استقلالية القرار النقابي: المظاهر والعوائق والآفاق( 1 )

جيلاني الهمامي
2024 / 2 / 20

إن شرعية الانشغال بمسألة استقلالية القرار النقابي لدى النقابيين في تونس أي بالعبارة المتداولة استقلالية الاتحاد العام التونسي للشغل أساسا عن الدولة وعن الحزب الحاكم لا تنبع في رأيي من ترف مثقفاتي أو من مسايرة لنزعة سائدة بقدر ما تعكس حساسيتهم لهذه المسألة نتيجة التجربة المريرة والنضال الطويل من أجلها.

فاستقلالية المنظمة النقابية طرحت منذ زمن الاستعمار المباشر بالنسبة لجامعتي عموم العملة التونسيتين الأولى والثانية حيال النقابات الاستعمارية وبالنسبة للاتحاد العام التونسي للشغل وعن الدولة التونسية الفتية بنفس الحدة.

ومعروف أن التجربة النقابية التونسية تميزت بدورية أزماتها، بمعدل أزمة في كل عشرية تقريبا وكان الصراع حول استقلالية القرار النقابي هو أكثر العوامل المتسببة فيها. فلا غرابة اذن ان تظل هذه المسألة مطروحة اليوم بعد 80 سنة من انبعاث أول تجربة نقابية تونسية على يد محمد علي الحامي.
فأن يعاد طرحها في هذه الندوة فذلك يعني فيما يعني وعي النقابيين بأن نوازع الهيمنة على الاتحاد العام التونسي للشغل ما تزال متواصلة وان الرغبة في تدجينه لاتزال قائمة وأن سعيه من أجل تحصين استقلالية قراره لا يزال كذلك مستمرا كما لو كنا نعيش ظروف نضال الاتحاد في الخمسينات أو الستينات أو السبعينات أو الثمانينات أو أواخر التسعينات مع اعتبار الفوارق الجزئية طبعا.

والأمر في تقديري مفهوم ذلك أن النقابات منذ أن ظهرت كإطار تنظيمي وكأدوات يعتمدها العمال للدفاع عن مصاحهم الخاصة كطبقة ولمواجهة رأس المال كانت دوما مصدر قلق لأرباب العمل الذين حاولوا دوما التقليل من فاعليتها سواء بالطرق القسرية أو إن أمكن باحتوائها واستعمالها ضمن منظومة الوفاق الطبقي لتبرير استغلال رأس المال للعمل.

وقد راوحت البرجوازية في مواجهة النقابات بين الطرق العنيفة لحل النقابات والتنكيل بقادتها أو الانقلاب عليهم وطردهم وسجنهم وتنصيب الموالين عوضا عنهم كلما استعصى أمر إخضاعهم وبين المناورة والاحتواء بعد أن أصبح التخلص منها صعبا أو قل مستحيلا حتى تبقى النقابات متعاونة وأدوات لتلطيف التناقضات بين العمال والرأسماليين وفي النهاية رافدا من الروافد الأساسية لتبرير الاستغلال وخضوع العمال طواعية له.

وفي سبيل ذلك استعملت البرجوازية كل الطرق لانتداب شريحة من النقابيين بارتشائهم وتحويلهم من عمال إلى شريحة من الارستقراطية العمالية تستعمل المطالب والنضالات العمالية كعنصر ضغط ومساومة من أجل الحفاظ على امتيازاتها الخاصة. وبذلك وجد الرأسماليون المنفذ للتحكم في النقابات من الداخل وربطها بعجلة نظامهم مع ما يلزم من المخادعات وعناصر التمويه الدعائية حول احترام حرية العمل النقابي واستقلال المنظمات النقابية وهلمّ جرّا من الشعارات الديماغوجية.

لكن لا القمع ولا هذه الأساليب نجحت بل لاقت مقاومة شديدة سواء من النقابيين أو من القواعد التي تصدت بدرجات متفاوتة لهذه الظاهرة وبذلك ظلت استقلالية المنظمات النقابية من أكثر القضايا حيوية وحساسية في علاقة النقابات بالحكومات والأحزاب البرجوازية حتى داخل النقابات نفسها.

هذه المقاومة أفضت في أحيان كثيرة إلى تطهير النقابات من العناصر المتواطئة وأحيان أخرى إلى انقسام النقابات وتعددها وهو ما قدم على نحو آخر خدمة جليلة للبرجوازية وحكوماتها. ومهما كان من أمر فإن الصراع ما يزال متواصلا ولم ينته وسيستمر ما بقيت النقابات موجودة حتى لو توصل العمال إلى افتكاك السلطة. فالنقابة هي في معناها العميق سلطة مضادة لمنازع الاستغلال والتجاوزات والتسلط من أي مصدر كان.

إن تجربة الاتحاد العام التونسي للشغل غنية بشواهد النضال من أجل استقلاليته وقد كلفه ذلك أزمات عديدة ومتوالية في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات. فماذا كانت محصلة هذه المسيرة الحافلة بالنضال والصراع؟

للإجابة عن ذلك سوف لن أتوقف عند هذه المحطات التاريخية التي تعرفونها جميعكم جيدا وقد تعرض إليها السادة المتدخلين قبلي لكنني أود أن أركز على وضع استقلالية الاتحاد في السنوات الأخيرة وبالتحديد منذ مؤتمر جربة 2002.

معلوم أن مؤتمر جربة كان كمؤتمر استثنائي مختلفا عن سابقيه من المؤتمرات وخاصة المؤتمرات العادية وكان رهانه الأكبر من الناحية الدعائية إعطاء مصداقية لحركة "التصحيح النقابي" لذلك اتخذت فيه جملة من الاجراءات الديمقراطية أضفت عليه حيوية خاصة. هذه الحيوية كانت برأيي دافعا لنشوء ديناميك نقابي جديد –على محدوديته- انعكس في مظاهر عديدة من حياة المنظمة بما في ذلك النضال من أجل الاستقلالية.

كلنا نتذكر سلسلة المواقف الجريئة التي أقدم عليها الاتحاد والتي لاقت استحسان النقابيين والقواعد وأثارت غضب السلطة. نذكر من ذلك موقف عدد من أعضاء الهيئة الادارية الرافض لمشروع اصلاح نظام التأمين على المرض وموقف عدد آخر –أكبر هذه المرة- الرافض لتزكية بن علي لمدة رئاسية جديدة وبروز أغلبية من داخل الهيئة الادارية ضد دخول مجلس المستشارين بالصيغة التي أقرتها السلطة وموقف المكتب التنفيذي من دعوة شارون لحضور قمة مجتمع المعلومات بتونس. قبل ذلك كان الاتحاد عبر عن مساندته لمطالب الحركة الديمقراطية المنادي بالعفو التشريعي العام كما ساند الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وتحمس للعمل مع فعاليات المجتمع المدني من أجل بعث منتدى اجتماعي تونسي رغم أن موقفه من هذه مسائل لم يكن ثابتا واضطر للتراجع عنه في عديد المرات تحت ضغط السلطة مثل تخليه في صمت عن مطلب العفو التشريعي العام وتردده أحيانا في مساندة الرابطة جهرا وتفصيه في وقت ما من التزامه بالتنسيق مع الجمعيات الأخرى لبعث المنتدى الاجتماعي.

هذه الأمثلة هي برأيي دلالة وشهادة على ميلاد نزعات استقلالية واضحة قد يكون منشؤها في الأصل الوعي الحاصل بفشل تجربة الاتحاد خلال التسعينات والضرر الجسيم الذي ألحقته بمصداقيته وبسمعته على الصعيدين السياسي والاجتماعي في الداخل والخارج.

لكنني اعتقد انها ليست سوى مجرد نزعات وجب النظر إليها بكثير من النسبية دون الاستهانةبأهميتها ولا ينبغي أيضا تضخيمها لأنها في الواقع مازالت دون أن تشكل اختيارا مستقرا لسببين رئيسيين على الأقل هما :
- أولا مازالت هذه المواقف مرتبطة بمناسبات وبملفات وليست نتاج توجه عام داخل الهياكل القيادية للمنظمة على الأقل كما أنها ماتزال مواقف أقلية وحصلت نتيجة صراعات حادة أحيانا وكثيرا ما تلتها محاولات عديدة للالتفاف عليها ومراجعتها من قبل قوى الشد إلى الخلف التي مازالت تتمتع بتأثير لابأس به داخل المنظمة وحتى الضغط القاعدي من أجل فرض خط الدفاع عن استقلالية المنظمة مازال ضعيفا.
- ثانيا وجود عديد العوائق الموضوعية والذاتية أبرزها عدم تسامح السلطة مع مواقف الاتحاد هذه والضغوط التي مارستها وستمارسها بصفة أشد في المستقبل لمنع تطورها وتجذرها في ظل انغلاق الوضع السياسي وضعف الحركة الديمقراطية سند الاتحاد القوي زمن الأزمات فضلا عن عديد نقاط الضعف الداخلية التي يشتكي منها الاتحاد وخاصة ضعف الحياة الديمقراطية الداخلية وتخلف أساليب العمل وتردي نوعية الأداء والمردود.

وهنا أود أن أتوقف عند بعض العوائق التي ستعرقل تطور نزعات الاستقلالية التي ذكرت.
لا أذيع سرا بالقول أن السلطة في تونس لن تتساهل مع أي مسعى قد يسعاه الاتحاد من أجل فرض استقلاليته وهو أمر نابع من طبيعتها كسلطة متحجرة لا تقبل مطلقا باستقلالية المنظمات والجمعيات وتمنع كل نشاط مستقل عن حزبها الحاكم بكل طرق شتى وخاصة الطرق الأمنية. ولنا في ما يحصل الآن لجمعية القضاة وللرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ونقابة الصحفيين أمثلة حية تغنينا عن كل تعليق رغم أن هذه الجمعيات الحقوقية مدنية ولا تحضى بالوزن الاجتماعي الذي يمثله الاتحاد العام التونسي للشغل. ولنا أيضا في الاشاعات حول نوايا السلطة تشجيع عناصر لفظتها الحركة النقابية على بعث نقابة موازية وفي التحرشات على الاتحاد وعلى قيادته إثر موقفه من الغرفة الثانية أمثلة أخرى.

والدولة التونسية تعي جيد الوعي قيمة الدور الذي لعبه الاتحاد طوال فترة التسعينات كسند اجتماعي لاختياراتها حيث أرسى دعائم السلم الاجتماعية وزكى كل اختياراتها الاقتصادية (التفويت...) وتحول إلى منظمة مدجنة بصورة مكشوفة وبوق دعاية "لمفخرة الاستقرار الاجتماعي والسياسي" الذي لطالما تبجحت به السلطة لتلميع صورتها من أجل استجلاب الاستثمارات الأجنبية. كل ذلك مقابل بعض الفتات وحفنة من الامتيازات الخاصة لقياداته.

هذه حقائق لا ينكرها أحد وحتى قادة "التصحيح النقابي" بنوا كل دعايتهم عليها ليكسبوا مساندة النقابيين وحماسهم للتغيير الذي أزاح الأمين العام السابق.فلا شك إذن أن تستمر الدولة في ممارسة كل الضغوط المادية والسياسية حتى لا يكون الاتحاد مستقلا عنها بالدرجة التي تفسد عليها مخططاتها وبرامجها على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

من جهة ثانية أعطت التحولات الجارية على علاقات الشغل للقطاع الخاص مكانة كبيرة في إعادة تشكيل تركيبة قوى العمل وفي مجالات التشغيل والتأجير وغيرها وقد لاحظنا جميعا أن مجالات الحق النقابي انحسرت بشكل واسع وتراجعت بذلك نسب التنقب وهو ما يهدد مستقبل العمل النقابي وقدرة الاتحاد على التعبئة والنضال والصمود أمام مساعي احتوائه والمساس من استقلاليته.

أما داخليا فإن شريحة واسعة من النقابيين الذين ارتقوا سلم المسؤوليات خلال فترة الاستقرار التي عرفها الاتحاد طوال التسعينات هذه الشريحة التي شكلت قاعدة النهج البيروقراطي الفج وزكت التبعية العمياء للسلطة تمثل احتياطيا ستستعمله السلطة كمعرقل داخلي لتطور النزعة الاستقلالية داخله ونذكر جميعا محاولات العديد منهم لثني المكتب التنفيذي عن ممارسة موقف الهيئة الادارية من المشاركة في مجلس المستشارين.

أمام هذه المصاعب أعتقد أنه بات من الواجب على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يعي بأن مواجهة هذه العوائق مجمعة والنضال من أجل استقلاليته ليس بالمهمة اليسيرة وان النجاح فيها مرهون إلى حد كبير بتحسن الأوضاع السياسية العامة.

ذلك لا يعني مطلقا أن يبقى مكتوف الأيدي ينتظر منة من السلطة أو حصول معجزة من السماء وإنما عليه تحمل مسؤوليته مع بقية فعاليات المجتمع المدني في الدفاع عن الحريات وحق النشاط بما في ذلك الحق النقابي. فالاتحاد مطالب حينئذ بأن يضع قضية الدفاع عن استقلاليته ضمن اهتماماته العامة بقضية الحريات وأن يقرن جهوده بجهود كل المنظمات التواقة إلى الاستقلالية.

لقد أثبتت التجربة أن المواجهات المعزولة ساعدت السلطة على التفرد كل مرة بمنظمة من المنظمات على حدة للإجهاز عليها وكسر شوكة نضالها. لذلك أصبح لا محيد عن تنسيق الجهود وتكتيل القوى لحماية المجتمع المدني من تغول الدولة. والاتحاد باعتباره مكونة أساسية من مكونات المجتمع المدني وأكبرها وزنا وأكثرها فعالية مطالب بأن يلعب دوره الريادي في صلب المجتمع المدني ليعطي للنظال العام من أجل استقلالية المنظمات الجماهيرية والمدنية الدفع اللازم.

هذه بعض الملاحظات الموجزة أردت أن أشارك بها في هذه المائدة وأجدد لكم شكري على الدعوة والاستماع والسلام.
تونس – سبتمر 2005
(1) نص مداخلة في مائدة مستديرة جمعها قسم التكوين النقابي بالاتحاد العام في ندوة حول استقلالية القرار النقابي أيام 12 – 13 – 14 سبتمبر 2005 بالحمامات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت