يومَ حسدتُ سيّد قشّوع

حنين مجادلة
2024 / 2 / 12



قال لي مُحرّر، ذات مرة: لستِ مُجبَرة على الكتابة عن النكبة والاحتلال دائماً، بإمكانك أن تكتبي عن أي موضوع، حتى عن أفلامٍ شاهدتِها وأحببتِها، مثلاً. قلتُ: نعم، أفهمك. لكن، ما العمل والأفلام المُفضّلة عندي هي أفلام عن النكبة والاحتلال؟צילום: بينو روتنبرغ، بإذن من أرشيف الدولة.

قبل نحو ثلاث سنوات، في أيار 2021، حين دخلتُ إلى بناية صحيفة "هآرتس" للمرة الأولى، لم يخطر في بالي أبداً أن أخرج من هناك ولديّ عرضٌ لكتابة مقال رأي أسبوعي. ترددت في قبول العرض، شعرتُ بأنه على الرغم من تجربتي في الكتابة باللغة العبرية على شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات إعلامية أخرى، وعلى الرغم من أنني أفهم بصورة لا بأس بها العقلية الإسرائيلية عموماً، التباينات الدقيقة والمخاوف التي تسيطر عليهم ـ مثل، حق العودة، اللغة العربية، المساواة القومية ـ إلا أن الحديث يجري عن قفزة نوعية، بل مثيرة للخوف بعض الشيء. فنحن لم نترَبَّ على الجهر بما نفكر به بصوت عالٍ، ولا أن نكتبه في صحيفة بالتأكيد، بل وبالاسم الحقيقي أيضاً.

كانت تلك أيام حملة "حارس الأسوار" بالتسمية الإسرائيلية، و"هبّة الكرامة" بالتسمية الفلسطينية. كانت تلك نقطة التحوّل الأهمّ، ربما، في العلاقة بين المجتمع الفلسطيني والدولة. هذه ليست فترات من السهل للمواطنين الفلسطينيين في الداخل أن يعبّروا فيها عن آرائهم. ولي أنا أيضاً. لكنني قررتُ أنه من المهمّ أن أختارَ المُباشَرة وعدم التلوّي. لن أتحدث بعد الآن بأسلوب الساب-تيكست؛ يا له من أمر صعب. كنت قد تعرّفتُ من قبل على تعابير الإسرائيليين عن خيبة الأمل حينما قلتُ لهم إنني فلسطينية وإنهم جزء من منظومة الاحتلال الإجرامية. أأكتُب هذا الآن، أيضاً؟




أعلمُ اليوم إن لا شي بعد 7 تشرين الأول يشبه ما قبله. إن كنتُ في العام 2021 قد حسبتُ أنني لا أملك امتياز عدم الكتابة عن الاحتلال، عن النكبة، عن تاريخي، الشخصي والجماعي؛ وأننا مُلزَمون بتحطيم الخرافة الإسرائيلية القائلة إن "العرب يقولون لك ما ترغب في سماعه، وليس ما يعتقدونه حقاً"، فإنني أفهم اليوم ثمن قول لهم ما اعتقد حقاً.


الثمن هو في الصورة، في الشكل الذي يَرونك به، كعدوّاً، تقريباً. في أعقاب ما نشرتُه من مقالات، ارتسمت لي صورة الفلسطينية القومجية المتطرفة، ليس في أوساط التيار المركزي الإسرائيلي، اليميني في غالبيته الساحقة، فحسب، وإنما في أوساط الوسط واليسار أيضاً. متى أدركتُ هذا؟ حين توقفوا عن دعوتي للمشاركة في ندوات وحلقات التعايش المشترك والتعايش التي ينظمها معسكر السلام. ما الذي حصل؟ هل انتهى كل شيء؟ ألم أعُد أُدعَى إلى الى هذه الاحتفاليات؟ مجادلة هي يمين فلسطيني قومجي، هكذا كتبوا عني. عمّا قليل سوف يرسلونني إلى اجتماع إيتمار بن غفير. ربما يريدون هناك متحدثاً باللغة العربية.

لم أهتدِ إلى تحديد شعوري الحقيقي حيال ذلك. في الايام العادية أشعر بالفخر، في الأيام المشحونة أمنياً أشعر بالضغط والخوف. أنا أعيش في البلاد وسأواصل العيش هنا، ويبدو أن الاحتلال لن ينتهي عمّا قريب (بل سيتوسع) وليست لديّ خطط للهجرة. أما الآن، فقد أصبحتُ متطرفة في نظر مَن تبقى من اليساريين هنا أيضاً.


لم أدرِ لماذا خطر في بالي سيّد قشّوع في تلك اللحظة. كان محبوباً لدى الإسرائيليين. حتى لو قال، من حين إلى آخر، "نكبة"، "أنا فلسطيني"، "فوقية يهودية"، لم يجعلوه عدوّاً للدولة. فكرتُ، ربما ليس متأخراً بعدُ تصحيح الصورة المغلوطة. أنا مُحبّة للسلام، وثمة اليوم مستشارون لهذا الموضوع. عُدتُ إلى نصوص قشّوع لأرى كيف فعل ذلك، كيف كتب ولم تُوجّه إليه السهام؟ يبدو لي أنني فهمت: كان يكتب كعربيّ إسرائيلي، وأنا أكتب كفلسطينية مواطِنة في هذه الدولة.

قال لي مُحرّر، ذات مرة: لستِ مُجبَرة على الكتابة عن النكبة والاحتلال دائماً، بإمكانك أن تكتبي عن أي موضوع، حتى عن أفلامٍ شاهدتِها وأحببتِها، مثلاً. قلتُ: نعم، أفهمك. لكن، ما العمل والأفلام المُفضّلة عندي هي أفلام عن النكبة والاحتلال؟

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا