من الذي تغير وتراجع .. السيسي أم اردوغان ؟

أحمد فاروق عباس
2024 / 2 / 16

أول أمس زار اردوغان الرئيس السيسي ، وهو مشهد غريب لمن عاش وتابع بدقة أحوال وأحداث الشرق الأوسط في العشر سنوات الأخيرة ..

كلاهما - السيسي واردوغان - علي طرفي نقيض ..

أحدهما - وهو اردوغان - ابن نجيب ومتميز من أبناء تيار الإسلام السياسي ، وقريب من أفكار الإخوان المسلمين ..

والثاني - عبد الفتاح السيسي - ابن للجيش المصري العريق ، وهو أحد الأعمدة الرئيسية للوطنية المصرية ..

جاء التصادم بين الرجلين - اردوغان والسيسي - علي خلفية الصراع الهائل في العشرين سنة الأخيرة بين تنظيم الإخوان المسلمين من ناحية ، وبين الوطنية المصرية بفصائلها وتياراتها المختلفة من ناحية أخرى ..

وهو صراع غطي حوادث وأحوال الشرق الأوسط لمدة ثلاثة عقود علي الأقل ..

كان وراء الإخوان المسلمين جهد وخطط دولية - أمريكية بريطانية في الأساس - لإيصاله إلي قصور الحكم فى أغلب دول الشرق الأوسط ..

وكان ذلك مؤدي وهدف مشروع الشرق الأوسط الكبير ، الذي اعلنته الولايات المتحدة في فبراير ٢٠٠٤ ، وبدأ خطواته التمهيدية خلال الفترة ٢٠٠٤ - ٢٠١٠ ، ثم بدأ خطواته التنفيذية الحقيقية مع بداية العقد الثاني من القرن ٢١ ، وبدءا من عام ٢٠١١ تحديدا ..

ولكن .. ما الذي جعل أمريكا تقرر وتخطط لإيصال الإخوان المسلمين إلي قصور الحكم فى الشرق الاوسط ؟!

اختلفت الآراء والمدارس في تفسير ذلك ، ولكن الرأي الغالب هو صنع تناقض ثم صدام ثم صراع ممتد بين العالم الإسلامي - الذي سوف يحكم أغلب دوله تيار الاخوان المسلمين - وبين الصين وروسيا .. وهما المنافسين الحقيقين للغرب الآن وما تبقي من القرن الواحد والعشرين ..

وكان دور اردوغان في ذلك المشروع الهائل هو وضع انظمة الإخوان المسلمين الجديدة التي ستصل إلي حكم البلاد العربية والإسلامية تحت جناحه ، فتركيا هي موطن آخر خلافة إسلامية ، وذكرياتها ما زالت قريبة في أذهان العالم الإسلامي ..

وقد جعل تنظيم الإخوان المسلمين من رجب اردوغان الخليفة الإسلامي الجديد للعالم الإسلامي ..

هذا من ناحية اردوغان وما يمثله ، ومن كان وراءه من تيارات والهدف الذي جاء من أجله ..

في المقابل ..
من الذي وقف أمام هذا المشروع الهائل ؟

بعد أن استفاقت من الأحداث الغريبة التي مرت بها بعد ٢٠١١ كان لمصر فضل أن تكون هي سبب إفشال هذا المشروع الغربي الهدف إخواني التنفيذ ..

مصر كشعب - أو الكتلة الأكبر من الشعب المصري - والقوات المسلحة المصرية كأداة الشعب التنفيذية ، وعبد الفتاح السيسي كقائد للقوات المسلحة المصرية في تلك اللحظة المصيرية ..

من هنا كان كل من عبد الفتاح السيسي ورجب طيب اردوغان علي طرفي نقيض ..

فما الذى جعل أحدهما - وهو رجب اردوغان - يتراجع ؟

كان هناك مجموعة من المتغيرات التي حدثت في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة والتي فرضت على اردوغان أن يتراجع ، ويزور خصمه الأبرز والأكبر في بلده ..

١ - خفوت بريق ثم تراجع تنظيم الإخوان المسلمين في اغلب البلدان العربية ، وليس فى مصر فقط ، فقد تراجع الإخوان فى المغرب وفي تونس وفي السودان وفي مصر وفي سوريا وفي الأردن ..

٢ - فشل كل المحاولات المحمومة التي بذلت لسنوات لإنهاء حكم الرئيس السيسي لمصر .. من الضغط الاقتصادى إلي الفخاخ التي أعدت باحكام لاصطياده ، بدءا من الفخ الليبي إلي الفخ الاثيوبي إلي الفخ اليمني الي الفخ الأخير الخاص بحرب غزة وتهجير الفلسطينيين إلى سيناء ، والأثر المدمر لذلك علي مصر ..

ومن استخدام شخصيات مثل المقاول الفنان محمد علي اعوام ٢٠١٩ و ٢٠٢٠ و ٢٠٢١ ، الي تخصيص قنوات فضائية لمدة اربع وعشرون ساعة خلال عشر سنوات كاملة للهجوم على شخص واحد .. هو عبد الفتاح السيسي !!

٣ - تلاشي أحلام عودة الخلافة ، فيبدو أن اردوغان نفسه اكتشف عبثية هذا المشروع ، فما مات لن يعود ، والماضي - علي رأي محمد حسنين هيكل - لا يعاد .. ولا يستعاد .

٤ - المصاعب الاقتصادية في تركيا في السنوات الأربعة الأخيرة ، وهي صعوبات اقتضت من اردوغان البحث عن حلفاء جدد في محيطه الأقرب ..

ومن هنا ذهب إلى السعودية والإمارات أولا ، وهو الذي طالما تصادم معهما بالذات في العشر سنوات الماضية ..

ومن هنا جاء إلي مصر .. بحثا عن سوق متسعة لمنتجاته ، وتجديدا لاتفاقات تغطي أغلب مجالات الاقتصاد .. من السياحة إلي الإستثمار ، ومن التجارة إلي العملات ..

لكل ذلك جاء اردوغان الي مصر ، وقابل فيها خصمه الأكبر ، والرجل الذي دفن مشروعه ، وجعله هشيما تذروه الرياح ..

هل لتلك العلاقة الغريبة مستقبل ؟!

لا أظن .. فأردوغان رجل براجماتي ، وهو تقريبا بلا مباديء ، واستعداده لطعن الآخرين في ظهورهم طبيعي .. وقد فعله مرارا !!

وهو إبن لحظته ، فإذا تغيرت اللحظة تغير معها ، فلا ثبات على سياسة ، ولا تمسك برؤية ..
فإذا تغيرت الظروف غدا - وهي دائما تتغير - تغير اردوغان معها ناسيا ما حدث في أمسه ..

فإذا أضفنا الماضي المرير بين الرجلين ، واختلاف منابع وحواضن كل منهما لوصلنا إلي استنتاج أن تلك العلاقة ليس لها مستقبل أكثر من اللقاءات والابتسامات ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت