الانخراط بالاقتطاع الآلي من المرتب ألية سهلت للفئة البيروقراطية إفساد الحركة النقابية ووسعت نفوذ الدولة والأعراف داخلها

بشير الحامدي
2024 / 2 / 13

لم يعد خافيا اليوم على النقابيين أن الانخراط في الإتحاد العام التونسي للشغل والذي يتم عن طريق الاقتطاع من المرتب قد ورثته الحركة النقابية التونسية عن الحركة النقابية الفرنسية زمن الاستعمار المباشر حيث عمد المستعمرون إلى فرض الإنخراط داخل النقابات الفرنسية في تونس على العامل التونسي وذلك بالاقتطاع من مرتبه واستمر هذا التقليد حتى صار وكأنه طبيعي وقد ساهم بمرور الوقت في تقوية نفوذ البيروقراطية النقابية وأمّن لها أكثر ما يمكن من أسباب الهيمنة. فالإنخراط بهذا الشكل وفي الواقع الحالي للإتحاد العام التونسي للشغل ليس تقنية تنظيمية وعملا تقوم به المصالح الإدارية والمالية للدولة لصالح هذه المنظمة النقابية هكذا وبلا هدف إن له مدلولا وأبعادا سياسية باتت مكشوفة: لقد وسّع من نفوذ الرأسماليين والدولة داخل الإتحاد ومسّ باستقلاليته كمنظمة نقابية للشغيلة وقوّى من تسلط قيادتها البيروقراطية. هذه هي بالضبط الأبعاد التي يكثفها هذا الشكل من الانخراط. إنه كذلك اتفاق ضمني بين الدولة وأرباب العمل من جهة والبيروقراطية النقابية من جهة أخرى على التعاون. لقد اعتبر المشغلون والدولة دائما هذا الشكل من الانخراط سلاحا فعالا بأيديهم يمكن رفعه حين تحيد البيروقراطية النقابية عن التزاماتها تجاههم أو عندما يحتم الوضع من وجهة نظرهم ضرب النقابات وتكسيرها ولأن البيروقراطية النقابية تعي ذلك جيدا فقد كانت دوما حريصة على المحافظة على هذا الاتفاق الذي تعتبره امتيازا يدر عليها المليارات سنويا فلم تتوان يوما عن مصادرة النضالات واستقلالية القرار القطاعي ونسف الديمقراطية النقابية وضرب الحق النقابي وإقصاء وتكميم أفواه النقابيين المعارضين لتوجه المشاركة وفرض الاتفاقيات المغشوشة وإغماض العين عن الزيادات الملتهبة للأسعار والتدهور المتزايد للمقدرة الشرائية للشغالين ناهيك عن مساندتها لسياسة القمع المسلط اليوم على المجتمع.
إن الانخراط بالإتحاد العم التونسي للشغل بواسطة الاقتطاع الآلي من المرتب يمثل إحدى الآليات التي حالت دون تطور جماهيرية هذه المنظمة على قاعدة الاقتناع والتطوع والالتزام والنضالية وسهلت للفئة البيروقراطية إفساد الحركة النقابية ووسعت نفوذ الدولة والأعراف داخلها. إن البيروقراطية النقابية المهيمنة على سلطات القرار اليوم هي نتاج موضوعي للجماهيرية المغشوشة لهذه المنظمة.
إن جعل الانخراط بالنقابات يقوم على أساس الانخراط المباشر عن طريق النقابات الأساسية عملية ستكرس بالفعل التزام المنخرط من جهة بسياسة نقابته وتعهدا بممارسة قراراتها والدفاع عنها وستكون أيضا تعبيرا عن حيوية وفعالية هذه النقابة والتنظيم النقابي الذي تنتمي إليه ككل.
إن الانخراط وبهذه الطريقة سيكون عملية شفافة ونضالية وسيمتن العلاقة بين الهياكل والقواعد وسيحفز الهياكل للعمل والنشاط الهادف وسيلزم التنظيم النقابي بالدفاع عن مطالب منخرطيه والالتزام بمقررات المؤتمرات القطاعية وسيتيح شفافية التصرف في العائدات المالية وإمكانية آلية للمحاسبة وسيرشد الأنشطة النقابية.
لا شك أن هذا الأسلوب في الانخراط ترفضه البيروقراطية ويصيبها الذعر حتى من مجرد الحديث عنه لأنه وببساطة سيجردها من امتيازها الأكبر" العائدات المالية" وبالتالي سيحرم أعضاء المكتب التنفيذي من الجرايات الكبيرة التي يتقاضونها باسم أنهم أعضاء في هذا الجهاز ومن السيارات الفارهة التي يركبونها ومن الندوات التي تنظم في أفخر النزل والتي تعودوا على إقامتها بمناسبة وبدون مناسبة ومن الارتشاء والسرقة... وسينسف أهم قاعدة للبيروقراطية النقابية ولهذه الزعامات التي عمرت في الإتحاد سواء في مكتبه التنفيذي المركزي أو في المكاتب التنفيذية الجهوية هذه الزعامات التي تستميت في كل مؤتمر عام أو جهوي للحصول على عضوية هذه المكاتب هذه العضوية التي أصبحت امتيازا ماليا بالدرجة الأولى.
إن طريقة الانخراط بالحجز على المرتب هذه الآلية التي تراكم كل شهر أكثر من 500 مليون دينار تونسي تحت تصرف المكتب التنفيذي ولا تحصل منها النقابات العامة والنقابات الجهوية والأساسية إلا على قسط زهيد لا يغطي أبسط نشاطاتها وهو أسلوب تتعمده البيروقراطية لمزيد الهيمنة على هذه الهياكل وتكبيلها وإبقائها مرتهنة بها. إن مسألة الانخراط في الإتحاد العام التونسي للشغل أصبحت اليوم إحدى المسائل الملحة والتي على النقابين أن يطرحوها من أجل فرض طريقة الانخراط المباشر والتي ستحول دون إطلاق اليد في مالية الإتحاد وتضع حدا لكل تلاعب أو إهدار لأموال المنخرطين.
سوسة في 12 فيفري 2024
المقال قديم يعود لسنة 2007 وقد وقع تحيينه و إعادة نشره

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا