هواجس في الثقافة مقتطفات 55

آرام كربيت
2024 / 2 / 13

الحصاد
كان الطفل، أنا، في الحادية عشرة من العمر فوق الحصادة، لحصد القمح في بداية شهر حزيران أنظر إلى الحقل والناس سعيدًا مبتهجًا فرحًا بطفولتي وعملي، اتمتع بالحرية من الجمال الذي يحيط بي، سمعت صوتًا يقول لي، التفت إلى مصدر الصوت القريب مني.
قال لي العم عزو:
ـ آرام، هناك فتيات جميلات صغيرات السن كما ترهن، فرفورات، لعوبات، ضحوكات، يركضن وراء الحصادة، يلمن القش. اطردهن بأسرع ما يمكن.
لم أكن أعلم أنه يريد من هذه الغواية، غواية وغاية:
ـ إن أعبث بهن، بجمالهن، ليستنشق هذا العزو عبق الأنثى ورطوبة رائحتها من خلل تعويمهن وإظهار رشاقتهن من خلالي.
نزلت من الحصادة، مزودًا بطاقة إيجابية، وشحنة مملوءة بالكلمات الآمرة، كلمات محمولة ومخزنة في عقلي.
وثقت من قدرتي على تمثيل دور الرجل الحريص على العمل. اقتربت منهن. أعمارهن لا يزيد عن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، قلت لهن:
ـ أذهبوا من هنا، لا تلمن القش. يلا، أمشوا من هنا بسرعة.
كنت في الحادية عشرة من العمر. وبراءة الأطفال زاودتي في الصراخ أو الزعيق. لم أدر شيئًا. وخلال لحظات قليلة رأيت أيدي الفتيات تلتف حول وجهي ورأسي بين قبل وحضن وضحك وفرح.
لقد خطفوني مسافة بعيدة، بينما الحصادة تسير برتابتها الأبدية، والعم عزو يضحك والخياط يضحك، والرغبات القاتلة تسبح وترقص في وجههم.
قلن لي:
ـ ستبقى معنا. لن تذهب بعد اليوم إلى والديك.
وكن سعيدات، أصوات ضحكهن يملأ الفضاء رعشات فوق رعشات، يملأ ويتمازج مع رعشة هذا الحياة الجميلة. كانت صدورهن الناهدة، تلتصقن بصدري الصغير، وصوت مواءهن في أذني.
وأنا أصرخ بهن:
ـ دعوني،، دعوني وشأني، من شأن الله، لأتركوني أذهب إلى الحصادة. ابتعدوا عني.
وتحول المشهد إلى أشبه بتمثيلية، مأسور وراغبات. وتداخلت البراءة بالشهوة. يدي تدفعهن بعيدًا وتحاولان الهرب. وعشرات الأيدي تمسك بي.
وأفواه تقبلني، ويتصارعن للوصول إلى أي مكان من جسدي الصغير.
وصوت العم عزو وإبراهيم ينسجان دمي:
ـ نيالك يا سيد آرام. يا ليتنا كنّا مكانك، أنهن يحبنك. يا ليتهن يحضنوننا كما يحضنوك، ويمسكن بنا مثلما يمسكن بك. ابق بينهن، أنهن عطرات عذراوات.
قلت لهما بينما يدي تتحركان في الهواء:
ـ لا أريد حبهن. قولا لهن أن يتركوني وشأني.
كان ذلك الطفل الصغير لا يدرك مرامي اللعبة، ولا غواية الجسد، ولا تراشق صوت الهوى وهو يداعب الهوى وهياجه.
كان ذلك الغريق يسبح في بحر لم ينضج. في بحر لم تتلاطم أمواجه بعد.
لم يعرف السباحة، لهذا بحث عن قارب أو قشة يستند عليها، ليعلو فوق السطح خوفًا من سطوة الماء وهيبته.
جدف بكلتا يديه ورجليه لينقذ نفسه، وعلى الضفاف يجثو الزمن والمراكب العاجزة. كأن يلوح بيده للشمس العاجزة أن ترفق به، تقوده إلى شواطى السلامة، لأن العجز يسعى لبلوغ أقصى مراميه.
نزل إلى البر رشيقًا ناعمًا كالنسمة الصباحة، مزودًا بالقدرة على إحقاق الحق، وطرد الجمال من بيئة الجمال، أن يبعثر الفتيات في ظل الفضاء المفتوح لريف مدينة رأس العين، أن يحرر الأرض من اصحاب الأرض وأن يحقق الحق. وتحقق عندما امتدت الايدي الرقيقة الناعمة والنهود المرتعشة تستجدي بأبواب السماء.
نزل العم الزوبع، أحد عبيد الباشات بوجهه القبيح، وجه شديد القسوة، لا مكان للفرح فيه ولا أمل من الخروج من الحصار.
هذا العبد رافقنا طوال مدة عملنا، عندما كنّا نقترب من القرية حتى لا يتعرض لنا أي راعي أو أي فرد من القرية ممن يرغبون في جمع القش. صرخ بهن بصوت عالي وبوجه عابس وفي منتهى الحقد:
ـ امشوا من هنا. اتركوا الطفل يذهب لحال سبيله. لماذا تمسكوا به ولا تتركوه يعود ادراجه إلى عمله.
رأيت الخجل والمرارة ارتسمت على وجوه الفتيات. وبقلوب كسيرة مكسورة تركوني ومشوا بعيدًا باتجاه الضيعة دون أن يرفعن رؤوسهن.
عندما صعدت إلى الحصادة. قلت:
ـ لقد مزقوا ثيابي. إنهن لا يخجلن.
قال لي إبراهيم:
ـ كن يمزحن معك، يلعبن، كن فرحات بك. لماذا حاولت الهرب يا جبان؟
قلت:
ـ لا أريد اللعب مع البنات. هذه الجملة، كان صوت أمي الصارخ في أذني،
الثقافة البائسة الرخيصة التي زرعتها والدتي المحافظة في بيتنا، اعطت النتائج المراد منها، كانت تقول لي بالرغم من أن المدرسة التي كنت أدرس فيها مملوءة بالفتيات:
ـ لا تلعب مع البنات. ألعب مع الأولاد.
كنا نلعب الخطة، الحجر مجر، الغميضة، بيد أن كلام والدتي فعل فعله بي. تم تقسم علاقتي بالأخرين من ذلك الوقت.
لا أعرف أي شيطان أو مارد نبت في عقلها أن تمنع طفلًا أن يلعب مع الفتيات. أستطيع أن أعزي ذلك للثقافة الدينية السائدة في المنطقة، حيث يتم تقسيم المجتمع بحرفية عالية، ذكرـ أنثى. وما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان/ الجنس/ بينهما.
شعرت بنشوة الانتصار عندما رحلن تلك الفتيات، انتصر ذلك الطفل الذي تصرف مثلما لقنته أمه، وانتصر ذلك الاملاء.
لم أعر هؤلاء الفتيات أي اهتمام، لم اهتم لأصواتهن الحزينة، وحاجتهن للقش. ولم يشغل بالي الجفاف الذي ملأ أنفاسهن الجميلة.
أذكر وقاحة العبد الزوبع، ووجهه الكريه، وعصاه التي كان يتكئ عليها وثوبه الطويل وخضوعه الكامل لكل سيد يوجهه.
حزنت على أحلامهن التي نخرها الواقع وحاك منه، القلق والذعر والخوف والركض وراء حياة مجهولة..
كنت مزهوًا بنفسي، بعودة البطل القادم من ساحة المعركة، منتصرًا على الفقراء من أمثالي.

محاولة في معرفة سيكولوجية الإنسان السويدي
لنكتب عن السويد، رحلة الألم والظلام، عمل أدبي لخلف علي خلف.
لم يكن في ذهني أن أكتب أي كتاب يتعلق بالسويد، لكن عندما استرسلت في القراءة شعرت بأنه من الضروري متابعته.
لغة هذا الكتاب شاعري نثري مركب، يربط بين بين القهر والوجع والطبيعة والغربة، وحالة الاغتراب الفظيع الذي يعيشه المرء القادم من بلاد الشمس إلى السويد.
المجتمع السويدي صعب جدًا بناسه وطقسه وعلاقاته.
اعتقد أن من شكل هذا الإنسان هو الطقس الصعب، والجاف، بالإضافة إلى العزلة الطويلة عن حركة العالم في الأزمان السابقة على الحداثة وقبلها.
توقفت عن قراءة هذا العمل، شعرت بالضغط النفسي من هذا الضوء المسلط على أوضاعنا في هذه السويد بالرغم من أنني أعرف، بل عشت هذه الحياة التي جاء الكتاب عليها، لكنني شعرت بالدبابيس تضرب كل مناطق جسدي ونفسي.
أخذني إلى كل مكان، إلى الطفولة والمراهقة والزمن الأول لي وإلى الزمن الحالي، إلى البؤس والقهر والهرب في وطني سوريا، من مكان لأخر لاعيد لنفسي توازنها، ولكن في قرارة نفسي هناك قناعة أن محطتنا الأخيرة هي في هذا الوطن الجديد الذي يبلع كل جميل فينا دون أن نهضمه أو يهضمنا.
عمل بسيط وسهل وعميق، هو انكشاف على الذات التي لا تريد الانكشاف. شجر النخيل له مكانه، وشجر البلوط الغير مثمر له مكانه أيضًا.
إنه القدر، أما أن يبلعنا أو نبلعه، ولأننا لا نستطيع بلعه سنبقى ننوس بأنفسنا كالنبدول.
المشكلة ليست في خلف او في السويدي بشعبها وظروفها وتاريخها، أنها فينا نحن أبناء الشرق.
لا نستطيع التأقلم مع وطننا الجديد المقيد بشروطه، له شروط حياته، شروط عيشه، ومجبرين على العيش فيه بهذه الشروط.
لم يعد للعودة إلى الوراء يجدي نفعًا، ولا البقاء، أننا ننوس إلى أن نموت أو إلى حد الموت.
عندما خرجت من السجن، شعرت بالغربة القاتلة ذاتها، في المدينة التي عشت فيها طوال حياتي، الحسكة أو محافظ الحسكة، الغربة الاجبارية وربما الاختيارية تخرب الذات، تفصلها عن الماضي ولا تربطها بالحاضر.
لدي الكثير لأكتب عن كتاب" لنكتب عن السويد. فمسألة العيش في السويد بنيوية، متجذرة في أعماق الإنسان السويدي وعلاقته بوجوده وطبيعته وتكوينه وتاريخه المربوط بطقسه، لم نأت إليه لنغيره، أنما لنبقى، لنعيش، لنتنفس.
لا أستطيع أن ألوم الإنسان السويدي ولا المجتمع السويدي ولا الدولة السويدية، المشكلة هي فينا.
عزلة السويدي القاسية ضاربة جذورها في الماضي السحيق له، جعلته حذرًا من الغريب، وغربتنا في هذا البلد هي في ذاتنا، نحن شعوب نحب الحركة ولدينا طاقة ونشاط جاءتنا من الشمس والضوء والطقس والعلاقات الاجتماعية المفتوحة على الطبيعة المفتوحة، بينما العزلة والانطواء جزء من تكوين السويدي، نحن تكوينين مختلفين على الصعيد العقلي والنفسي والسلوكي والممارسة.
عمليًا، نحن نعرف السويدي من البعيد البعيد، لم ندخل في أعماقه، ولم نستطع أن نفكك تكوينه، ولا نعرف سبب صعوبة التواصل معه والسبب الحقيقي لتوجسه منا.
نحن ثقافتين وتكوينين، بحاجة إلى قراءة سيكولوجية وفكرية وإنسانية عميقة وحيادية.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا