بايدن: إدامة الحرب حتى آخر جندي أوكراني

حسين علوان حسين
2024 / 2 / 19

لقد أثبتت لنا وقائع التاريخ – على الأقل منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم – بأن الإمبريالية لا تحيى إلا على اشعال الحروب المهلكة المباشرة وذلك بأمر مالكي شركات تصنيع الأسلحة الفتاكة ممن يشترون قوّاديهم من رؤساء الغرب الفاشي البربري الشمولي بالضبط للقيام بهذه المهمة. لذا، نجد أن مختلف قارات العالم ما فتئت تنتقل من حرب لأخرى طوال قرنين من الزمان. كما أنه من المعلوم بأن من يريد إشعال الحروب المهلكة يستطيع فبركة الذرائع – أي ذرائع – لتبريرها وتسويقها.
كما شهد النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم نمطاً جديداً من الحروب الامبريالية الفاشية البربرية، ألا وهو نمط "الحروب بالوكالة" الذي تدمر شعوباً بأكملها، ومن أفظعها الحرب العراقية الايرانية التي أشعلها فرخ الامبريالية صدام، والتي أبادت الملايين من الشعبين الجارين على مدار ثمان سنوات رهيبة كانت شركات تصنيع الأسلحة تستقبل طوالها وفود مشتريات الأسلحة من العراق وايران في مكانين منفصلين في نفس الوقت ونفس المصنع. المطلوب من هذه الحروب بالنيابة هو الاحتواء المزدوج: تدمير الطرفين، ولشركات تصنيع الأسلحة ومراكز اتخاذ القرار الامبريالية الشمولية الداعشية الارهابية الصافي.
وآخر الحروب بالنيابة المشتعلة من عامين هي الحرب الروسية-الأوكرانية التي أشعلها جرذ الحروب بايدن بإغرائه لقوّاده زيلينسكي الذي نصب بأموال السحت الحرام على كرسي الرئاسة في أوكرانيا على الغاء معاهدة منسك أولاً، ومن بعدها رفض اتفاق اسطنبول في آذار 2022 بغية تدمير البلدين مهما كانت فداحة التضحيات البشرية والمادية، كي تسرط قشطة الأرباح الدسمة شركات تصنيع الأسلحة، مثل شركة ريثون تكنولوجيز ولوكهيد مارتن وبوينغ ونورثورب غرومن وجنرل داينامكس وهاريس تكنولجيز .. إلخ ضاربة عرض الحائط فداحة تلك الخسائر البشرية والمادية التي لا تعوّض.
ومنذ اليوم الأول لحرب بايدن الروسية الاوكرانية، تعالت الصرخات بأن جرذ الحرب المتعفن هذا – هو وعصابة النيوكونز التي تحيط به – سيزينون لفرخهم زيلنسكي: "مواصلة الحرب حتى آخر جندي اوكراني" في ضوء التفوق العسكري الروسي الهائل والالغاء التام للحلول السياسية. وبالتأكيد فإن جرذ الحرب بايدن سيكون مستمتعا جدا بالاحتفال بعيد ميلاده التسعين بشرب أنخاب إفناء كل الشعب الأوكراني عن بكرة أبيه؛ أو – ربما – بإشعاله فتيل الحرب العالمية الثالثة التي اصبحت قاب قوسين أو أدنى من أي وقت آخر، إن لم يشتوي هو بنيرانها.
في هذا المقام، اعرض هنا ترجمتي لمقال الكاتب الامريكي: "دوغلاس ماكينن" الموسوم: " ارفع يدك المميزة إذا كنت على استعداد لمواصلة "القتال حتى آخر أوكراني"" المنشور مؤخرا في صحيفة "ذا الهِل" (The Hill) . ودوغلاس ماكينن (Douglas MacKinnon) هو مستشار سياسي واتصالات، وقد عمل كاتبًا في البيت الأبيض لخطابات الرئيسين رونالد ريغان وجورج إتش دبليو بوش. كما تبوأ منصب المساعد الخاص السابق للسياسة والاتصالات في البنتاغون خلال السنوات الثلاث الأخيرة لإدارة الرئيس بوش الأب.
نص المقال:
ارفع يدك المميزة إذا كنت على استعداد لمواصلة "القتال حتى آخر أوكراني"
بقلم دوجلاس ماكينون، مساهم بالرأي - 17/02/24 12:00 مساءً بالتوقيت الشرقي، موقع صحيفة (The Hill).
"انتباه: ما قيمة ما يزيد عن مليون قتيل وجريح ما دمت ترفل على بعد آلاف الأميال في فقاعة من الامتيازات المتعجرفة؟
في آب، 2023، قدَّر المسؤولون الأمريكيون أن ما يقرب من 500 ألف جندي روسي وأوكراني قد قتلوا أو جرحوا منذ الغزو الروسي في شباط 2022. وبالعودة إلى شهر تشرين الثاني من ذلك العام، قال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن أكثر من 10 آلاف مدني أوكراني قد لقي حتفه.
ومؤخراً، أخبرني مسؤول استخباراتي سابق بأن الخسائر في صفوف القوات المسلحة من الطرفين قد تجاوزت الآن مليون شخص، وأن تقديرات الأمم المتحدة للوفيات بين المدنيين أعلى بشكل كبير: أكثر من مليون قتيل وجريح من الرجال والنساء والأطفال.
ألا ينبغي أن يصدمنا كل هذا العدد المروّع من الوفيات والإصابات؟ وعلى سبيل المقارنة: كيف سيكون رد فعلنا إذا ما تم قُتل أو جَرح كل رجل وامرأة وطفل أمريكي من سكان مدن "دالاس" أو "سان دييغو" أو "أوستن" أو "جاكسونفيل" أو "سان خوسيه" في خضم تسوية أجزاء كبيرة من تلك المدن بالأرض بسبب القصف الجوي والمدفعي؟
إنه لمن المؤسف والمأساوي، وإن كان كل هذا يحصل بشكل متعمد، أن تبقى التقارير حول التكلفة البشرية للحرب بين روسيا وأوكرانيا ضئيلة للغاية. يبدو أن البعض في وسائل الإعلام قد تحولوا إلى مختزلين للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث تبدأ كل قصة: "كما تقول أوكرانيا..." أو "كما صرح زيلينسكي...".
ولا زال من الممكن أن تواصل المواقع الإعلامية نهج "مناهضة لبوتين"، فيما تنقل الحقائق المطلقة على الأرض بشكل احترافي وأخلاقي. وكل هذه الوقائع ترسم صورة مأساوية فظيعة.
إذا كان الأساس المنطقي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية وللمملكة المتحدة ولآخرين في أوروبا (إلى جانب الكثير من وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية ومختلف مقاولي الدفاع) هو استخدام أوكرانيا وشعبها كبيادق رخيصة ونبيذة يمكن أن يتم التضحية بها في حرب بالوكالة ضد فلاديمير بوتين وروسيا، فإنهم إنما ينجحون في هذا المسعى على مستوى مروّع فظيع واضح.
ومع ذلك، إذا كانت فكرة دعم حرب أوكرانيا مع روسيا أنما تهدف فعلاً إلى "إنقاذ شعب أوكرانيا" والبنية التحتية للبلاد، فإن أولئك الذين دافعوا عن انتهاج هذا المسار قد فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق مثل هذا الإنقاذ المزعوم.
كيف هو هذا الفشل الذريع؟ حسنًا، وكما ذكرت شبكة "سي أن أن" مؤخرًا، فإن تلك الحرب قد تحولت إلى حرب خنادق وحشية، حيث: "أصبحت الخطوط الأمامية لحرب روسيا في أوكرانيا موبوءة بالجرذان والفئران، ويقال إنها تنشر الأمراض التي تجعل الجنود يتقيأون وينزفون من أعينهم، مما يشل قدرتهم القتالية والحربية". تلك هي عماية إعادة الخلق للظروف الشنيعة التي ابتليت بها القوات في حرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى.
فهل كل هذا يمكن يثير أو يهز شعرة واحدة لدى أفراد الطبقة المتميزة و"المحافظين الجدد" على جانبي المحيط الأطلسي ممن - من موقعهم الآمنة على بعد آلاف الأميال وهم يستمتعون برواتب من ستة وسبعة أرقام – يدافعون باستمرار عن سياسة رمي شباب أوكرانيا في أسنان آلة الحرب الروسية؟
إذا كانوا لا يبالون فعلاً بمئات الآلاف من القتلى والجرحى؛ ولا للبنية التحتية المسوّاة بالأرض؛ ولا لأكثر من 6 ملايين شخص فروا من أوكرانيا؛ ولا بالنسبة لمليارات دولارات دافعي الضرائب الأمريكية التي يبدو أنها اقد تبخرت، فما هو رأيهم فيما يتعلق بإشعالهم لفتيل الحرب العالمية الثالثة؟
فطبقاً للعنوان الرئيس الذي ظهر مؤخراً على قناة "فوكس نيوز": "تظهِر الوثائق الألمانية المسربة بأن القادة في الناتو يستعدون إذا ما شنت روسيا الحرب العالمية الثالثة". ولنكن جديين، عند أي نقطة يصبح تجاهل هذا الاحتمال الكارثي أو استبعاده انما يمثّل سوء ممارسة إجرامية على أعلى المستويات؟
وكما هو الحال مع تقرير شبكة "سي أن أن" الذي يعرض تفاصيل "حرب الخنادق" الحالية التي تكرر أهوال الحرب العالمية الأولى، ربما ينبغي على أولئك الذين يدفعون باستمرار من أجل مواصلة هذه الحرب إجراء القليل من البحث وتذكير أنفسهم بما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى في المقام الأول. وقتها، أدى سلك عثرة يبدو أنه غير متصل إلى التالي وألى الذي يليه، وقبل أن يستطيع أي شخص تبيّن ما حدث، فقد مات أكثر من 20 مليون إنسان.
فكم سيكون هذا الرقم اليوم لو أن جنرالاَ روسياً أصدر أوامره بإطلاق سلاح نووي تكتيكي على قلب مدينة لندن، مثلاً؟ مستحيل؟ لم يعد الأمر مقتصراً على أن البعض في روسيا قد صرّحوا بمثل هذا الرد، بل - حسبما أخبرني مصدر استخباراتي سابق رفيع المستوى- أن الجنرالات الروس يتمتعون، تحت تسمية "الجهوزية قتالية"، "بالاستقلالية" في إطلاق الأسلحة النووية التكتيكية من تلقاء أنفسهم.
ومثلما سبق وأن بينت "وكالة المخابرات المركزية" منذ سنوات مضت: "تتمتع مراكز قيادة قوات الصواريخ الاستراتيجية (SRF) – وهي الخدمة المسؤولة عن الصواريخ النووية – وكذلك الوحدات الأخرى دون مستوى هيئة الأركان العامة بالقدرة الفنية على إطلاق تلك الصواريخ دون تصريح مسبق من القادة السياسيين أو قيادة الاركان". كما تم تقييم الضوابط الموضوعة على إطلاق الأسلحة النووية التكتيكية - الأسلحة النووية في ساحة المعركة والطوربيدات النووية - على أنها ضعيفة. ويبدو أن هذه هي الأسلحة هي الأكثر عرضة للمخاطرة.
وإذا ما استبعدنا الاحتمال المخيف المتمثل في أن يفقد جنرال روسي عقله ويقرر الهجوم بمفرده، فمن السهل أن ترى - إذا كنت تنظر بعين رائية - كيف يمكن أن يؤدي تصعيد هذه الحرب إلى أوامر يساء تفسيرها أو إلى افتراضات كاذبة أو حتى بسبب خلل حاسوبي يمكن أن يسفر عن خسارة عشرات - أو ربما مئات - الملايين من الأرواح. فما هي الدواعي لكل هذا؟
الجواب: لأن الأشخاص من ذوي الامتيازات ممن يعيشون على مبعدة آلاف الأميال من ساحة المعركة والمذبحة قد قرروا أن يلعبوا لعبة لوحية يتم فيها التضحية بمئات الآلاف من البشر الحقيقيين تحت ستار "إنقاذ الأمة الأوكرانية من روسيا"؛ أو لأغراض بناء الأمة الأوكرانية؛ أو لخوض حرب بالوكالة تجر العالم إلى حافة الحرب العالمية الثالثة.
ومع استمرار استعار أوار هذه الحرب، من سيعترف بمئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين قتلوا أو جرحوا - أو سيصرخ دفاعاً عنهم؟ ومنذ متى لم تعد المذبحة الصريحة للبشر أو الاحتمال الحقيقي لإشعال الحرب العالمية القادمة تهمنا؟
في مثل هذه الحرب، حتى الأثرياء والمتغنّمين، الذين يعيشون في فقاعات الرفاهية، لن يتمكنوا من الهرب."

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت