كيف يقرأ الشارع الروسي ما يحدث في بلادنا – طوفان الأقصى- 128- الدولة الفلسطينية بعد 7 أكتوبر

زياد الزبيدي
2024 / 2 / 13

نافذة على الصحافة الروسية
نطل منها على أهم الأحداث في العالمين الروسي والعربي والعالم أجمع





*اعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف*


الدولة الفلسطينية بعد 7 أكتوبر: فرص النجاح؟


ألكسندر أكسينينوك
دكتوراه في القانون
دبلوماسي مخضرم عمل في لبنان وسوريا والعراق ومصر وليبيا والجزائر
سفير فوق العادة ومفوض لروسيا، نائب رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية

10 فبراير 2024

إن الهجوم الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر 2023، والذي لم يسبق له مثيل من حيث نطاقه وقسوته، والانتقام غير المسبوق من جانب إسرائيل، والذي أودى بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين وأصبح كارثة إنسانية كبرى، صدم المجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن تفسيرات هذا الانفجار الجديد للعنف في الشرق الأوسط، مثل الصراعات الأخرى في عالم منقسم، تختلف بشكل كبير. تركز إسرائيل والغرب الرسمي على تصرفات الجانب الفلسطيني، التي تسببت في رد فعل يفوق بكثير حجم الأعمال الانتقامية الإسرائيلية في السنوات السابقة، ولكن بشكل عام، في رأيهم، أمر مفهوم تماما. والهدف الآن يتلخص في استئصال الوجود العسكري والسياسي لحماس في قطاع غزة باعتباره تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل ووجودها.

إن الفلسطينيين والدول العربية والأغلبية في الجنوب العالمي، مع كل الفروق الدقيقة في مقارباتهم، يرون السبب الجذري في تراجع الاهتمام الدولي بالمشكلة الفلسطينية، في سياسة الولايات المتحدة، التي فشلت في التعامل مع القضية الفلسطينية في دور "الوسيط النزيه"، في إستمرار الاحتلال الإسرائيلي والفصل العنصري تجاه السكان الفلسطينيين. والفجوة في الروايات كبيرة للغاية، مما يعقد البحث عن حل أيضاً من الناحية النفسية والإنسانية.

إن الحرب في غزة لم تنته بعد، ولكن أياً كان اتفاق وقف إطلاق النار أو الهدنة، فإن السؤال يظل مفتوحاً: ماذا بعد؟ هل من الواقعي تطبيق الحل النهائي وفق صيغة "دولتين لشعبين" في ظروف يمر فيها تشكيل نظام عالمي جديد بمواجهة عسكرية استراتيجية حادة؟ هل الوضع في المنطقة نفسها، التي شهدت تغيرات جذرية، يساعد على ذلك؟ ما هو تأثير كل هذا على الحركة الفلسطينية التي تمزقها الخصومات الداخلية، وخاصة بين حماس في قطاع غزة وفتح في الضفة الغربية؟ هناك العديد من الأسئلة، وهذه مجرد أمثلة قليلة. وعلى أية حال، فمن الواضح أن المشكلة الفلسطينية، التي كانت في الأصل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي برمته، قد عادت إلى مركز الاهتمام الدولي، وتأجل استمرار تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل إلى أجل غير مسمى.

من الحروب العربية الإسرائيلية إلى التسوية الفلسطينية الإسرائيلية

إذا تتبعنا ديناميكيات تطور الصراع في الشرق الأوسط، وهو الصراع الأطول في عصرنا، يمكننا أن نرى أنه بعد اعتماد قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين في عام 1947، تحول ببطء ولكن باستمرار من مواجهة بين الدول التي خاضت ثلاث حروب (1947، 1967 و1973)، إلى مشكلة تنحصر في العلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية.

تاريخ هذه العلاقات حتى السبعينيات والثمانينيات تميزت في البداية بمحاولات قام بها الفلسطينيون، بدعم بعض دول العالم العربي، لحل مشكلة الاحتلال الإسرائيلي بالقوة، وفي كثير من الأحيان بتنفيذ عمليات عسكرية. وكانت الحرب الأهلية في لبنان أيضًا نتيجة للقضية الفلسطينية التي لم يتم حلها (1975-1990). ثم، بصعوبة كبيرة، وبفضل ياسر عرفات، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود، ومنذ أوائل التسعينيات بدأت سنوات عديدة من المفاوضات بوساطة دولية، واستمرت لفترة طويلة، مع انقطاعات وتفاقم مسلح.

وفي الوقت نفسه، تغير الوضع الإقليمي على مدى العقود الخمسة الماضية. يمكن تحديد عدة مراحل أساسية خلال انتقال الصراع العربي الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة نوعياً - المرحلة الفلسطينية – الإسرائيلية. وحلت محل موجات الأمل فترات من اليأس وعدم الإيمان بالنجاح، وخلفت هذه التراكمات تأثيرا محبطا على نحو متزايد، ليس فقط في العالم العربي، بل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وكان هناك تراكم كامن للإرهاق من عدم حل المشكلة الفلسطينية المزمن.

نقطة البداية هي حرب أكتوبر 1973. وكان هذا أول اختراق لـ"جبهة الصمود العربية" بتطبيع العلاقات بين اسرائيل ومصر. وكان الاختراق الثاني هو الأردن. ثم بعد ربع قرن تقريباً، تلتها «اتفاقيات ابراهام» مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

إذا كانت الدول العربية في عام 1973 قد اتخذت موقفًا موحدًا إلى جانب مصر وسوريا بما فيه الحظر النفطي، فإن درجة هذا الوحدة لم تكن ملحوظة جدًا بعد ذلك، ولكنها انخفضت. تم الترحيب بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 في البداية بتحفظ من قبل ممالك النفط في الخليج، وفقط تحت ضغط من "جبهة الصمود والتصدي" (سوريا والجزائر وليبيا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية) و"الشارع العربي" - اضطرت إلى الموافقة على تجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. كما أن الطعم المرير الذي خلفته سنوات الحرب الأهلية في لبنان لم يكن في صالح الفلسطينيين. كان يُنظر إلى الانقسامات والاشتباكات المسلحة العديدة داخل الحركة الفلسطينية، حيث كانت حركة حماس الإسلامية تكتسب قوة، بشكل مختلف بعض الشيء في العالم العربي. إن الأعمال (الإرهابية) التي يمارسها المتطرفون الفلسطينيون لم تجد الفهم في كل مكان. ومن الإدانة القاطعة لـ«العدو الصهيوني»، بدأ التركيز ينتقل إلى أسئلة مثل: «ما الخطأ الذي يحدث بين الفلسطينيين أنفسهم».

كان مؤتمر مدريد عام 1991، وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية اللاحقة (أوسلو 1 وأوسلو 2)، وتشكيل السلطة الفلسطينية، بمثابة بصيص ضوء وسط أعمال العنف التي لا نهاية لها من كلا الجانبين. لقد اكتسبت السلطة الفلسطينية معالم الدولة واعترفت بها إسرائيل كشريك في مفاوضات "الوضع النهائي". لقد جاء انهيار الآمال في التوصل إلى "تسوية تاريخية" في عام 2000، عندما انتهت المفاوضات بين باراك وعرفات، التي جرت في كامب ديفيد بوساطة أميركية، بالفشل. وكان رد الفعل على ذلك هو "الانتفاضة الفلسطينية الثانية" (2000-2005)، التي لم تعد تولد نفس التضامن بين الدول العربية كما فعلت في العصر الرومانسي للقومية العربية. وتساءل كثيرون من الجمهور العربي بحذر عما إذا كان بوسع عرفات أن يظهر قدراً أكبر من المرونة في وقت كان باراك يقدم فيه تنازلات. إن أولئك الذين عملوا في الشرق الأوسط سوف يتذكرون جيداً هذه النكتة المنتشرة على نطاق واسع، والتي تحمل بعض الفكاهة: "الفلسطينيون لا يفوتون أي فرصة لتفويت الفرصة". ومن الجدير بالملاحظة أنه في ذروة "الانتفاضة الثانية" طرح ولي العهد السعودي الأمير عبد الله صيغة "الأرض مقابل السلام"، والتي حظيت بدعم القمة العربية في بيروت. وكانت هذه إشارة إلى استعداد العرب للبحث عن حلول وسط للمشكلة الفلسطينية.

تجدر الإشارة إلى أن نتائج انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، والتي دعا إليها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس لإضفاء هالة ديمقراطية على السلطة الفلسطينية، كان لها تأثير سلبي على عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية وتقبلها في العالم العربي. لكن حماس، التي فازت في هذه الانتخابات، استولت على السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة وشكلت حكومة من جانب واحد. ووجدت غزة والضفة الغربية، اللتان ظلتا تحت سيطرة منظمة فتح، نفسيهما منفصلتين عن بعضهما البعض ليس فقط جغرافيا، بل سياسيا أيضا، الأمر الذي لعب في مصلحة الجناح اليميني في السياسة الإسرائيلية. علاوة على ذلك، يتم استئناف المفاوضات حول "خارطة الطريق" للتسوية بين الحين والآخر، ولكن دون إحراز أي تقدم ملموس.

وكانت اضطرابات النظم في المنطقة بعد عام 2011 هي أيضًا التربة التي غذت الاختراق الثالث لـ “الجبهة العربية” في مقاطعة إسرائيل. إن تعزيز موقف إيران على طول الهلال الشيعي (طهران-بغداد-دمشق-بيروت)، واتفاق عام 2015 بشأن برنامجها النووي، والحروب في سوريا واليمن، كلها عوامل حفزت على البحث عن حلول بديلة، مثل الخيار الصعب للتطبيع مع إسرائيل. ولم تكن اتفاقيات ابراهام مع أربع دول عربية في عام 2020 نتيجة لضغوط أمريكية قوية فحسب. كما لعبت عوامل مثل اندماجهم في الاقتصاد العالمي والنظام المالي، والصراع المستمر في المنطقة بعد عام 2011، والآمال في التأثير على إسرائيل من خلال سياسة تصالحية، دورًا أيضًا. خلال فترة وباء الكورونا الطويلة والتوتر المتزايد في العالم، تلاشت المشكلة الفلسطينية في الظل، وهو ما كان أيضًا بمثابة مبرر أخلاقي لمثل هذا القرار الصعب. وكان هذا ينطبق بشكل خاص على الدول العربية في الخليج العربي، التي حافظ بعضها على علاقات غير رسمية مع إسرائيل، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية، قبل وقت طويل من إقامة العلاقات الدبلوماسية.

تقدمت المفاوضات حول تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية قبل تعليقها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول ، وجرت على ثلاثة مسارات: بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين السعودية وإسرائيل، وبين الولايات المتحدة والسعودية. وتم التفاوض على إطار حزمة يحتوي على شروط سياسية واقتصادية مهمة للسعوديين مثل الضمانات الأمنية والتعاون الاستراتيجي، بما في ذلك توريد أنواع حديثة من الأسلحة، وبناء مفاعل نووي، والمساعدة في التقنيات الحديثة، فضلاً عن الحصول على التزام من إسرائيل فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني. وبطبيعة الحال، لم يتم اتخاذ القرار الأساسي بإجراء مثل هذا التحول في السياسة السعودية بين عشية وضحاها. وقد سبق ذلك تراكم الإرهاق الناجم عن الصراع في اليمن، والإصلاحات الجارية لتنويع الاقتصاد، وخطط التحديث الطموحة، وأخيرا، استمرار انعدام الثقة في إيران، على الرغم من ذوبان الجليد في العلاقات الثنائية.

التشدد الإسرائيلي

وبحلول الوقت الذي فشلت فيه "عملية السلام" وانقطعت الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية، حتى من خلال الأجهزة الأمنية، كان الوضع قد وصل إلى طريق مسدود. لقد تطورت المواقف التفاوضية لكل من الطرفين – إسرائيل والسلطة الفلسطينية – في اتجاهين متعاكسين. لقد وصل الفلسطينيون إلى نهاية تنازلاتهم، ولم يعودوا يعولون على نجاح الضغوط الدولية، وفي الطيف السياسي الإسرائيلي على مدى العقدين الماضيين كان هناك ميل متزايد نحو الضم الزاحف للضفة الغربية ورفض المشكلة الفلسطينية في حد ذاتها. ذات مرة، شبّه محمود عباس نفسه، في نوبة يأس، برجل تسلق شجرة واكتشف فجأة أن سلمه قد أزيل.

وفي ظل هذه الموجة من التعصب اليهودي، تمكن نتنياهو من الصمود كرئيس للوزراء لفترة أطول من أي شخصية سياسية إسرائيلية أخرى (15 عاما مع استراحة قصيرة)، ووضع نفسه باعتباره الزعيم الوحيد القادر على مقاومة "الضغوط" الأمريكية. وقد أكسبه ذلك لقب "Mr. Security"، على الرغم من عدم وجود ضغوط جدية على إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، وبحسب مذكرات السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل د. كيرتزر، فقد اكتسب شهرة كزعيم إسرائيلي "يلقي محاضرات" على الرؤساء الأمريكيين. وفي عهد نتنياهو، ارتفع بشكل حاد عدد المستوطنات في الضفة الغربية، المدعومة بالأموال الحكومية والأمن شبه العسكري. وعلى الرغم من أنه كان يدعم علناً ورقة التوت الخاصة بالدولة الفلسطينية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، إلا أن النشاط الاستيطاني أدى بشكل أساسي إلى تقطيع تلك المساحة الإقليمية، مما أدى إلى تقويض أساس عملية السلام. من خلال الدخول في ائتلاف مع القوميين الأرثوذكس المتطرفين للبقاء في السلطة وسط مزاعم الفساد التي قسمت المجتمع الإسرائيلي، فإن نتنياهو، في نظر معظم السياسيين، بما في ذلك في الغرب، قد وضع بقاءه السياسي الشخصي فوق مصالح الدولة وفقد حريته في المناورة.

وأحد الأدلة على ذلك هو "الحرب الصامتة" ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي رافقتها دعوات نارية من المتطرفين اليمينيين. مباشرة بعد 7 أكتوبر، اندلعت حملة قمع جماعي هناك: مداهمات ليلية في المدن الكبرى، وسلسلة من عمليات القتل والاعتقالات، والإخلاء القسري. وفي الوقت نفسه، تمتع المتطرفون الإسرائيليون على الأرض بدعم الجيش. ووفقاً للأمم المتحدة، في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول و29 نوفمبر/تشرين الثاني فقط، قُتل 238 فلسطينياً. وذكرت الجزيرة أن عدد المعتقلين يقدر بنحو 3365 شخصا. إلى جانب ذلك، بدأ الاضطهاد السياسي والقيود المفروضة على الحقوق المدنية بين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، بما في ذلك أعضاء الكنيست.

إن سياسة العقاب الجماعي للفلسطينيين في غزة بعد 7 أكتوبر والنظام الذي أنشأته إسرائيل في الضفة الغربية، تشبه في نظر معظم الشخصيات السياسية والعامة في العالم نظام الفصل العنصري. وقد ظهر هذا التعريف في الخطاب السياسي منذ سنوات عديدة، ولكنه الآن بدأ يكتسب طابعًا قانونيًا دوليًا. وقد رفعت جمهورية جنوب أفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. وتتهم جنوب أفريقيا إسرائيل بالقمع المنهجي للشعب الفلسطيني والفصل العنصري منذ عام 1947. وفي 26 يناير/كانون الثاني 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي حكما يلزم إسرائيل بوقف أعمالها "التي تندرج تحت اتفاقية الإبادة الجماعية" وأعلنت عن إجراءات احترازية لحماية السكان الفلسطينيين.

الولايات المتحدة الأمريكية – إسرائيل – فلسطين

لقد أولى كل الرؤساء الأميركيين تقريباً، في سياستهم تجاه الشرق الأوسط، بعض الاهتمام للمشكلة الفلسطينية، مطالبين بدور مركزي في عملية السلام. وقد تمت الإشارة بشكل خاص إلى كارتر وكلينتون وأوباما في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، أظهر الربع الأخير أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكون وسيطاً موضوعياً قادراً على إجبار إسرائيل على التوصل إلى تسوية من شأنها أن تجعل من الممكن إنشاء دولة متكاملة شللفلسطينيين مع توفير الضمانات الأمنية لإسرائيل. في العام الأول من رئاسة أوباما، حاولت الدبلوماسية الأميركية استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. ومع ذلك، سرعان ما اضطرت الإدارة الأمريكية إلى التراجع عندما واجهت الموقف الصارم لإسرائيل، التي رفضت تلبية حتى الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية مثل وقف بناء المستوطنات.

خلال الفترة الماضية، لم تتمكن الولايات المتحدة من الهروب من أسر تناقضين غير متوافقين: الالتزام بعلاقات تحالفية مع إسرائيل على أساس القيم المشتركة، والوعي بأن استمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يضر بالمصالح الامريكية في العالم الإسلامي. وكان احتكار الولايات المتحدة لعملية السلام، بحسب روسيا، أحد الأسباب التي أدت إلى الأحداث الرهيبة في قطاع غزة وتصعيد جديد للتوتر في مركز الشرق الأوسط. بعد وقت قصير من فشل وساطة كلينتون في 2000-2001 والجولات اللاحقة من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في عهد الرئيس بوش الابن. وفي عهد أوباما، لم تركز الولايات المتحدة على حل المشكلة الفلسطينية، بل على كسر الحصار العربي المفروض على إسرائيل.

ترامب، الذي اتسمت سياساته بالفوضى والميل إلى الارتجال والتطوعية الشخصية voluntarism (العقيدة القائلة بأن الإرادة هي عامل أساسي أو مهيمن في الفرد أو الكون وتعطيها الأولوية على العاطفة أو العقل-المترجم)، لم يستغل سوى الوضع المواتي في المنطقة لكي "تُدخل إسرائيل التاريخ" من خلال "صفقة القرن" التي يبدو أنها ثبتت حقائق جديدة. ولأول مرة، أضفت الولايات المتحدة فعلياً الشرعية على احتلال الأراضي الفلسطينية من خلال الاعتراف رسمياً بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس عاصمة لدولة إسرائيل، معتبرة ان هذا لا يتعارض مع القانون الدولي. وهكذا ابتعدت الولايات المتحدة تماماً عن صيغة «الدولتين لشعبين»، التي شكلت، وفقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أساس الجهود الدولية الرامية إلى التسوية الفلسطينية الإسرائيلية. ومثل قضية المستوطنات اليهودية، فإن وضع القدس، إلى حد كبير، هو أيضا "أمر واقع" بالنسبة للولايات المتحدة، حيث أن قرار الرئيس اتخذ على أساس قانون الكونغرس رقم 104 لعام 1995 بشأن السفارة الأميركية، التي كان كل من سبق ترامب يؤجل وضعها موضع التنفيذ تلقائياً.

إن سياسة بايدن في الشرق الأوسط، على الرغم من الكلمات العامة حول نوع من المراجعة أو “إعادة التشكيل”، لم تشهد تغييرات كبيرة، وفي الجزء الفلسطيني واصلت باستمرار خط إدارة ترامب.

كان تركيز الجهد على المملكة العربية السعودية ، التي تدهورت العلاقات معها بشكل كبير في ظل الإدارة الجديدة. مسار رحلة الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط في يوليو 2022 من تل أبيب إلى جدة ، حيث ، بالإضافة إلى المحادثات الثنائية الأمريكية السعودية ، عقد الرئيس الأمريكي اجتماعا مع عدد من القادة العرب في شكل دول مجلس التعاون الخليجي+3 أعضاء (مصر والعراق والأردن) ، هو في حد ذاته دلالة. فقد أشار إلى الدول ومجموعة القضايا التي تنوي إدارته المراهنة عليها. المملكة العربية السعودية وإسرائيل أولا وقبل كل شيء. وقد تلقت القيادة السعودية تأكيدات بأن هذه المنطقة ستبقى على مستوى أولويات السياسة الخارجية بالتزامن مع المصالح العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية الخاصة لواشنطن في الخليج والمحيط الهندي ، بما في ذلك: الأمن الإقليمي بالمعنى الأمريكي ، والمزيد من تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية ، والوضع مع عودة الولايات المتحدة إلى خطة الإتفاق النووي مع إيران ، وإشارات التحذير للأخيرة، وفهم جديد لطبيعة علاقات التحالف ، وتسوية الصراع مع التركيز على اليمن ، وبعيدا عن المقام الأول ، استمرار الاتصالات الفلسطينية - الإسرائيلية.
ان خطط الإصلاح الشاملة في إطار برنامج رؤية 2030 الذي بدأه محمد بن سلمان (Vision: 2030) ، وعقود توريد الأسلحة الكبيرة والمشاريع الاستثمارية المربحة — كل هذا فتح فرصا جديدة للتعاون مع الولايات المتحدة ، وكذلك أثار الاهتمام بالتطبيع مع إسرائيل.

وكانت زيارة بايدن للسلطة الفلسطينية ذات طابع سياحي إلى حد ما، عدا عن تصريحات عابرة داعمة للدولة الفلسطينية ودعوات للحوار مع الفلسطينيين ووعود بمنح إنسانية. لكن هذه كانت لفتات شكلية بحتة، بل كانت بمثابة تكريم لتصريحاته الانتخابية. إن نص الإعلان الذي تم بثه من تل أبيب عام 2022 لم يترك مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة ستواصل مسارها المبدئي المتمثل في ضمان الأمن والهيمنة العسكرية لإسرائيل باعتباره "التزامًا استراتيجيًا حيويًا للأمن القومي للولايات المتحدة نفسها". وفي هذا الصدد، تم الإعلان عن تدابير إضافية للتعاون في مجال الدفاع الجوي وتطوير تقنيات الليزر. ومن النقاط المهمة الأخرى في الإعلان الإشارة التي تم نقلها من قبل الشركاء الأمريكيين في المنطقة بأن الولايات المتحدة "لن تسمح لإيران أبدًا بالحصول على أسلحة نووية" وستعمل معهم لمواجهة "عدوان إيران وأنشطتها المزعزعة للاستقرار". أخيرًا، أعربت الولايات المتحدة وإسرائيل عن تقديرهما لاتفاقيات أبراهام باعتبارها مكملاً قويًا لمعاهدات السلام الإسرائيلية مع مصر والأردن، وباعتبارها "نقطة انطلاق في بناء نظام أمني إقليمي جديد".

حرب غزة – التسوية السلمية: ملامح اللحظة

وتركز الدبلوماسية المتعددة الأطراف في الشرق الأوسط حتى الآن على الاتفاق على شروط وقف إطلاق النار الذي يشمل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين وتقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين. في الوقت نفسه، هناك نقاش حول سيناريوهات إدارة هذا الجيب الفلسطيني بعد حركة حماس. إن إسرائيل والولايات المتحدة تستبعدان بشكل قاطع العودة إلى الوضع الراهن، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا لم تكن حماس، فمن الذي يتسبب في إحداث الخلاف الأعظم، بما في ذلك الخلاف داخل حكومة الحرب المؤقتة في إسرائيل ذاتها؟ الولايات المتحدة، التي دعمت إسرائيل دون قيد أو شرط منذ بداية الصراع، تحاول يائسة مساعدة حليفتها على إيجاد طريقة للخروج من وضعها الصعب، في حين تواجه بشكل متزايد صعوباتها الخاصة.

ويميل فهم المجتمع الدولي للكارثة الإنسانية في غزة إلى إدراك أن انفجار العنف هذا لم يكن ممكنا إلا لأن المشكلة الرئيسية المتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي وانتهاك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ظلت دون حل لفترة طويلة. تم تقويض مصداقية الوساطة الأمريكية بشكل خطير ، على الرغم من أن الدول العربية المشاركة في المفاوضات حول قطاع غزة (قطر ومصر والمملكة العربية السعودية والأردن) تعقد اجتماعات منتظمة مع الممثلين الأمريكيين الذين يقومون برحلات مكوكية إلى المنطقة. في العالم العربي ، لا يريدون الاكتفاء بتصريحات رسمية حول الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم ، وهو ما ذكره الرئيس الأمريكي فجأة بعد 7 أكتوبر ، لكنهم يسعون إلى التزامات محددة في هذا الصدد.


إن مسألة مدى احتمالية وإمكان حل "الدولتين" للمشكلة الفلسطينية تجري حاليًا مناقشتها على نطاق واسع في المجتمع السياسي الدولي. وجهة النظر السائدة هي أن الحزمة المتعلقة بوقف إطلاق النار وتحديد مستقبل غزة لا ينبغي أن تحجب السبب الجذري للصراع: الاحتلال الإسرائيلي. إن كيفية الجمع بين هذين الجزأين في مشكلة واحدة من أجل حرمان الأمريكيين من فرصة التلاعب بالمفاهيم واستبدالها – هي الصعوبة برمتها. وقد تم التعبير عن هذا النهج بأشد أشكاله تركيزاً في 29 كانون الأول/ديسمبر 2023، في خطاب وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر أمام مجلس الأمن الدولي وفي عدد من مقالاته.

جوهرها هو أن اللحظة قد حانت عندما يكون من الضروري أن نأخذ في الاعتبار دروس الماضي. إن إنهاء الحرب في غزة يشكل أولوية مطلقة، ولكن السياسة المبنية على هذه الأولوية فقط سوف تؤدي حتماً إلى كوارث جديدة. إن المشكلة الفلسطينية لا يمكن حلها بنماذج وسيناريوهات قديمة تبين أنها غير واقعية. ما حدث في غزة كان نتيجة الافتقار التام إلى "الأفق السياسي" للفلسطينيين. ولم يكن لجهود السلام السابقة هدف محدد بوضوح، لذا ظلت العملية بلا نهاية بينما قامت إسرائيل ببناء المزيد والمزيد من المستوطنات، الأمر الذي أدى إلى تقويض أساس التسوية السلمية. إن إضاعة الوقت لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، بما في ذلك بالنسبة لإسرائيل نفسها.

وإذا كانت هذه الصيغة للقضية قد انتشرت على نطاق واسع، خاصة في العالم العربي، فإن إعمال الحقوق الفلسطينية في «السياسة الواقعية» يثير الشكوك. يتم النظر في الصعوبات الرئيسية على طول هذا المسار في أربعة أبعاد.

1) الأول هو رفض إسرائيل القاطع في ظل غياب أدوات الضغط على قيادتها، مهما طرأت عليها من تغييرات. يرى نتنياهو أن الدولة الفلسطينية تشكل “تهديدا وجوديا” لإسرائيل ويدعو إلى الحفاظ على “السيطرة الكاملة على المسائل الأمنية في الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن”. كما أن خصومه السياسيين، رغم أنهم ليسوا على نفس القدر من الصوت، لا يدعمون إنشاء دولة فلسطينية.

2) والثاني هو إحجام إدارة بايدن وعدم قدرتها على تغيير أي شيء في سياستها تجاه القضية الفلسطينية. وخاصة عشية الانتخابات الرئاسية. لا يسعنا إلا أن نتحدث عن بعض الخطوات التكتيكية "لللعب" على الساحة الفلسطينية، وطمأنة الشركاء بين الدول العربية وإظهار النشاط الدبلوماسي للناخبين الأميركيين.


3) ثالثاً، دخول إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى منطقة الترانزيت السياسي. إن نهاية الحرب في غزة لن تؤدي إلا إلى تسريع هذه العملية، ولكن بطريقة أو بأخرى فإن مسألة من سيكون الشريك المفاوض من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني تظل غير مؤكدة.

إن معدلات شعبية نتنياهو منخفضة، كما أن بقاءه السياسي يعتمد بشكل متزايد على الأحزاب القومية المتطرفة، التي تهدد بالانسحاب من الائتلاف إذا فشل وقف إطلاق النار في غزة في تحقيق أهدافه المعلنة. أي أنه بغض النظر عن مدى السخرية التي يبدو عليها الأمر، فإن الأمر يعتمد على المدة التي ستستمر فيها الأعمال العدائية. وهناك سابقة معروفة مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا ماير، التي أقيلت من منصبها بقرار لجنة التحقيق التي تشكلت بعد حرب 1973.

أما السلطة الفلسطينية الخاضعة لسيطرة حركة فتح فقد نشأت فيها أزمة شرعية بعد انتهاء ولاية محمود عباس. وكان من المفترض أن تجرى الانتخابات الرئاسية التالية في فلسطين عام 2009، لكنها لم تعقد. منذ ذلك الحين بسبب التناقضات مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وكذلك بسبب عدم اليقين بشأن إمكانية التصويت لسكان القدس الشرقية. ولا تزال الإجراءات الدستورية المتعلقة باختيار الخلف غير مؤكدة. وفي الظروف الحالية، فإن الفصائل السياسية المتنافسة إما أنها لا تريد إجراء الانتخابات أو أنها تطرحها بشروطها الخاصة. في هذه الأثناء، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ووفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في غزة والضفة الغربية، تضاعف الدعم لحماس ثلاث مرات. أكثر من 60% من الفلسطينيين يؤيدون تغيير قيادة السلطة الفلسطينية واستمرار الكفاح المسلح. وفي الوقت نفسه، فإن حركة حماس، التي لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود وتعتبر إرهابية في الغرب، لا تتمتع بشخصية قانونية دولية. من جهتها، لا تنوي القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية تحمل المسؤولية في قطاع غزة، خشية أن يُنظر إلى ذلك على أنه «عودة بفضل الحراب الإسرائيلية».

4) رابعاً، وفقاً لعدد من الخبراء العرب والغربيين، لا يوجد دعم كافٍ للقضية الفلسطينية بين الدول العربية الرائدة، التي تتعاطف مع الفلسطينيين، ولكنها تتصرف بحذر، وتفضل عدم تفاقم العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي الإعلان الختامي، أدان قادة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الذين اجتمعوا بمبادرة من المملكة العربية السعودية لمؤتمر في جدة (نوفمبر 2023)، إسرائيل بشدة، واتهموها بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة والضفة الغربية. وجرى التأكيد مرة أخرى على أن الشرط المسبق للسلام مع إسرائيل وإقامة علاقات طبيعية هو إنهاء احتلالها لجميع الأراضي الفلسطينية والعربية، كما تمت الإشارة إلى ضرورة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. المقترحات المقدمة من الجزائر وسوريا وإيران وعدد من المشاركين الآخرين في القمة العربية الإسلامية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد إسرائيل، بما في ذلك المقاطعة ودعم الكفاح المسلح، لم تحظ بدعم من الدول العربية في الخليج. ونتيجة لذلك، تم اعتماد القرار الذي اقترحته المملكة العربية السعودية بتشكيل "مجموعة العمل السباعية"، التي زارت عواصم الدول الخمس الرائدة في العالم لبحث إمكانيات التعاون الدولي في إنهاء الحرب في غزة وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومما له أهمية خاصة في مسار الدبلوماسية في الشرق الأوسط موقف المملكة العربية السعودية، التي لديها، إلى جانب دول الخليج الأخرى، القدرة على ممارسة الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المميز أن القيادة السعودية، في اتصالاتها المكثفة مع الممثلين الأميركيين، لا تستبعد مسألة التطبيع مع إسرائيل، بل تطرح عدداً من الشروط التي تتماشى مع المطالب العربية كافة: «أولاً، وقف الحرب، تقديم المساعدة الإنسانية والتعهد بالالتزامات فيما يتعلق بالتسوية العادلة وإقامة الدولة الفلسطينية". ولا يذكر السعوديون بالتفصيل نوع الالتزامات الإسرائيلية التي ينبغي أن تكون عليها، مما يترك مجالاً للمفاوضات البناءة.

إن روسيا، التي سعت طيلة فترة الصراع العربي الإسرائيلي على نحو ثابت إلى التوصل إلى تسوية على أساس "الدولتين"، ترحب بالمشاركة النشطة من جانب الدول العربية في التوصل إلى حل شامل للمشكلة الفلسطينية، مع الأخذ في الاعتبار الأزمة في غزة. وفي اجتماع مع رؤساء وفد "مجموعة السبعة" العربية الإسلامية في موسكو، قال سيرغي لافروف إن "اللجنة الرباعية" للوسطاء في الشرق الأوسط فشلت في القيام بمهامها، لأن "الشركاء الغربيين كانوا ينظرون ببرود" بشأن مسألة وجود ممثلين عن العالم العربي في تلك الصيغة.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا