تجربة قد تكون مفيدة للفلسطينيين ..

أحمد فاروق عباس
2024 / 2 / 17

سألني أحد الأصدقاء هل لو كانت مصر مكان حركة حماس ستنتقدها كما تفعل الآن ؟
بمعني هل لو كانت مصر واقعة تحت الاحتلال كنت سوف أنتقد تحركاتها كما افعل الان ؟!

وكان ردي عليه كالتالى :
تنفع تجربة مصر لأي حركة تحرير وطنية في أي مكان كدليل ومرشد ..
ومصر كانت واقعة تحت الاحتلال فعلا وليس تخيلا ..

وفي المائة سنة الأخيرة كنا محتلين من الإنجليز لمدة ٧٢ عاما ( تحتل إسرائيل فلسطين منذ ٧٥ عاما ) أي - تقرببا نفس المدة الزمنية ..
كما احتلت إسرائيل أجزاء من مصر لمدة خمسة عشر عاما ..

فكيف تصرفت مصر مع كلا الاحتلالين ؟!

وكيف نوعت وغيرت وسائلها للكفاح مرارا ، مع تغير الزمن وتغير الظروف - ولم تقتصر على وسيلة واحدة طول الوقت وفي كل الأحوال - حتي نالت استقلالها كاملا ، وحتي ارجعت أراضيها كاملة ..

وفي هذا درس للفلسطينيين عموما وليس لفصيل منهم ، اذا أرادوا تعلما من خبرة سبقتهم ، ومن تجربة ناجحة قبلهم ..

لقد قاومت مصر الإنجليز بعقل وليس بانتحار ، واستخدمت معهم وسائل عدة وليس وسيلة واحدة ..

قاومتهم في بداية الأمر بالعمل العسكري عامي ١٨٨١ - ١٨٨٢ وفشلت .. وكانت تلك تجربة أحمد عرابي ..

وقاومتهم بالعمل السياسي ، وعرض قضيتها علي المناوئيين للسياسة البريطانية من الدول الكبري ، وحتي داخل بريطانيا نفسها ، ولم تنجح تلك الخطوة .. وكانت تلك خلاصة تجربة مصطفي كامل..

وقاومتهم بالثورة .. تحاول بالحركة الجمعية للشعب أن تضغط علي المحتلين للخروج من أرضها .. وكانت تلك قصة ثورة ١٩١٩ ..
وحققت تلك الوسيلة بعض النتائج ، وإن لم تؤد إلي الاستقلال الكامل لمصر .. فلم يخرج البريطانيون من أرضها ، كما لم يكفوا عن التحكم فى قرارها أو استغلال مواردها ، ولكنها كانت خطوة ناجحة - بمقاييس زمنها - في طريق طويل ..

وقاومتهم بالمفاوضات ، وتلك قصة طويلة بدأت بمفاوضات سعد زغلول مع الإنجليز عام ١٩٢٤ واستمرت مع كل رؤساء الحكومات المصرية تقريبا ، من محمد محمود إلي إسماعيل صدقي ، ومن مصطفي النحاس إلي جمال عبد الناصر ..

وفشلت أغلب جولات المفاوضات علي مدار ثلاثين سنة ، حتي نجحت المفاوضات الأخيرة بين جمال عبد الناصر والإنجليز في صيف عام ١٩٥٤ فى توقيع اتفاقية الجلاء وإخراج الإنجليز من مصر ..

وقاومت مصر الإنجليز بعرض قضيتها على مجلس الأمن ، وكان وقتها مؤسسة جديدة ظهرت إلي الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية ، وكان الاعتقاد أنها ربما تكون ملاذا للشعوب الضعيفة من عسف الاقوياء .. وكانت تلك خلاصة الخطوة التي قام بها محمود فهمي النقراشي عام ١٩٤٧ ..
ولم تنجح تلك الخطوة ..

وقاومتهم مصر بالكفاح المسلح ، عندما الغي رئيس الحكومة المصرية مصطفي النحاس باشا معاهدة ١٩٣٦ في ٨ أكتوبر ١٩٥١ - وكان هو نفسه من وقعها مع الإنجليز عام ١٩٣٦ - وهبت علي الوادي - كما قال نجيب محفوظ - نسمة من روح ثورة ١٩١٩ ، وقامت عمليات فدائية بطولية من المصريين علي القواعد البريطانية علي طول قناة السويس في الفترة من أكتوبر ١٩٥١ إلي ٢٦ يناير ١٩٥٢ ..

ومع تصاعد العمليات الفدائية ونية حكومة مصطفى النحاس قطع العلاقات مع بريطانيا تماما وإعلان العصيان المدني لم يجد الإنجليز من وسيلة سوي إحراق القاهرة - اجمل وأعرق عواصم الشرق - كطريق وحيد يتيح لهم إقالة حكومة النحاس باشا وإعلان الأحكام العرفية ..

وقاومتهم بالحرب ، عندما عاد البريطانيين - تساعدهم فرنسا وإسرائيل - يريدون عودة احتلالهم لمصر عام ١٩٥٦ ، وكانت تلك قصة العدوان الثلاثي في أكتوبر ونوفمبر ١٩٥٦ ..

وفي كل تلك الخطوات والوسائل كان هناك شرطين حرص المصريون على توفيرهما لحركة نضالهم ضد محتليهم :

الشرط الأول والضروري : أن يواجهوا البريطانيين متحدين وليسوا فرقا واشياعا متفرقين ، بمعني أن القرار واتخاذ الوسيلة المناسبة في يد حكومة معترف بها ، ولم يكن هناك تعدد في مراكز اتخاذ القرار كما يحدث اليوم فى فلسطين ، حيث تشتت الجهد الفلسطيني بين عشرات الحركات والمنظمات ، ولكل واحدة رأيها وتصرفها ، بل وتحالفاتها في الخارج !!

والشرط الثاني ان " العقل " كان دائما حاضرا - وليس التهور والحمق - في حركة المصريبن لتحرير وطنهم ..
وأقصد بالعقل حساب الأرباح والخسائر من كل وسيلة ، وليس القفز في الظلام أو الذهاب إلى المجهول ..

كانت تلك تجربة مصر مع الاحتلال البريطاني الذي استمر أكثر من سبعين عاما ..
تعدد في وسائل المقاومة مع تغير الزمن وتغير الظروف حتي نال المصريون استقلالهم في النهاية ..

قد يقول قائل أن احتلال بريطانيا لمصر يختلف عن احتلال إسرائيل لفلسطين ..
فاحتلال بريطانيا لمصر استعمار تقليدي يبحث عن المصالح والموارد ، لكن احتلال إسرائيل لفلسطين استعمار احلالي .. يحل شعبا مكان شعب آخر ..
وذلك صحيح ..
ولكن لا ينفي أنه احتلال وأنه مقاومته واجبة في كل الأحوال ، وأن استخدام وسائل متغيرة مع تغير الزمن وتغير الظروف واجب ..

ولقد كان احتلال البيض لجنوب أفريقيا استعمار احلاليا .. يبغي إحلال شعب مكان شعب آخر ..
وكان احتلال البيض لروديسيا من نفس نوع الاستعمار ..
وقد تخلصت جنوب أفريقيا من ذلك النوع من الاستعمار كما تخلصت منه روديسيا .. وهي زيمبابوي اليوم ..

ولقد تعرضت مصر نفسها لهذا النوع أيضا من الاستعمار ، ومن نفس الدولة التي تحتل فلسطين .. وهي إسرائيل !!

فمرة ثانية احتل جزءا غاليا من بلادنا عام ١٩٦٧ بواسطة إسرائيل وهو سيناء بالكامل .. وما فعلته إسرائيل فى فلسطين كانت تريد فعله في سيناء .. احلال شعب مكان شعب !!
فأقامت إسرائيل فى سيناء المطارات والمستوطنات - واشهرها مستعمرة ياميت - وهاجر إليها مئات اليهود للعيش فيها !!
فماذا فعلنا ؟

قاومتهم مصر - بعد الهزيمة في الحرب - أولا بالعمل السياسي ( وكان القرار ٢٤٢ ) من مجلس الأمن ..

وقاومتهم بالبحث عن حلفاء واصدقاء جدد حول العالم ، ومن هنا مثلا تم زيادة التقارب مع فرنسا ، بالإضافة إلي علاقات مصر المتميزة مع الاتحاد السوفيتي - روسيا - والصين والهند وباقي الكتلة الشرقية ..

ثم قاومناهم بالعمل العسكري ( حرب الاستنزاف ) التي استمرت بدءا من عام ١٩٦٨ ثم اشتدت طوال عام ١٩٦٩ والنصف الأول من عام ١٩٧٠ ..

ثم عدنا لمحاولات العمل السياسي ( اتفاقية روجرز عام ١٩٧٠ ) ، وإن كان الغرض الأساسى منها عسكريا وهو السماح ببناء وتحريك حائط الصواريخ المصري نحو قناة السويس ، وهو ما اتاح لمصر سهولة العبور بعد ثلاث سنوات ..

وعام ١٩٧١ قدم السادات مبادرته للحل ولم تستمع إليها إسرائيل ..
ثم رجعنا بعد ثلاث سنوات إلي العمل العسكري ( حرب أكتوبر ١٩٧٣ ) ..

ثم رجعنا مرة ثانية إلي العمل السياسي بعد ٤ سنوات ( زيارة السادات للقدس ١٩٧٧ ثم معاهدة الإطار في كامب ديفيد ١٩٧٨ ثم معاهدة السلام ١٩٧٩ ) ..

وكانت النتيجة أن استعدنا أرضنا كاملة .. جزءا بالحرب وجزءا بالسلم ..

والنتيجة النهائية .. ان الوسائل تتعدد في رحلة بحث أي شعب عن تحرره أو استقلاله أو استعادة أراضيه ، وتعدد وتغير الوسائل يأتي من تغير الظروف ..

وهي فائدة العقل البشري الذي أعطانا آلله اياه ، أن استخدم كل الوسائل لتحقيق هدفي ، وليس أن أركز على وسيلة واحدة حتي يضيع الهدف .. كما تفعل حماس ..

الهدف هو المهم وليست الوسيلة ..
والعقل هو الحاكم وليس الجنون ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت