هل يستطيع الطالب الفلسطينيّ أن يفكّر؟ (كلمة افتتاحيّة- المؤتمر الطلابي العربي الخامس )

محمد قعدان
2024 / 2 / 13

هل يستطيع الطالب الفلسطينيّ أن يفكّر؟
كلمة افتتاحيّة المؤتمر الطلاب العربي الخامس

واجهتُ خلال الدراسة العديد من المواقف التي تُقلّل من قدرتي كطالبٍ فلسطينيّ - في الجامعات الإسرائيليّة- على التفكير، أو للدقّة محاضرين ومناهج منظمة لقمعِ ما تملكهُ من أدوات للمعرفةِ والتفكير، وسأقصّ عليكم، من تجربتي الأولى في الكتابةِ البحثيّة، في عامي الأول أثناء دراستي في جامعة تل أبيب. كنّا في مساقٍ "تمرين الكتابة البحثيّة"، ضمن كليّة تاريخ الشرق الأوسط وشماليّ أفريقيا، في نهايةِ المساق طلبَ منّا المُحاضر وهو أشكنازيّ ليبراليّ، أن نختار موضوعًا من عدّة مواضيع قام بوضعها لنا، لنختار منها. واخترتُ موضوعًا عنوانهُ كالتالي "الاستيطان الصهيونيّ من 1882- 1914" وتصنّف إسرائيليًا، على أنها الهجرة الأولى (هعاليا هروشونا)، ودافعي الأول، أنّه بإمكاني تحويلهم لموضوع بحث، وهي خطوة في التخلّص من تصوّرات الهيمنة الصهيونية، قدّمت في المرحلة الأولى، خمسة مصادر أوليّة ستكون لبنة الورقة البحثية. وقد اخترتُ مصدرًا بحثيًا كتاب أكاديميّ من "مركز دراسات الوحدة العربيّة"، ثمّ تفاجأ المحاضر من عنوان المركز، وأخبرني هل ستعتمد على مصدر "مشكوك" كهذا، سألتهُ لماذا مشكوك؟ قال أنظر عنوانهُ أيديولوجيّ جدًا "الوحدة العربيّة". أدركتُ حينها أنّنا كفلسطينيين سنبقى مقيّدين فيما نختار من مصادر، وفقًا لرؤيتهم وتخطيطهم المعرفيّ لمن يستطيع إنتاج معرفة والتفكير، ومن لا يستطيع، ونحنُ كعرب ليس لدينا الحقّ في أن نمتلك مؤسسات بحثيّة مهنيّة ورفيعة وفي الوقت نفسه تمتلك قيمًا تحررية أو اشتراكيّة.

وقع هذهِ الملاحظة من المحاضرة، في عامي الأوّل، أيقنتُ أنّي أدرس ضمن مخطّط أيديولوجيّ استشراقي صهيونيّ، لماذا؟ لسببٍ بسيط لأني كنتُ أعلم مدى جديّة هذا المركز العلميّ والبحثيّ، وصدارته في كلّ العالم العربيّ، وتاريخهِ، وأنا صراحةً أعي تمامًا أنّه يوجد لدينا العديد من المراكز غير الجديّة والتابعة لحكوماتٍ في سياساتها ومجالها البحثيّ. ولكن هذا المركز ليسَ إحداها ويمكنني أن أحدثّكم كثيرًا عن هذا المركز، ولكني صُدمت قليلًا أنّ من يُسمي نفسه باحثًا لا يملك أدنى معرفة في أهمّ المراكز الأبحاث العربيّة، التي تأسست منذُ أكثر من أربعة عقود، وبالتأكيد استطعتُ اجتياز المرحلة الأولى، من خلال إقناعهِ بأني اعتمادي على المصدر ليس بشكلٍ كامل، بل فقط لبعضِ الاقتباسات.

بالمقابل، "مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا" في جامعة تل أبيب، هو مركز مهمّ وفعّال لإنتاج معرفة تاريخيّة شاملة حولَ المنطقة. أنظر إلى إسم المركز فهو لا يعبّر فقط إلى حدث قوميّ أو طموح ديمقراطيّ وإنسانيّ كما "مركز الوحدة العربيّة" التي تعبّر في النهاية عن طموح الوحدة الذي يُلامس تقريبًا كلّ قلب ينطقُ بالعربيّة، وهو ربّما المشروع الأكثر ديمقراطيّة في المنطقة. أمّا موشيه ديّان، فهو إسم بغضّ النظر عن الرمزيّة التي يحملها، في المحصّلة هو رجل عسكريّ، قامَ في شنّ عدوان على بلدان مجاورة، في أكثر من محطّة تاريخيّة، ومسؤول عن مجازر عديدة منها مجزرة كفر قاسم ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في الدولة، وأنا جزء منهم. إذا ما هي المعرفة التي نتوقّع أن ينتجها مركزًا كهذا، وهذا دونَ أن نخوض في إنتاجهِ وشبكة علاقاتهِ وتمويلهِ.

على هذا الأساس أطرحَ مجددًا سؤال حميد دبّاشي، وهو أكثر شموليّة من سؤالي، منذُ عقد تقريبًا "هل يستطيع غير الأوروبيّ التفكير؟" كعنوان مقال، وبعدما أخذ صدى واسع لأنه لامسَ قلوب العديد من الباحثين والطلاب والمفكّرين غير الأوروبيين، تحوّل لكتاب في العنوان ذاتهِ. والتجربة ذاتها، هل يحقّ لنا أن نفكّر، وأن نبحث، وأن نختار مصادرنا بأنفسنا، ودونَ التفافاتٍ بيروقراطيّة تقوّض قدراتنا، والأهمّ من ذلكَ دونَ أن نجلس في محاضرةٍ أكثر من ساعةٍ ونصف، أو يُطلب منّا أن نقرأ مقالات لأجهزةِ الاستخبارات على أنّها المعرفة "الموثوقة، التحليليّة، والموضوعيّة"، التي تعمل على تحييد ثقافتنا ومعرفتنا وأدواتنا، ومنها تتجاوز ذلك إلى العداء المُباشر.



ثلاثة أبواب من المهمّ أن نطرقها حول وجودنا في الجامعات الإسرائيلية
الجامعة كامتداد استعماريّ استيطانيّ
ثلاث جامعات/ معاهد في إسرائيل، التي تصنّف عالميًا من أفضلِ الجامعات؛ جامعة تل أبيب، تخنيون، جامعة أورشاليم العبريّة. ما هي جذورها وموقعها ضمن تخطيط القوّة والهيمنة تاريخيًا، التخطيط المعماريّ الجغرافيّ السياسيّ يعكس لنا ملامح هذهِ الجامعات واستعماريّتها.

لنبدأ من الجامعات الأكثر قدمًا؛ "التخنيون" (1924)، الجامعة العبريّة (1925)، أسّستها الحركة الصهيونيّة ضمن مشاريعها الكبرى الأولى بهدفِ ضمان بنية تحتيّة تربويّة عبريّة (لغةً التي استخرجت واكتشفت بطموحٍ كولونياليّ)، وتأتي في سياق استيطان المدن الفلسطينيّة، وتقويض سكّانها الفلسطينيين، الجانب المعماريّ فيها يوضّح ما نقصدهُ في أنّها امتداد استعماريّ استيطانيّ أولًا من ناحية الموقع الجغرافيّ؛ جبل المشارف في القُدس، وحيّ "هدار" في حيفا، باعتبار هذهِ المواقع أعلى وتطلّ على الفلسطينيّ، وثانيًا توضّح لنا منهجيّة الفصل والتصنيف العرقيّ، فهي في جدرانها وبنايتها كأنها حائط فصل وتصنيف بينَ الفلسطينيّ "المتخلّف" و"الهمجيّ"، إزاء اليهوديّ الأوروبيّ المستوطن "التقدميّ" و"المتنوّر"، ثمّ أنّ حي "هدار" هو بمجملهِ يعبّر عن الرؤية الاستعماريّة في الطهارة العرقيّة، وعدم الاختلاط مع من هُم أدنى، أي العرب، كما أن فكرة الحيّ هي قريبة من فكرة تل أبيب، الحيّ الذي يبتلع المدينة، ولكنها لم تنجح في حيفا لأسبابٍ عدّة، مع ذلك من المهمّ أن نعي مدى عنصريّة عرقيّة وكولونياليّة هذا الحيّ.

جامعة تل أبيب (1956) ونواتها الأساسيّة كليّة العلوم الطبيعيّة وكليّة الحقوق في ثلاثينيّات القرن الماضي. وهي تأسست على السلب المستمرّ واستيطان مدينة يافا، وتشكّلت على ما هي عليهِ في يومنا هذا، على حُطام قرية الشيخ مونّس، بعد طردِ وتطهير الفلسطينيين، منها على حدّ الخصوص، ومن يافا عمومًا. يتتضّح لنا المعالم التاريخيّة وارتباطها في المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ في نشأتها. نستنتج على أن الجامعة كمساحةٍ هي جزء أساسيّ في تهميش، تفكيك، ومحو المشهد الفلسطينيّ.

جامعة تل أبيب من منظور الطالب الفلسطينيّ
استكمالًا لما بدأنا، ونودّ أن نسلّط على الضوء فقط على جامعة تل أبيب؛ نجد أن جذورها التاريخيّة هي في أصلها تطبيق وتثبيت لعلاقات القوّة والهيمنة والتصنيف، بالتالي عدم تفكيكها في هذا الجانب، يجعلها تستكمل دورها في المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ وخصوصًا في جانب المضامين التي تكرّسها.

في نقد التصنيف العرقيّ/ الهيراركيّة العنصريّة، للانتاج المعرفيّ والعلميّ والفلسفة، نجد نظريّتين في ذلك، كلّ من الفيلسوفان إنريكي دوسيل والثاني والتر منيالو؛ يرى الأوّل أن رينيه ديكارت، في منهجيّة "كوجيتو" التي تتلخّص في جملةِ "أنا أفكّر، إذا أنا موجود"، هي في معناها الجغرافيّ السياسيّ، والتخطيط الاستعماريّ للعالم، "أنا أغزو، إذا أنا موجود"، باعتبار أنّ ما يُقارب القرن والنصف، منذُ منهجيّة ديكارت بدأت الحملات الأوروبيّة (إسبانيا والبرتغال) في استعمارِ العالم، والتصنيف اللاهوتيّ/ العرقيّ للعالم، وعلى هذا الأساس، تحوّل الرجل الأبيض الأوروبيّ إلى صاحب الحقّ الوحيد في إنتاج المعرفة من موقعهِ الاستعماريّ، وتمّ تأطير إنتاج المعرفة على أساس الموقع/ العرق/ اللون.

أما صاحب النظريّة الثانية منيالو؛ يرى أن كانط استبدل التصنيفات اللاهوتيّة القديمة (التي أيضًا حملت هيراركيّات مرتبطة في الاستعمار) في تصنيفاتٍ علمانيّة وأصبحَ الرجل الأوروبيّ الوحيد القادر على إنتاج المعرفة، وغير الأوروبيّ بالتالي فقط موضوعًا للمعرفة، وليسَ قادرًا على إنتاجها. وأصبحَ "العقل" عند كانط لهُ لون وعرق ودين، الأبيض الأوروبيّ المسيحيّ من يستطيع أن يُنتج معرفةً علميّة. لا أودّ أن أطيل في هذا الجانب ولكن خُلاصات مهمّة، من كمّ هائل من الدراسات والكتب التي تكشف أصول النزعة الاستعماريّة العنصريّة في الإنتاج المعرفيّ.

ما يميّز الجامعات الإسرائيليّة، ليسَ فقط أنّها جُزء من هذا المسار، بل هي أيضًا في بنيتها تهدف إلى اقتلاع العربيّ الفلسطينيّ، في تصنيفهِ كجزء من شعوب غير الأوروبيّة الملوّنة، أي من هُم في أدنى الهيراركيّة للتصنيفات العرقيّة الاستعماريّة. ما ندرسهُ في مناهج العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة يُكرّس ذلك، في ناحيتين أولًا؛ يدرّس الإسهام المعرفيّ العربيّ (وغير الأوروبيّ عمومًا) فقط ضمن الأقسام الإثنيّة والمناطقيّة "قسم الشرق الأوسط"، "قسم الدراسات الإسلاميّة" أمّا في العلوم "علم الاجتماع"، "الأنثروبولوجيا"، "الاقتصاد" لا ندرس مواضيع وتجارب وإسهامات العرب وغيرهم ممن يُصنّفون ضمن أدنى السلّم المعرفيّ، ندرس مثلًا أوروبا، وغرب أوروبا تحديدًا تجربتهم في الانتقال من الإقطاع إلى الرأسماليّة، ثمّ ندرس الدين، العلمانيّة والحداثة، وفلاسفة وطروحات ومدارس النهضة والتنوير، أنا لست بصدد أن أنكر هذهِ المعارف ولكننا بذلك نقصى غالبيّة العالم تحت فرضيّة موجودة ومتداولة على أن العالم غير الأوروبي "لا يملك تاريخ" أو "لا يستطيع التفلسف، وغارق في التأمل والروحانيات" مما يعزز الإبادة المعرفيّة لجميعِ الشعوب غير الأوروبيّة. وثانيًا، عندَ دراسة الفلسطينيّ والعرب في الأقسام المختلفة، بمواضيع معرفيّة عند المستوطنين، نصبح مباشرةً أيضًا مواضيع الفعل والممارسة والرقابة والاختراق وغيرها من ممارسات الاستعمار الاستيطاني التي ما زالت قائمة إلى اليوم، فهي امتداد لأجهزة الاستخبارات الاستعماريّة، على أثر ذلك نصبح حقيقةً مواضيع معرفيّة، ولا نملك أية قدرة ووكالة على الإنتاج والتفكير والمساهمة.

منتدى إدوارد سعيد، مبادرةً أوليّة في الممارسة
إذًا، ساهمنا قبل خمس أعوام في إنشاء مبادرة للطلبة العرب الفلسطينيين، للمباشرةِ في التفكير والعمل والتعاون، ولن أطرح العديد ممّا قدّمه المنتدى عبر الأعوام ولكن لنمعن النظر فقط على المؤتمرات الطلابيّة الخمس الماضية؛ حيثُ أننا نجيب تنظيميًا ومضمونًا على أنّ الطالب الفلسطينيّ يستطيع التفكير، يعزّز المنتدى هذهِ المقولة، من خلال إعادة تشكيل الحيّز الأكاديميّ الاستعماريّ في جامعة تل أبيب، مما يُتيح للطلبةِ الفلسطينيّون لعرضِ إنتاجهم المعرفيّ وتداولهِ ضمن دائرةً تعطي أهميّة لامكانيّة الإنتاج المعرفيّ الفلسطينيّ، لتحطيم الاضطهاد المعرفيّ، والتقليل من مساهمتنا وتُراثنا وتقاليدنا المعرفيّة، إذ أن الطالب الإسرائيليّ يمتلك عشرات المساحات لعرضِ إنتاجهِ وبدء العمل مباشرةً فور تخرجه، أما نحن ماذا نملك؟ ربّما مركز عربيّ وحيد للعلوم الاجتماعيّة في حيفا، وهل المساحات الإسرائيليّة بامكانها أن تقبل بنا كما نحنُ عرب وفلسطينيين بمواقف سياسيّة وأراء متعددة وأجندات وطروحات وخطط مستقبليّة أم تريدنا، أن نقدّم صكوك الطاعة ونصبح "عرب إسرائيل".

وبذلك استطاع المؤتمر أن يخلق مساحةً أيضًا للتعلّم المتبادل، إذ أنها من المساحات الأكاديميّة القليلة التي تعطينا الإمكانيّة للنقاش والحديث باللغة العربيّة فيما نعرفهُ وندرسهُ باللغة العبريّة/ الانجليزيّة. هذه ما نسميه إعادة التجذّر في الأرض، من خلال اللغة، بمعنى جميع محاولات تهميش معارفنا، نبنيها من جديد، ونقدّمها للأجيال الجديد وخصوصًا ممن لم يخوض بعد تجربة كتابة سيمنار. هذهِ مهمّة المنتدى في هذا المضمار، ربط أجيال كاملة من الطلبة، في هويّتهم ومعارفهم والأهم من ذلك استعادة المسؤوليّة التاريخيّة بالنسبةِ لنا، كطلبة للمساهمة المعرفيّة التحرريّة.


أشكر الجميع على الحضور، وبالتوفيق لجميع المشاركين.


6 يونيو، 2022
جامعة تل أبيب، الشيخ مونّس

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا