غيرنيكا الفلسطينية: الفن والثقافة في التصدي لحرب الإبادة الجماعية

سعيد مضيه
2024 / 2 / 18

يجب وقف حرب الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي للشعب الفلسطيني!

فيجاي براشاد المؤرخ والمحرر والصحفي الهندي،كتب عدة مقالات تضلمن مع الشعب الفلسطيني في غزة . في هذه المقالة بعنوان "لم يزل غير محظور على الفلسطينيين ان يحلموا"أظهر فيه اطلاعا واسعا على تاريخ فلسطين الحديث ، السياسي والثقافي. براشاد متعدد الأنشطة الثقافية والسياسية: زميل كاتب ومراسل رئيسي في Globetrotter. وهو محرر في LeftWord Books ومدير Tricontinental: معهد البحوث الاجتماعية. وهو زميل أول غير مقيم في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية، جامعة رنمين الصينية. وقد ألف أكثر من 20 كتابا، بما في ذلك "الأمم الأشد ظلاما والأمم الأكثر فقرا" . أحدث كتبه هي "النضال يجعلنا بشرًا: التعلم من حركات في سبيل الاشتراكية" وكتاب "الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأمريكية" بالتعاون مع نعوم تشومسكي.
في مقالته التالية يقرن الفن الفلسطينية بالأنروا وتواظؤ الغرب مع الإبادة الجماعية:


دعت محكمة العدل الدولية إسرائيل إلى "اتخاذ جميع التدابير بموجب سلطاتها لمنع ارتكاب الأفعال" التي تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948).
وكجزء من "تدابيرها المؤقتة"، دعت محكمة العدل الدولية إسرائيل إلى الرد على المحكمة في غضون شهر وتحديد كيفية تنفيذها للأمر.
ورغم أن إسرائيل رفضت بالفعل النتائج التي توصلت إليها محكمة العدل الدولية، فإن الضغوط الدولية على تل أبيب تتصاعد.
طلبت الجزائر من مجلس الأمن الدولي تنفيذ أمر محكمة العدل الدولية بينما بدأت إندونيسيا وسلوفينيا إجراءات منفصلة في محكمة العدل الدولية ستبدأ في 19 فبراير/شباط الجاري للحصول على رأي استشاري بشأن سيطرة إسرائيل وسياساتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، عملا بقرار عام للأمم المتحدة. قرار الجمعية العمومية المعتمد في ديسمبر 2022.
بالإضافة لذلك، طلبت تشيلي والمكسيك من المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في الجرائم المرتكبة في غزة.
كان رد فعل إسرائيل على أمر محكمة العدل الدولية رافضاً بشكل بارز. ووصف وزير الأمن القومي في البلاد، إيتامار بن جفير، محكمة العدل الدولية بأنها "محكمة معادية للسامية" وادعى أنها "لا تسعى إلى العدالة، بل إلى اضطهاد الشعب اليهودي".
والغريب أن بن جفير اتهم محكمة العدل الدولية بأنها "التزمت الصمت أثناء المحرقة". حدثت الهولوكوست التي أجراها النظام الألماني النازي وحلفاؤه ضد اليهود الأوروبيين والغجر والشيوعيين وغيرهم في الفترة من أواخر عام 1941 حتى مايو 1945 عندما حرر الجيش الأحمر السوفييتي السجناء من معسكرات الاعتقال رافينسبروك وزاكسينهاوزن وستوتهوف.
تأسست محكمة العدل الدولية في يونيو/حزيران 1945، بعد شهر واحد من انتهاء المحرقة، وبدأت عملها في أبريل/نيسان 1946. محاولة إسرائيل نزع الشرعية عن محكمة العدل الدولية بالقول إنها ظلت "صامتة أثناء المحرقة" في حين أنها في الواقع لم تكن موجودة بعد. ومن ثم فإن استخدام هذا البيان الكاذب لتسمية محكمة العدل الدولية بأنها "محكمة معادية للسامية" يظهر أن إسرائيل ليس لديها إجابة على مزايا أمر محكمة العدل الدولية.
في هذه الأثناء، يستمر القصف على الفلسطينيين في غزة. يقوم صديقي نعيم جينا، مدير مركز الشرق الأوسط الأفريقي في جوهانسبرغ، بمراجعة البيانات الواردة من مختلف الوزارات الحكومية في غزة بالإضافة إلى التقارير الإعلامية لتوزيع بطاقة معلومات يومية حول الوضع.
توضح البطاقة التي تعود إلى 26 كانون الثاني (يناير)، وهو تاريخ إصدار محكمة العدل الدولية أمرها، واليوم الثاني عشر بعد المائة من الإبادة الجماعية، منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، شهد مقتل 26.000 فلسطيني، على الأقل، بينهم 11.000 أطفال و 8000 في عداد المفقودين. أصيب بجراح ما يقرب من 69000 شخص. تم تهجير جميع سكان غزة تقريبا. الأرقام محيرة، خلال هذه الفترة، دمرت إسرائيل 394 مدرسة وكلية، ودمرت 99 مباشرة منها، بالإضافة إلى 30 مستشفى، وقتلت ما لا يقل عن 337 من العاملين في المجال الطبي.
هذه هي الحقيقة التي أدت إلى رفع قضية الإبادة الجماعية الى محكمة العدل الدولية والتدابير المؤقتة التي اتخذتها المحكمة، حيث طالب القاضي دالفير بهانداري من الهند بوضوح "إن كل القتال والأعمال العدائية يجب أن تتوقف فوراً".
من بين القتلى العديد من الرسامين والشعراء والكتاب والنحاتين في فلسطين. إحدى السمات البارزة للحياة الفلسطينية على مدى السنوات الـ 76 الماضية منذ نكبة عام 1948 هي الثراء المستمر للإنتاج الثقافي الفلسطيني.
في الماضي، كان السير السريع في أي من شوارع جنين أو مدينة غزة يكشف عن وجود الاستوديوهات وصالات العرض في كل مكان، وهي الأماكن التي يصر الفلسطينيون فيها على حقهم في الحلم.
في أواخر عام 1974، نشر المناضل والفنان الجنوب أفريقي باري فنسنت فاينبرج مقالًا في مجلة لوتس الأفرو آسيوية، والذي استهل بلقاء في لندن بين فاينبرج و"شاعر فلسطيني شاب".
شعر فاينبرغ بالفضول لمعرفة السبب وراء وجود "عدد كبير بشكل غير عادي من القصائد في لوتس لشعراء فلسطينيين". وأجاب الشاعر الشاب، مستمتعاً بملاحظة فاينبرج: "الشيء الوحيد الذي لم يُحرم منه شعبي قط هو الحق في الحلم".
ملك مطر، من مواليد ديسمبر 1999، فنانة فلسطينية شابة ترفض التوقف عن الحلم. كانت ملاك تبلغ من العمر 14 عامًا عندما شنت إسرائيل عملية الجرف الصامد (2014) في غزة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 2000 مدني فلسطيني خلال ما يزيد قليلاً عن شهر واحد - وهي حصيلة مروعة استندت إلى قصف الأرض الفلسطينية التي استمر احتلالها لأكثر من جيل.
والدة ملك شجعتها على الرسم كعلاج لصدمة الاحتلال. والدا ملك لاجئان: والدها من الجورة (التي تسمى الآن عسقلان) ووالدتها من البطاني الشرقي، إحدى القرى الفلسطينية الواقعة على أطراف ما يسمى الآن قطاع غزة.
في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948، أصدرت الحكومة الإسرائيلية المشكلة حديثًا الأمر رقم 40، الذي سمح للقوات الإسرائيلية بطرد الفلسطينيين من قرى مثل البطاني الشرقي.
كتب القادة الإسرائيليون: "دوركم هو طرد اللاجئين العرب من هذه القرى ومنع عودتهم عن طريق تدمير القرى... أحرقوا القرى واهدموا البيوت الحجرية".
يحمل والدا ملك هذه الذكريات، لكن على الرغم من الاحتلال والحرب المستمرين، يحاولان أن يمنحا أطفالهما الأحلام والأمل. التقطت ملك فرشاة الرسم وبدأت تتصور عالماً مضيئا من الألوان الزاهية والصور الفلسطينية، بما في ذلك رمز الصمود: شجرة الزيتون.
منذ أن كانت في سن المراهقة، رسمت ملك فتيات ونساء صغيرات، غالبًا مع أطفال وحمامات، رغم أنها، كما قالت للكاتبة إندليب فرازي صابر، غالبًا ما تكون رؤوس النساء موضوعة على الجانب. وذلك لأنها، كما قالت: "إذا وقفت بشكل مستقيم، فهذا يدل على أنك مستقر، ولكن إمالة الرأس إلى أحد الجانبين، فذلك يثير شعوراً بالانكسار والضعف. نحن بشر، نعيش الحروب، ولحظات التوحش... طاقة الاحتمال تنزلق أحيانًا.

جرت مراسلات بيني وبين ملك طوال فترات العنف، عبرت عن مخاوها بالرسائل، وقوتها ملحوظة. كتبت في يناير/كانون الثاني: "أنا أعمل على لوحة ضخمة تصور العديد من جوانب الإبادة الجماعية".
على قماش يبلغ طوله 5 أمتار، ابتكرت ملك عملاً فنيًا بدا أشبه بلوحة غرنيكا الشهيرة (1937) لبابلو بيكاسو، والتي رسمها لإحياء ذكرى مذبحة ارتكبتها إسبانيا الفاشية ضد بلدة في منطقة الباسك.
في عام 2022، نشرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) ملفًا شخصيًا عن ملك،أطلقت عليه اسم “بيكاسو فلسطين”. وقالت ملك في المقال: “لقد ألهمتني أعمال بيكاسو كثيراً لدرجة أنني حاولت في بداية رحلتي الفنية أن أرسم مثله”.
تعكس لوحة ملك الجديدة غصة وصمود الشعب الفلسطيني. إنها إدانة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل وتأكيد لحق الفلسطينيين في الحلم.
إذا نظرت إليها عن كثب، سترى ضحايا الإبادة الجماعية: عاملون في المجال الطبي، صحفيون وشعراء، مساجد وكنائس، جثث غير مدفونة، سجناء عراة، جثث أطفال صغار، سيارات مفخخة ولاجئين هاربين .
هناك طائرة ورقية تحلق في السماء، رمز من قصيدة رفعت العرير "إذا كان يجب أن أموت" ("يجب أن تعيش لتحكي قصتي... طفلاً، في مكان ما في غزة، يحمل الحكاية المثيرة تلتصق بذاكرته لزمن مديد ... يرى الطائرة الورقية،" طائرتي الورقية التي صنعتها، تحلق في الأعلى ويعتقد أن ملاكًا يعيد الحب”).
تتجذّر أعمال ملك في تقاليد الرسم الفلسطينية، مستوحاة من تاريخ يعود إلى علم الأيقونات العربية المسيحية (وهو التقليد الذي طوره يوسف الحلبي في القرن السابع عشر).
تطور " نمط حلب" حسب تعبير الناقد الفني كمال بلاطة في "استحضار المكان"، إلى " نمط القدس"، الذي سطع في صناعة الأيقونات من خلال إدخال النباتات والحيوانات من المنمنمات والتطريز الإسلامية.
لدى الاطلاع لأول مرة على أعمال ملك ، فكرت كيف جاء ملائما لدرجة انها استرجعت حياة زلفى السعدي (1905–1988)، إحدى أهم الرسامين في عصرها، والتي رسمت أبطالًا فلسطينيين،سياسيين ومثقفين.
توقفت السعدي عن الرسم بعد أن اضطرت إلى الفرار من القدس خلال نكبة عام 1948؛ لوحاتها الوحيدة المتبقية هي تلك التي حملتها معها على ظهر حصان.
أمضت سعدي بقية حياتها في تدريس الفن للأطفال الفلسطينيين في إحدى مدارس الأونروا بدمشق. كانت مدرسة كالتي تعلمت ملك فيها الرسم. وبدا أن ملاك تلتقط فرشاة السعدي وترسم لها.
ليس مستغربا أن تستهدف إسرائيل الأونروا، ونجحت في تشجيع العديد من حكومات المتنفذة في الشمال العالمي لوقف تمويل الوكالة، التي تأسست عام 1949 بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 من أجل "تنفيذ برامج الإغاثة المباشرة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين".
[أنظر: بالإضرار بوكالة الأمم المتحدة، الغرب ينحاز الى الإبادة الجماعية]
في كل عام، يدرس نصف مليون طفل فلسطيني مثل ملك في مدارس الأونروا. يقول رجا الخالدي، المدير العام لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، عن تعليق التمويل هذا:
"بالنظر إلى الطبيعة غير المستقرة لتمويل الأونروا منذ فترة طويلة ... وفي ضوء دورها الأساسي في تقديم الخدمات الحيوية للاجئين الفلسطينيين وحوالي 1.8 مليون نازح في غزة، فإن قطع تمويلها في مثل هذه اللحظة يرفع من الخطر الذي يهدد حياة الفلسطينيين، ويخاطر بإبادة جماعية " .
أشجّع على تعميم جدارية ملك، وإعادة إ رسمها على الجدران والأماكن العامة في جميع أنحاء العالم. لتتغلغل في نفوس أولئك الذين يرفضون رؤية الإبادة الجماعية المستمرة للشعب الفلسطيني.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت