رفح ترفع من الشغب السياسي الغربي غير المتماسك

كرم نعمة
2024 / 2 / 18

يمكن أن نجد ما يعبر عن ذلك الشغب في تصريحات مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، وهو يظهر ملامح الاستغراب على قسماته من دون أن يُظهر موقفًا سياسيًا حازمًا حيال غطرسة نتنياهو عندما يضرب المناشدات بشأن تجنب ارتكاب مجزرة إبادة جديدة في رفح.
اقتبس بوريل جملة الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما وصف رد إسرائيل بأنه “تجاوز الحد”.
حيال ذلك يصبح السؤال الإنجليزي الشهير حاضرا لدى المتابعين وموجها إلى بوريل وبايدن على حد سواء “ثم ماذا؟” لأن المذبحة مستمرة في غزة.
ويبدو لي أن بوريل يكشف عن تناقض سياسة الاتحاد الأوروبي حيال إسرائيل وهو يشير إلى تناقض دول تعلن مرارا أن إسرائيل تسرف في قتل المدنيين في غزة دون أن تتخذ إجراء ملموسًا لمنع القتل.
وماذا عنكم أيها السيد جوزيب بوريل، بينما اعترفت بعظمة لسانك بأن نتنياهو لا يصغي لمناشدات أي من دول الاتحاد؟
كل من شاهد المؤتمر الصحفي لمسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، يقدر غضب وانفعال بوريل، وهو يقول “الجميع يذهبون إلى تل أبيب، متوسلين، من فضلكم لا تفعلون هذا، احموا المدنيين، لا تقتلون هذا العدد الكبير. فكم هو العدد الذي يعد مفرطا؟ ما المعيار؟”.
وقال السياسي الإسباني المخضرم إن نتنياهو يدعو إلى إجلاء المدنيين الفلسطينيين من منطقة رفح في غزة، وهي آخر ما تبقي للسكان من القطاع ليلوذوا به، وتساءل كيف يمكن تنفيذ هذا.
وأجاب متسائلا أيضا “سيقومون بالإجلاء؟ إلى أين؟ إلى القمر؟ إلى أين سيجلون هؤلاء الناس”؟
ومع أن الناس تطالب بوريل كما أي من سياسي الغرب الذين تسارعوا لتقديم فروض الولاء لنتنياهو قبل أن يرتكب حرب الإبادة في غزة، بالإجابة على هذه الأسئلة التي لا أحد يشك بأهميتها، لكن لا يمكن أن يتوقع أي منا أنه سيحصل على إجابة، فكل هذا الكلام هو مجرد شغب سياسي يمارسه المسؤولون الغربيون للتنصل من الجرائم التي ارتكبت في غزة وسترتكب علنًا في رفح.
يمكن أن نجد ذلك في كلام وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، عندما اعتبر أن يوم السابع من تشرين الأول لا يمكن اعتباره بمثابة ترخيص “لتجريد الآخرين من إنسانيتهم”، لكن حكومته اختارت مرتين تفعيل الحق في تجاوز الكونغرس وتوفير المزيد من الأسلحة لإسرائيل.
وتتجلى هذه التناقضات بشكل أكثر وضوحًا عندما يعبر السياسيون عن دعمهم المطلق لتصرفات نتنياهو. عندما قالت نانسي بيلوسي إنه في حين أن بعض المتظاهرين الداعمين للفلسطينيين “عفويون وصادقون”، بيد أنها اعتبرت الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة تعني إعطاء صوت لـ “رسالة بوتين”. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فقد طلبت من المتظاهرين في المدن الأمريكية المؤيدين لفلسطين العودة إلى الصين، حيث يقع مقرهم الرئيسي!
إن المسؤولين الأمريكيين أسوة بغيرهم في الغرب، يمشون على حبال مكشوفة للناس في موقفهم المتناقض بشكل مريع من حرب الإبادة في غزة. فعندما سئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان بيير، عن الرسالة التي يحملها جو بايدن للأمريكيين العرب الذين يشعرون بالقلق بشأن غزة، قالت إن الرئيس “مفطور القلب” ويعتقد أيضا أن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”!
وهذا التنافر هو نتاج محاولة التوفيق بين موقفين غير قابلين للتوفيق. إن الحقائق ببساطة صارخة إلى الحد الذي يجعل من الصعب على أي أحد أن يواجهها بينما يستمر في دعم سلوك إسرائيل اللاأخلاقي في غزة.
لذا يلجأ الساسة بدلا من ذلك إلى تفسيرات متناقضة وفي بعض الأحيان جامحة لتجنب التنديد بهذه الأفعال أو المطالبة باتخاذ أي إجراء حيالها.
إنه نوع من الخلل أو الخلل نفسه. فالساسة الذين يرفضون الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة بذرائع تستند إلى غرور نتنياهو، لم يعودوا منطقيين في نظر أي من الناس في هذا العالم، ويبدو على نحو متزايد وكأنهم يمرون بأزمة. عندما أصبحت اللغة المشوهة والتصريحات المتناقضة شائعة بين الشخصيات السياسية.
بينما لا يترددون بوصف كل مع يقف من الشعب الفلسطيني في محنته التاريخية بأنهم مصابون بالعمى العاطفي بسبب القضية الفلسطينية.
هكذا أصبح الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر اضطرابًا منذ احتلال العراق وتدمير بلدان عربية وإطلاق العنان ليد إيران لتمتد في الإقليم، الأمر الذي يجعل الحياة السياسية متقلبة بشكل متزايد في العالم.
ذلك ما تصفه الكاتبة في صحيفة الغارديان نسرين مالك ومؤلفة كتاب “نحن بحاجة إلى قصص جديدة: تحدي الأساطير السامة وراء عصر السخط الذي نعيشه”، بالعجز الغريب عن الرد بشكل مناسب على العدوان الإسرائيلي، لأن أهمية الرد أكبر من مجرد غزة.
وكتبت “كشفت أحداث غزة عن العيوب التي تكتنف نموذجًا كاملا للسياسة والافتراضات التي يقوم عليها الغرب. إذا كانت الليبرالية غير قادرة على تقديم شكل أخلاقي ومستقر للحكم، فما الهدف إذن؟ وفي خضم هذا الصراع الدموي والمدمر تاريخيًا، إذا لم تظهر السياسة الغربية أي قدرة أو رغبة في حماية الحياة المدنية والأمن الإقليمي وآفاقها الانتخابية، فإن ادعاءاتها المتعلقة بالمبدأ والكفاءة التي تحدد مهمتها ستنهار”.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت