن تحذير وزير الدفاع لويد أوستن لإسرائيل صحيح، كونها تخاطر بتلقي هزيمة استراتيجية رغم تحقيقها انتصاراً تكتيكياً. كيف تقيّم استراتيجية إسرائيل؟ ما هو المجهود الحربي الفعلي المبذول لإنجازها ؟ ما حجم الدعم الأميركي لهذا الجهد، وكم من هذا المجهود لا يحظى بموافقة الولايات المتحدة؟
استراتيجية إسرائيل كانت منذ البداية عصية على التصديق. ولم تتمكن أبداً من تحقيق هدفها المعلن المتمثل في القضاء على حماس؛ حماس تمثل وجهات نظر سياسية امتدادها أبعد من كونها حزباً وتنظيماً عسكرياً. وهو عنصر أساسي في النضال الفلسطيني التحرري.
حتى لو أضعف تنظيم حماس الراهن ، فإنها سوف تعيد البناء الذاتي بأشكال جديدة؛ وبالمثل سوف تتسع المقاومة. إمكانية القضاء على المقاومة الفلسطينية للفصل العنصري الإسرائيلي فكرة خيالية. لا يمكن إنجاز ذلك إلا عبر الإبادة الكاملة للشعب الفلسطيني، وهو بالضبط ما تحاول القيام به إسرائيل بالضبط. وتحت ستار هزيمة حماس، تقوم بتنفيذ التطهير العرقي والإبادة الجماعية في غزة.
ولكن رغم كل هذا العنف المروع، فشلت إسرائيل حتى في توجيه ضربة قوية للحركة. وتواصل حماس العمل كقوة مقاومة؛ حيث تطلق الصواريخ على إسرائيل وتشن هجمات ضد الجيش الإسرائيلي.
و فشلت إسرائيل أيضا في تحقيق هدفها الثاني؛ حررت بالوسائل العسكرية رهينة واحدة فقط – جنديا؛ ولم تتمكن من إطلاق سراح المدنيين إلا من خلال اتفاقيات تم التفاوض عليها مع حماس، ومبادلة السجناء الفلسطينيين برهائن إسرائيليين.
إذن، إسرائيل تخسر على المستويين التكتيكي والإستراتيجي. وهزيمتها التكتيكية واضحة في ساحة المعركة؛ غير ان خسارتها الاستراتيجية أفدح؛ في 7 أكتوبر، هشمت حماس ركيزة أساسية للصهيونية، وهي أن الدولة الإسرائيلية قادرة على ضمان سلامة اليهود داخل حدودها بينما تحافظ على نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين.
بالتالي، بغض النظر عما يعتقده المرء بشأن 7 أكتوبر، بمقدور حماس الادعاء تحقيق نصر استراتيجي ذلك اليوم. يصعب للغاية، بالطبع، الحديث عن النصربالنظر للدم المسفوك، وفي ضوء الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون.
فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن إدارة بايدن ملتزمة أيديولوجياً واستراتيجياً بما تفعله الحكومة الإسرائيلية؛ لا يوجد خلاف بين الاثنين.
لا أعتقد أن إدارة بايدن تشعر بقلق جدي حيال مستوى قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية في غزة. ولو كانت قلقة لما قدمت الدعم والتمويل، وتسليح إسرائيل لتنفيذ الإبادة الجماعية.
لم تضع أي شروط على مساعداتها؛ وتعبيراتها المتكررة بالقلق على المدنيين مجرد علاقات عامة، ولضمان معقولية إنكار تواطئها في الإبادة الجماعية. هي، مثل إسرائيل ، مدانة بارتكاب جريمة ضد الإنسانية. يؤكد ذلك هجمات واشنطن على الحوثيين ؛ قررت قصف اليمن، أحد أفقر دول العالم، لكي تتيح لإسرائيل مواصلة حرب الإبادة الجماعية، بدلاً من الدعوة لوقف إطلاق النار.
بإمكان الولايات المتحدة إيقاف الحرب بسهولة، ومن ثم إيقاف هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر؛ وتقاعسها يظهراهتمام الولايات المتحدة بالحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين.

+ والآن لننتقل إلى حماس. ما هو وضعها الآن كقوة سياسية وعسكرية؟ وما هي استراتيجيتها وأهدافها في الحرب الحالية؟ ما حجم الدعم الذي تحظى به حاليا بين السكان الفلسطينيين ؟
هذا هو تحليلي لحركة حماس في الوقت الراهن، بناء على سنوات من دراستها، لكن ليس على مقابلات مع أعضائها بعد 7 أكتوبر. عسكريا، أعتقد أن حماس مؤمنة بالنصر.هشمت
ثقة إسرائيل، حالت دون تحقيق هدفيها، وتفاوضت على إطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين. لكن هذا النجاح، على كل حال، تحقق بثمن فادح دفعه الفلسطينيون .
والآن، تجري أمور عدة على صعيد السياسة، تحاول حماس دمج أهدافها بجمهور أوسع في فلسطين والمنطقة وبقية أرجاء العالم. إنها تبذل الجهود لمجابهة المزاعم التي فبركتها إسرائيل والولايات المتحدة حول 7أكتوبر، وتسرد روايتها، وتربط كل شيء بقاعدة الاضطهاد النازل بالفلسطينيين وبحقهم في مقاومة الأبارتهايد الإسرائيلي.
على الصعيد السياسي، يطرح قادة حماس، أحيانا، رسائل متضاربة. من ناحية، تكرر شخصيات داخل الحركة استعدادها للقبول بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
وهي تفعل ذلك جزئياً استجابة للضغوط التي تمارسها قوى الغرب ودول في المنطقة للإشارة إلى تنازل قد يضع حداً لحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل. وربما تستخدم هذا الاقتراح أيضًا لكشف خدعة إسرائيل والمجتمع الدولي، وفضح حقيقة أن إسرائيل لن تقبل بحل الدولتين، وبالتالي فإن إسرائيل هي العقبة الحقيقية أمام السلام العادل.
ومن ناحية أخرى، من الواضح أن الحركة ترى أيضًا في هذه اللحظة معلمًا مهمًا في النضال طويل الأمد من أجل تحرير فلسطين، وهو النضال الذي تأمل أن يؤدي إلى إنعاش المقاومة الفلسطينية - وربما الإقليمية - للاستعمارالإسرائيلي.
+ هجمة حماس في 7أكتوبر هي السبب المباشر لحرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل. ونظراً لوابل البروباغاندا التي تبثها إسرائيل والولايات المتحدة، فمن الجدير توضيح ما حدث بالفعل. ماذا حدث بالفعل وما الذي لم يحدث؟ ما الذي كانت ترمي اليه حماس من الهجوم؟
كان ثمة ضباب حرب ينقشع ببطء حول ما حدث بالفعل ذلك اليوم. سأركز بشكل خاص على تفكير حماس؛ من المرجح أن الحركة اسىتهدفت القواعد العسكرية المحيطة بقطاع غزة، وأسر الجنود وإحضارهم كأسرى، واختراق منطقة السياج الفاصل للقطاع عن بقية فلسطين التاريخية، وجمع المعلومات الاستخبارية، وتحدي قناعة إسرائيل بأن القضية الفلسطينية قد ركدت للنسيان.
تجاوز نطاق الهجمة هذه الأهداف جميعا؛ من المرجح أن يكون قد تجاوز ما توقعته حماس نفسها، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى الضعف المذهل للأمن الإسرائيلي وفشل عملياتها الاستخباراتية. قدرة الحركة على اختراق منطقة السياج، والبقاء داخل إسرائيل المدى الذي أمضته، والتوغل بعيدا بالمنطقة ، كان يعني أن الهجمة اتخذت بعدًا آخر تمامًا.
وحتى مع تحقيق الأهداف الضيقة فقط، توجب على قادة حماس توقع رد فعل عنيف وغير متناسب من جانب الجيش الإسرائيلي.على كل حال، من المرجح أن عنف الإبادة الجماعية الحالي تجاوز كل ما توقعته الحركة؛ مع ذلك، فالقدرات الدفاعية التي طورتها حماس، وكذلك البنية التحتية اللازمة لحرب عصابات ناجعة في قطاع غزة، تظهر أن الحركة استعدت تماماً للاشتباك مع الجيش الإسرائيلي.
منذ 7 أكتوبر، كان العديد من مزاعم إسرائيل، والتي رددها الساسة ووسائل الإعلام الغربية دون انتقاد، مكبسلة في استعارات استشراقية معادية للإسلام – أفكر بالتحديد في الأربعين طفلاً مقطوعي الرؤوس؛ تظهر سهولة استيعاب الحلفاء الغربيون لسردية إسرائيل أن هناك قدراً ضئيلاً للغاية من وعي كيف تعمل الزعبرة الإسرائيلية، وأن هناك بئراً لا قعر له من دعم إسرائيل والشك العاجل بالفلسطينيين.
أما بالنسبة للمزاعم المتعلقة باستهداف حماس للمدنيين والاستخدام المنهجي للاغتصاب كسلاح، فقد أصدرت الحركة وثيقة طويلة ردت على هذه الاتهامات، رافضة استخدام الحركة لمثل هذه التكتيكات. وباعتباري أحد باحثي الحركة، فسوف أفاجأ لو لجأت حماس الى الاغتصاب أو العنف الجنسي بشكل منهجي كسلاح في الحرب.
لكن ما من شك في حدوث أعمال عنف ضد مدنيين في ذلك اليوم، ويتطلب الأمر تحريات موثوقة لفرز الادعاءات الكاذبة عما حدث بالفعل. من المحزن أن الروايات بصدد ذلك العنف أثبتت كفايتها كي تشن قوى الغرب حرب إبادة جماعية وتتغاضي عنها. فالحقيقة مدانة.
القضية الخاصة بالأونروا هي أحدث مثال حيث مزاعم إسرائيل - التي ثبت في الماضي عدم صحتها على الأغلب- كافية للتسبب في أفعال تلحق الضرر بالفلسطينيين.
يتبع لطفا

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت