اتّحاد الشّغل ومعركة الحرّيّة: أيّ دور؟

جيلاني الهمامي
2024 / 2 / 24

لا شكّ أن المتتبّع لمجريات الأمور في السّاحة النّقابيّة يلاحظ خلال الأشهر الأخيرة أنّ قيادة الاتّحاد العام التونسي للشّغل اتّخذت بعض المواقف الإيجابيّة، لعلّ أبرزها الموقف الرّافض لدعوة شارون إلى زيارة تونس بمناسبة انعقاد قمّة المعلومات وكذلك الموقف الرّافض للمشاركة في مجلس المستشارين حسب الصّيغة الحكومية. وقبل ذلك عبّرت بعض العناصر في الهيئة الإداريّة الوطنيّة عن رفضها تزكية ترشيح بن علي لمدّة رئاسيّة رابعة. ومن الواضح أنّ جميع هذه المواقف لها علاقة مباشرة بالسّياسة التي تنتهجها المجموعة المغتصبة للحكم في بلادنا. لذلك استبشر البعض بهذه المواقف آملا في ترسّخها وعاملا على دفعها حتى تتحوّل إلى منحى جديد يقطع مع خطّ التّهادن والتّبعيّة التي طبعت دعاوي "التّطبيع النقابي" (قبل مؤتمر جربة وخلاله) للجماعة التي كانت ملتفّة حول إسماعيل السحباني طيلة عشرية كاملة (التسعينات من القرن الماضي) وانقلبت عليه خلال صائفة 2000.
إلاّ أنّ المدّة الأخيرة أظهرت أنّ جماعة "التّصحيح النقابي" بدأت "تتراجع" عن تلك المواقف وعادت إلى أحضان سلطة 7 نوفمبر مستبشرة ومشيدة بكلّ "التفاتة كريمة" من قِبل "صانع التغيير" و"راعي مصالح الشغالين"! والخطير أنّ هذا "التراجع" يحدث في ظرف دقيق يتطلّب وقوف كلّ القوى الحيّة المناهضة لسياسة القمع والتّطبيع التي تنتهجها السّلطة الغاشمة ضدّ مؤسّسات المجتمع المدني والأحزاب المستقلّة المتطلّعة للحرّيّة والرّافضة للتّطبيع مع الكيان الصهيوني.

فما الذي تغيّر في سياسة السّلطة حتى تتراجع قيادة الاتحاد العام على سبيل المثال عن رفض زيارة شارون أو من ينوبه لبلادنا، بما أنّ أبرز موقف سجّل لها هو رفضها لتلك الزّيارة ودعوة الحكومة إلى التراجع عنها؟
هل كانت الزيادات المترتّبة عن مفاوضات اجتماعية دارت في "جو متوتر" كافية إلى الحدّ الذي دفع القيادة النقابية إلى إعادة الرّبط مع خطّها العام المهادن لسياسة السّلطة والمشيد بـ"إنجازاتها"؟ وما الذي جعلها لا تنبس ببنت شفة تجاه إضراب الجوع الذي حرّك السّواكن واستنهض الهمم؟ هل كانت تلك المواقف الإيجابيّة عبارة عن استثناء في مسار الخط النقابي العام المهادن والتّابع لسياسة السّلطة عموما وخاصّة منذ قيام الانقلاب في 7 نوفمبر 1987؟ هل يحجب عنّا "تراجع" القيادة النقابية المركزية رؤية المواقف الثّابتة لبعض الهياكل الجهويّة والقطاعيّة ذات الصّلة بالقضايا القوميّة وبمعركة الحرّيّة الدّائرة منذ 18 أكتوبر 2005؟
مواقف إيجابية ولكنها هشة
إنّ هشاشة المواقف الإيجابيّة المشار إليها في مطلع هذا النص تعود إلى طبيعة الخط النقابي العام الذي تنهل منه القيادة النقابية الحالية كسابقاتها وتستند إليه في تسيير المنظمة النقابية وفي تحديد مواقف القيادة من المسائل النقابية والتّحرّكات العمّالية البارزة، الشيء الذي يجعلها تتناقض مع طموحات وهموم الشغالين بصفة عامّة وتتباين مع مواقف بعض الهياكل الجهوية والقطاعية التي تأبى الخضوع إلى سياسة المهادنة وتتبنّى طموحات الشّغّالين وهمومهم.

فتراجع الأمين العام مثلا عن تصريحه قبل المؤتمر بخصوص مساندة مطلب العفو التشريعي العام إنما يندرج ضمن الخطّ النّقابي العام المهادن لسياسة السّلطة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي العام، وهو ما يفسّر في الحقيقة محاولات القيادة النقابية الالتفاف على بعض مقرّرات مؤتمر جربة ومنها قرار الإضراب المساند للانتفاضة الفلسطينية، فضلا عن قرار مساندة إضراب المحامين ليوم 7 فيفري 2002 واستنكافها عن مساندة تحرّكات بعض القطاعات. وهو ما يفسّر أيضا صمت القبور الذي لازمته القيادة تجاه الهجوم على جمعية القضاة ونقابة الصحفيين وتخاذلها تجاه الهجوم الشّامل والشّرس ضدّ الرابطة التونسية للدّفاع عن حقوق الإنسان منذ المؤتمر الخامس. فقد تراجع المكتب التنفيذي عن توفير نزل أميلكار لعقد مؤتمر الرابطة كما كان وعد بذلك من قبل. وهو التراجع الذي اضطرّ قيادة الرّابطة إلى إعلان "استحالة" عقد المؤتمر الوطني في تاريخه المحدّد ليوم 9 سبتمبر الماضي. وإنّ استناد القيادة النقابيّة إلى صدور حكم "قضائي" (سياسي في الحقيقة) "يعلّق أشغال المؤتمر" لا يمكنه بأيّ حال من الأحوال أن يبرّر ذلك التّراجع وهي تعلم حقيقة الصّراع الدّائر بين السّلطة وقيادة الرّابطة. كما أنّ نفس الخط التّهادني العام للقيادة النقابية هو الذي يفسّر تراجعها عن موقفها الرّافض لزيارة الوفد الصهيوني إلى بلادنا، إذ رفضت الإمضاء على برقيّة الإضراب الذي قرّرته النقابة العامة للتعليم الثانوي والنقابة العامة للتعليم الأساسي يوم 10 نوفمبر الجاري. فقد مارست ضغوطا كبيرة على النّقابتين لثنيهما عن تنفيذ الإضراب، ممّا عسّر مهمّة هياكل القطاعين في تعبئة القواعد لإنجاح الإضراب وسهّل بالمقابل مهمّة البوليس في محاصرة بطحاء محمد علي بتونس العاصمة ومنع عديد العمّال والمناضلين من الوصول إلى تلك البطحاء لولا تضامن المتجمّعين مع من منعتهم قوّات البوليس وإصرارهم على تمكينهم من حقّهم في التّجمّع.

فكيف يمكننا والقيادة النقابية على هذه الحالة انتظار مساندتها - ولو باحتشام وبصفة شكلية - لإضراب الجوع الذي تخوضه منذ 18 أكتوبر الماضي قيادات بعض الأحزاب والجمعيات المستقلّة من أجل الحرّيّة السّياسيّة؟ إنّ عزاء الحركة الديمقراطية بصفة عامّة وحركة 18 أكتوبر بالخصوص يكمن – في علاقة بسند الحركة النقابية لقضية الديمقراطية – في المواقف الثابتة والجريئة لبعض الهياكل النقابية الجهوية والقطاعية المنحازة إلى معركة الحرية في بلادنا.

إنّ بعض الاتّحادات الجهوية للشغل وفي مقدّمتها الاتّحاد الجهوي للشّغل بجندوبة والاتّحاد الجهوي للشّغل بالقيروان ما فتئت تلعب دورا مهمّا في مساندة قضايا الحرية في بلادنا سواء من خلال تحمّل المسؤولية داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو الانخراط فيها أو مواكبة أنشطتها ومساندة مواقفها (عبر البرقيات وبيانات المساندة) أو المشاركة في تظاهراتها وتجمّعاتها، أو بفتح فضاءات الاتحادات الجهوية لبعض أنشطة فروع الرابطة. كما أنّ بعض القطاعات النقابية كالنقابة العامّة للتعليم الثانوي والنقابة العامّة للتعليم الأساسي وبعض هياكلها الجهوية بادرت بإصدار بيانات المساندة لإضراب الجوع ولحركة 18 أكتوبر وكلّفت قواعدها بزيارة المضربين عن الطّعام للشدّ على أياديهم بصفة مباشرة. ودعت هياكلها الأساسية إلى قراءة بيان المضربين عن الطّعام الموجّه إلى الأساتذة والمعلمين خلال إضرابهم يوم 10 أكتوبر 2005 تنديدا واحتجاجا على زيارة الوفد الصهيوني إلى بلادنا. كما تولّت الإشراف على التّجمّع النقابي ببطحاء محمد علي وقراءة نفس الرّسالة على المتجمّعين الذين صفّقوا لذلك بحرارة. والأهمّ من كلّ ذلك تأكيد الكاتب العام للتعليم الثانوي السيد الشاذلي قاري على ضرورة الرّبط بين قضية التطبيع - موضوع التّجمّع والإضراب - ومعركة الحرية، داعيا إلى واجب مؤازرة المضربين عن الطّعام. وهو تصريح تجاوب معه بحرارة كلّ الحضور. وبذلك تكون مثل هذه الهياكل قد ربطت بين قضية التطبيع ومعركة الحرية في بلادنا. وهو ربط ينمّ عن درجة راقية من الوعي والصّلة الوثيقة بين القضايا القوميّة ومسألة الحرّيّات السّياسيّة في بلادنا والتي من شأن تحقيقها دفع دورنا وتفعيله تجاه قضايانا القومية. ولا يفوتنا أن نحيّي قيادات تلك الهياكل على هذا الدور الذي يعرّضها إلى ضغوطات وانتقادات من قِبل القيادة النقابية المركزية التي لا تتعدّى حدود النقابوية ولا تسمح بتجاوز حدودها دون هجوم على من يتجاسر على ذلك.

والمطلوب من تلك الهياكل هو مزيد تفعيل هذا الدور البارز عبر تنويع أشكال المساندة. ولا بدّ من التأكيد على أنّ الحضور المكثّف في تظاهرات الجمعيّات والأحزاب المستقلّة وفي التّجمّعات التي تدعو إليها من شأنه تدعيم مواقفها وقراراتها المستقلّة خدمة ودفعا لمطالب الحرّيّة والدّيمقراطيّة.

صوت الشعب: العــدد 241
14 نوفمبر 2005

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت