-مجلة أنفاس المغربية: من المنتدى الأدبي إلى المنتدى السياسي-

إدريس ولد القابلة
2024 / 2 / 13

منذ نسأتها وبع اغتيالها منذ عقود في أبريل 2016 تم تنظيم أول تظاهرة علنية لم تتعرض للمنع تخص مجلة انفاس
ففي أبريل 2016 نظمت “مؤسسة اللعبي- بسبة لعبد اللطيف اللاعبي مديرها ومؤسسها- للثقافة” بشراكة مع المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط الواقعة بالقرب من البلاط المكي، و لم يتعرض هذا الاحتفاء بالذكرى الخمسين لتأسيس المجلة الأدبية والثقافية “انفاس- souffles- للمنع. وبهذه المناسبة، تم إعادة إصدار الأعداد الخمسة عشر الأولى، وتقرر عقد لقاءات وقراءات وافتتاحات تكريمًا لهذا المنبر الأدبي والثقافي و السياسي الذي وصم عقد سبعينيات القرن العشرين . لكن إذا تم الاحتفاء به رسميا آنذاك وتقديمه كجزء أساسي من التراث الثقافي المغربي؛ لقد كان وجود مجلة انفاس القصير تحت الخطرالدائم المستطير. في الواقع، كان على هيئة التحرير أن تواجه جميع أنواع المخاطر، بدءًا من الصعوبات المالية وحتى الإجراءات القمعية الشديدة. وقد دفع العديد من أعضاء فريق التحرير ثمناً باهظاً لتعاونهم: ففي نهاية السنة السادسة، تتابعت عمليات الاعتقال والاختطاف والتعذيب والإجراءات القانونية. لم يتم حظر انفاس رسميًا وقانونيا من النشر أبدًا، ولكن بسبب اعتقال محرريها الرئيسيين إذ عمليا لم تتمكن من الاستمرار- لقد تم اغتيالها مع سبق الاضرار والترصد. ولذلك لفظت أنفاسها الأخيرة في يناير 1972، بعد نشر العدد 22.
ولكن دعونا نعود إلى بداية هذه المغامرة: كان ذلك في مارس 1966 عندما ظهرت souffles بالفرنسية في الأكشاك لأول مرة.
في البداية، جمع هذا المنشور الفصلي مجموعة من الشعراء الشباب (الناطقين بالفرنسية بشكل رئيسي) والرسامين. نظرًا لافتقارهم إلى منصة أو فضاء يتماشى مع تطلعاتهم، قرروا إنشاء منصة خاصة بهم للتعبير. لاسيما منهم من وجد باستمرار صعوبة جمة في النشر[1] أو عرض أعماله لأسباب مختلفة، أبرزها أن ما كانوا يعتبرون انفسهم من كبار المثقفين ظلوا ينظرون بشكل قاتم إلى طليعة هؤلاء الشباب الذين طالبوا بالتجديد الأدبي والفني.
-----------------------------------------------
1- ولذلك كانت "انفاس" نتيجة حيوية، والوسيلة الوحيدة للقتال التي يمكنهم اعتمادها لإسماع أصواتهم. وللتسجيل، أود أن أذكر أنه، لعدم وجود أي حل أفضل، قام أصدقاء شعراء مثل النيسابوري وخير الدين بنشر قصائدهم لأول مرة في "Revue de l’Automobile" بالدار البيضاء وأن مؤلف هذا المقال (اللعبي) نصوص وتحليلات منشورة في مجلات عفا عليها الزمن في الخارج."، souffles، عدد 2، الربع الثاني 1966، اللعبي، "اقرأ المغرب الصغير"، ص 3-4.
--------------------------------------------------


كان هؤلاء الأشخاص في العشرينيات من العمر ملتزمين على المستوى الثقافي، لكنهم أيضًا مشبعون بشدة بالقضايا السياسية والأيديولوجية في ذلك الوقت لأنهم كانوا منغمسين في مناخ جيوسياسي خاص جدًا. عندما كانوا مراهقين إبان استقلال المغرب، حملتهم موجة الأمل التي رافقت حركة إنهاء الاستعمار في ستينيات القرن الماضي. وكان هذا الأمل هو نظام عالمي جديد، والذي ينطوي بوضوح على انتقاد الإمبريالية، و أيضًا من خلال الميول الى الوحدة في ظل نظام عالمي جديد. يتذكر أحد المتعاونين مع المجلة- عبد الفتاح فاكهاني:
"لقد حلمنا بعدة وحدات – جمع وحدة- : عربية، إفريقية، عالمثالثية، وعالمية. وحدة الشعوب التي تناضل من أجل الاستقلال والتحرر والاشتراكية في جميع القارات"2.
---------------------------------------------
2 ع .فاكهاني مؤلف -الممر، أجزاء من الحقيقة عن سنوات الرصاص- الدار البيضاء، طبعة طارق، مجموعة Témoignages، 2005، ص86.
--------------------------------------------

إن الاتحاد الأفريقي، والوحدة العربية، وحركة عدم الانحياز، كلها كانت تحالفات تثير مناقشات عاطفية ضمن هذا الجيل الصاعد. فبالنسبة لهم، السياسة الدولية هي شأن الجميع. وكانت تقع الثورة الكوبية، وحرب الجزائر، وحرب فيتنام، والصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في قلب اهتماماتهم، كان هؤلاء الشباب يستلهمون شخصيات مثل تشي جيفارا، ومارتن لوثر كينغ، وحتى مالكوم إكس.
لقد انتمي فريق انفاس والمتعاونين معها و المساندين لها إلى الشباب المحتجين الذين يتطلعون وقتئذ إلى مجتمع أفضل، متساوٍ وخالي من جميع أشكال القهر والاستغلال. ولذلك فهم يحلمون بسياسة مختلفة، سواء على المستوى الدولي أو الوطني. والواقع أنه بعد مرور عقد من الزمن على الاستقلال، بدأت تتشكل نقاط تحول كبرى على المستوى السياسي. على سبيل المثال، تم تقويض مبدأ التمثيل من خلال حظر أحزاب المعارضة مثل ("الحزب الشيوعي المغربي"- PCM) أو حزب UNFP ("الاتحاد الوطني للقوات الشعبية")، وهو حزب معارض يساري أسسه المهدي بن بركة في. 1959. وفي مجال السياسات التعليمية، شهد هذا الجيل القمع العنيف لمظاهرات 65 مارس. وقتئذ، 12.2% فقط من المغاربة تمكنوا من متابعة التعليم الثانوي3.
---------------------------------------
3- الارقام مأخوذة من انفاس، عدد 20-21، الربع الأول 1971، “التعليم في المغرب منذ الاستقلال”، ص9.
-----------------------------------------------
لكن، قضية التعليم ظلت تجذب المزيد والمزيد من المغاربة. ومع ذلك، خطط تعميم صادر عن وزارة التربية الوطنية لمنع الطلاب الذين تزيد أعمارهم عن سبعة عشر عامًا من الالتحاق بالتعليم الثانوي، وهو ما يعني، كما توضح مارغريت روليند4، إلى:
إلى الحد من تعليم أكثر من ثلثيهم، مما دفعت طلاب الدار البيضاء الى الخروج إلى الشوارع، واكتسبت المظاهرات زخمًا، ثم امتدت إلى عدة مدن وتحولت بسرعة كبيرة إلى أعمال شغب دفاعا عن النفس حتى الرمق الاخير؛ وفي 28 مارس ، أدى تدخل مكثف من قوات الامن و العسكر إلى خنقهم بعنف. وكانت عواقب هذا الحدث وخيمة. وكان من جانب المتظاهرين: جرحى، واعتقالات بالجملة، وإجراءات قانونية، والاخضاع للخدمة العسكرية الإجبارية (كإجراء تأديبي5) ولكن أيضًا الوفيات والاختفاءان". على الجانب السياسي، يمثل هذا الحدث قطيعة غير مسبوقة: ففي 7 يونيو 1965، أعلن الحسن الثاني حالة الاستثناء (التي ستستمر حتى عام 1970). إن ميلاد مجلة انفاس جمع بين ثلاثة أحداث رئيسية: القمع الدموي للمظاهرات في المدن، وتعزيز السلطة، وفي أكتوبر 1965، اغتيال بن بركة. وأصبح العديد من المتعاونين مع انفاس نشطين سياسيًا في ذلك العام.
------------------------------------------------------
4 - م. روليند، حركة حقوق الإنسان المغربية، باريس، كارتالا/سان دوني، معهد المغرب العربي، 2002، ص122.
5 - الكاتب الطاهر بنجلون أحد الطلاب الذين تم إرسالهم إلى المعسكر التأديبي. وفي السيرة الذاتية المنشورة على موقعه الرسمي نقرأ: «يوليو 1966: تم إرسالي إلى معسكر تأديبي للجيش (في الحاجب ثم في أهرمومو شرق المغرب) مع 94 طالبا آخر يشتبه في مشاركتهم في مظاهرات مارس65. » (http://www.taharbenjelloun.org/)
------------------------------------------------------
ولذلك، في هذا المناخ المطبوع بالاستبداد وعلى خلفية آمال ما بعد الاستعمار، عرفت مجلة أنفاس ميلادها العسير وهذه السياقات التاريخية بالتحديد هي التي ستمنحها كل قوتها وصلابتها. وتجاوز محرروها وتحملوا مرفوعين الرأس في خضم موجات القمع والتنكيل و خيبات الأمل في خضم الحياة اليومية القمعية، ليقدموا للقراء فضاء ومنتدى غير نمطي، محتج ومليء بالتطلعات. بالنسبة لهؤلاء الشباب، لا يمكن الفصل بين الثقافة والسياسة. وفي مواجهة ما يعتبرونه "تعبيرًا عن الركود المستمر"6 اختاروا الانخراط في معركة تنطوي على عمل ثقافي ملتزم. مستوحى من كتابات مثل "معذبو الأرض" لفرانز فانون7 وظلوا يتساءلون في قرار انفسهم عن دورهم كمثقفي العالم الثالث في عالم متغير وكذلك أدوارهم وواجباتهم كمثقفين مغاربة، وفاعلين في العالم الثالث. التواق الى تنمية اقتصادية واجتماعية كاملة. مدفوعين بالرغبة في بث حياة وروح جديدين في الثقافة الوطنية، و يدعون طليعتهم، التي يقدمونها كضرورة في مواجهة الأزمة الثقافية والأيديولوجية. ومن هذه الزاوية أيضًا يقدمون مشروعهم للقارئ في "المقدمة" الأولية.
-----------------------------------------------
6- مجلة انفاس العدد 1 1966 المقدمة
7 ف. فانون، معذبو الأرض، باريس، طبعات ماسبيرو، 1961.
-------------------------------------------------------------------------------
وسوف تتطور "المراجعة الأدبية والثقافية" للبدايات تدريجياً إلى منتدى سياسي. وهذا التغيير في الاتجاه سيحدث تدريجياً: على مدار القضايا، ستتغير اللهجة وستصبح الكلمات في الكثير من الأحيان في خدمة الالتزام السياسي. الهدف من هذا البحث هو تحديد ما إذا كانت المجموعة المنشورة بين عامي 1966 و1968 تحتوي على أدلة تسمح لنا بتأريخ اللحظات الرئيسية في تطور المجلة بدقة. للقيام بذلك، سوف نعتمد على قياس النصوص (ويسمى أيضًا قياس المعاجم) لأنه "يقدم إجراءات الفرز والحساب الإحصائي لدراسة مجموعة من النصوص الرقمية"9. كما تهتم هذه الورقة بـ “تحليل البيانات النصية، مع ابراز بشكل خاص احصائيات معينة(خصائص، مشتركة ، أجزاء متكررة، توافقات… لتفسير الوحدات المختارة من قبل الحسابات.
-----------------------
9- بينيديكت بينسمين، “علم الدلالات التفسيرية وقياس النصوص – نسخة مختصرة”، corpus[أون لاين]، 10 | 2011، نُشر على الإنترنت في 15 حزيران (يونيو) 2012 (http://corpus.revues.org/2121)
---------------------------------------
تهدف هذا الورقة إلى الإجابة على السؤال التالي: هل يمكن من خلال دراسة نصية لمحتوى مجلة انفاس تمييز التحولات التقدمية التي تميل الى المراجعة الأدبية والثقافية وتتجه نحو المراجعة النضالية والمسيسة لتحديد ما إذا كان الدعم النصي يسلط الضوء على التطورات في فحوى المجلة بين عامي 1966 و1968.و ما إذا كان الدعم النصي يسلط الضوء على تطورات وتحولات المجلة بين عامي 1966 و 1968.

وهذا يتطلب رقمنة. ومن المعروف أن جميع اعداد المجلة تمت رقمنتها وإتاحتها للجمهور[11] على موقع الويب BNRM ("المكتبة الوطنية للمملكة المغربية"). ------------------------------------------------------------------------
11 –
http://bnm.bnrm.ma:86/ListeVol.aspx?IDC=3
---------------------------------




وهذه عملية معقدة للغاية. في الواقع، قامت بإنجازها طالبة في اللسانيات وتم الاعتماد كليا على النتائج التي استخلصتها. منها ("تحليل المراسلات العاملية") الذي يجعل من الممكن تحديد التقارب المعجمي بين التقسيمات الفرعية (على سبيل المثال، القرب المعجمي بين مؤلفين أو بين رقمين) و ملاحظة تطور الوحدة مع مرور الوقت (على سبيل المثال، تطور كلمة "أدب" بين عامي 1966 و1968).

________________ يتبع الجزء الأول: عرض المجلة__________________

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا