إدارة الصراعات بالأدعية والغيبيات

عادل صوما
2024 / 2 / 20

جذور لا حل المشكلة الفلسطينية عند الفلسطينيين تكمن في تركيزهم على بعدها الغيبي غير المؤكد بالبراهين المحسوسة، وايمانهم غير الواقعي بضرورة مساعدة المسلمين فقط لهم، بينما المسلمون مشغولون في أمورهم ومشاكلهم وصراعاتهم مع عدم نسيانهم رفع شعار "القضية" التي لا يجب أن تموت، رغم موتها سريرياً لسوء التشخيص والعلاج الفاسد.
إيران بدأت تنسحب على أطراف أصابعها عندما حرّكت أميركا قطع من أسطولها شرقي المتوسط بعد "طوفان الأقصى"، ثم لامت الموالين عن أعمال لم يأخذوا الضوء الأخضر من المرشد للقيام بها. لم يبق سوى شعار الموت لإسرائيل، ولغم تعطيل التطبيع السعودي الإسرائيلي.
وبعد زيارة الخليفة الإخواني التركي مصر ظهر قرار بسحب الجنسية من محمود حسين، القائم بعمل مرشد جماعة الإخوان المقيم في إسطنبول، وبدأت قيادات إخوانية مغادرة الأراضي التركية من بينهم عناصر إعلامية ومن حركة حسم الإخوانية، وكذلك عناصر أكاديمية كانت تعمل في الجامعات التركية، كما تم التضييق على عناصر أخرى وتقييد أنشطتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن لم يزل أردوغان يردد "إسرائيل دولة ستزول".
وقائع وأوهام
الفلسطينيون غير مقتنعين حتى اليوم بهزيمتهم وهيمنة الإسرائيليين على الأرض ومن عليها والمرافق، لأن"مقاومتهم" منذ بداياتها حتى اليوم تعتمد على أوهام وبلاغة لغوية وغيبيات ورهانات خاسرة، وهي أدوات وأساليب لا تصلح للسياسة أو التفاوض أو الحروب أو حتى "المقاومة". تصلح فقط لإدارة بنزنس يرتزق أصحابه من الشعارات، ويموت في سبيلهم عشاق الموت.
كانت "مقاومة" الفلسطينيين وتفويضهم للناطقين بالعربية عوضاً عن تفاوضهم هم بأنفسهم ولأنفسهم بعد هزائمهم المتكررة طريق انتحار سار بهم من نكبة إلى أخرى. وكان اللعب بالورقة الفلسطينية عند ديكتاتوريات الشرق الأوسط بعد الوصول إلى السلطة بالانقلابات، ثم محاولة الهيمنة على "المقاومة" نكبات لدول المنطقة، فلم يحلوا المشكلة أو ينهضوا ببلادهم.
براعة انشائية
"حماس" اليوم في عين العاصفة، و"السلطة" تقريباً تؤمن بالثوابت نفسها لكن بدون إعلان واضح. حدد الميثاق الأصلي الحمساوي بأن "الحركة" تمثل الإخوان المسلمين في فلسطين، وأن أعضاءها مسلمين "يخشون الله ويرفعون راية الجهاد في وجه الظالمين". وينص الميثاق على أن "نضالنا ضد اليهود كبير جداً وبالغ الخطورة". ويدعو إلى إنشاء دولة إسلامية في فلسطين بدلاً من إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وطمس إسرائيل أو حلّها. ويؤكد على أهمية الجهاد، كما جاء في المادة 13: "لا يوجد حل للقضية الفلسطينية إلا من خلال الجهاد، والمبادرات والمقترحات والمؤتمرات الدولية كلها مضيعة للوقت ومساعي عبثية". ينص الميثاق أيضاً على أن حماس إنسانية، ومتسامحة مع الأديان الأخرى طالما أنها "تتوقف عن نزاع سيادة الإسلام في هذه المنطقة". ويضيف الميثاق أن "التخلي عن أي جزء من فلسطين يعني التخلي عن جزء من دين الإسلام".
ميثاق انشائي بلاغي بلغة دينية غير واقعي سياسياً، لأنه يستحيل طمس إسرائيل أو حلها، كما انه يفرض حرباً مصيرية وجودية على إسرائيل، لن تلومها دول العالم على الوقوف ضده لكن اللوم سيقع على الافراط في أساليب البطش. وواقعياً لم تؤثر طوال التاريخ أي تعليقات على بطش أو حروب، بل الأداء والنتائج في الحروب هما ما أثّرا.
ثم أن انفصام الشخصية واضح للغاية بعدم ايمان "حماس" بالمبادرات والمقترحات والمؤتمرات الدولية، ثم عويلهم بطلب تدخل المسلمين والدول والأمم المتحدة حين تنكل إسرائيل بهم!
يبدو الميثاق غير متوافق حتى مع ثوابت الدين الإسلامي، فقد جعل التخلي عن جزء من فلسطين يساوي التخلي عن أي فرض إسلامي كالاعتراف بوحدانية الله. عقيدة هذا الميثاق خطيرة وتصادمية إذا طُبقت على الاندلس أو صقلية أو جنوبي إيطاليا أو فرنسا، لأنها دول قد خضع جزء منها للإسلام ومن ثمة هي وقف إسلامي يجب استرجاعه.
نتائج الطوفان
ماذا كانت نتيجة "طوفان الأقصى" حتى اليوم؟ ما هي قيمة "حماس" اقتصادياً وعلمياً وثقافياً بالنسبة لدول العالم؟ ماذا تنتج "حماس"؟ ماذا سيخسر العالم أو فلسطين لو تلاشت "حماس"؟
بسبب شعار "طوفان الأقصي" الإنفعالي، خسر الغزاويون منازلهم وحقولهم في غزة، وفرص عملهم في إسرائيل، الذي كان يبلغ للفرد نحو 3000 دولار شهريا، وهو أعلى بكثير جداً من أي مواطن في دول الجوار، ثم قررت إسرائيل تبني خطة لاستبدال العمال الفلسطينيين عندها (حوالي 200 ألف) بعمال أسيويين في المستقبل.
اقتصاد وسياسة
اليهود في العالم يبلغ تعدادهم 0,05% من سكان الكوكب، لكنهم يملكون 20% من أموال دول العالم ويديرون حوالي 25% من أموالها. وهذه القوة الاقتصادية الجبارة تملك ضغوطاً سياسية بلا أدنى شك، فما من شخص مهم انتقد حربهم على غزة إلا وتراجع، بل سافر بعضهم إلي إسرائيل معتذراً، وماكرون صنيع عائلة روتشيلد صرّح متلعثما منذ أيام بأنه يؤيد إسرائيل في دفاعها عن نفسها ولا يؤيد دخولها رفح! حتى أعضاء الكونغرس الفلسطيني داخل الكونغرس الأميركي انخفضت أصواتهم، ورشيدة طليب لم تعد ترفع عقيرتها الكونغرسية، ولم تعد تظهر بالحطة، واعتبرت أخيرا أن الاغتصاب مُدان في العمليات العسكرية، ولم تشر وسائل الاعلام الناطقة بالعربية إلى هذا التصريح الرمزي.
هل خطف الناس أو اغتصاب النساء حل مشكلة سياسية طوال التاريخ؟ هل بناء أنفاق للمقاومة سيحرر فلسطين كما يزعمون؟ هل أثمر "طوفان الأقصى" حتى هذه اللحظة سوى الموت والخراب وفقدان الأعمال وتشريد المساكين والإعاقات؟ لماذا لا تُرجع "حماس" الأسرى وتضع إسرائيل في موقف يجبرها على وقف العمليات العسكرية؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت